بسم الله الرحمن الرحيم

بلاد وادي الذئاب!!

يبدو مثيراً ومدهشاً هذا العمل التلفزيوني (وادي الذئاب) التي راحت تعرضه أكثر من قناة حتى أنه كاد يأخذ بعرضه وتزامن هذا العرض ثلث البث الفضائي التلفزيوني اليومي وخاصة هذه الأيام ، وراح يستقطب هذا العمل عدداً كبيراً من المشاهدين بعد أن أثير وربما ما يزال يثار حوله جدل وشيء من الضجة لتكون دافعا قويا لتسويقه ، مع إعطاء الضوء الأخضر لتسويقه ، إن الفرجة على هذا العمل التلفزيوني ربما تثير الدهشة من خلال محاولة السيناريو الغوص إلى ما اصطلح عليه بالدولة العميقة ، وإذا بهذه الدولة العميقة هي منظمة سرية تصارع على أرض الواقع بوجوه كثيرة ، وتحافظ على قانون الصراع في الوادي ولا تجتهد في التفرد بالوادي ، لأنها تعلم أن تفردها بالوادي سيفقدها تاريخها الزمني الطويل الذي حاولت من خلاله تسويق أحقيتها في تشكيل أحد أقطاب الصراع في الوادي ، ولعل هذه الإشارة الأولى على الرغم من محاولتها الابتعاد عن ساحة الدين ، ومحاولتها اللعب على حبل الانتماء للأرض والقوم ، إلا أن المنظمات التي يكتب لها حياة طويلة هي دائما المنظمات التي تستقي وجودها من التعلق بالدين لأن البشرية بمجموعها تعلم أن الخلود أمر متعلق بالدين ، ولذا فهذه المنظمة التي رسمت ملامح الصراع في الوادي هي ظاهرة بمظهر العلم والدرس والبحث ولكنه بعملها وحركتها تستبطن هذه المشاركة التي بدت اليوم واضحة في الصراع الحاصل لقيادة الوادي ، فليس هناك منظمة تنشأ على وجه الأرض من دون أن يكون لها توجه سلطوي ، ولعل أبرز منظمة اليوم تشارك في صناعة سياسة الوادي هي المرجعية الدينية في النجف الأشرف .

إن من يدقق في عمق الوادي تتبين له صورة اللاعب الرئيسي جلية وهو يمسك بخيوط اللعبة على الرغم من أنه من خلال محاولته بالنزول إلى ساحة الوادي بوصفه أحد اللاعبين يريد صرف النظر عن التركيز على صورته المنعكسة على واقع اللعبة كونه هو الذي يمسك بالخيوط ويحركها ، وكذلك بوصفه هو قطب من أقطاب الصراع ، إن المنطق السياسي السائد اليوم ؛ لا عداوة حقيقية ولا صداقة حقيقية إنما هو منطق مراوغ يسوغ لنفسه التلون بكل الألوان ، وهذا المنطق يعبر عن آخر مكتشفات الشيطنة البشرية ، فالبشر يعلمون بسبب وجودهم أنهم خلق مخلوقون ، ولكنهم على ساحة العمل الواقعي اجتهدوا في أن يلعبوا دور الآلهة والأرباب ، وهذا الدور لم يتقمصوه من الفراغ ، ولم يكن وليد الخيال أو الوهم المبدع ، بل هو واقع حياتي معاش ومنظور ، فوجود رب للأرض في كل زمان هذا قانون إلهي ثابت لا يتبدل ولا يتغير ولا يتخلف ، ولكن لماذا هذا القانون معطل على ساحة الواقع؟؟!! السبب يعود في جرأة البشرية على محاربة الخالق بمخلوقه المنصب عليهم ، وامتحان المنصب بالصبر على عجلة الخلق فيما يتوهمونه قدرة على تغيير الإرادة الإلهية أو تبديلها ، ولقد حكى هذا الحال رب العزة سبحانه بقوله تعالى{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}(يونس/15) فقولهم : (ائت بقرآن غير هذا أو بدله) هو اعتراف منهم بأن الذي يضع القرآن هو مالك الملك ولا قدرة لأحد على تغييره سواه سبحانه ، ولكنهم بقولهم هذا يحاولون أن يغالطوا أنفسهم بأن المتكلم لا يعدو أن يكون بشراً ، وهو لا يختلف عنهم وهم جبلوا على التغيير والتبديل ، فلمَ لا يكون هذا البشر المرسل مثلهم ويقوم بتغيير القرآن أو تبديله لأنه بوضعه الذي جاء به يسلبهم كل ما اجتهدوا على الحصول عليه من خلال تنظيم قانون للصراع يعمل بقاعدة الشد والجذب مع الحفاظ على أقطاب الصراع وحبل الشد والجذب من الانقطاع أو الاصطدام الذي من شأنه الإقصاء ، نعم يعمل قانون الصراع على إقصاء كل من لا يعمل على وفق قواعد الصراع الموضوعة ، ولكنه يحافظ باستماتة منقطعة النظير على كل لاعب يقبل بشروط اللعبة ، ويقبل أن يكون قاتلا ومقتولا في نهاية الطريق ، فالذي يجعل الناس تتهافت على وادي الصراع هو أنه يعدهم دائما بأن يكونوا هم من يقتل ويغلب ، ويدفعهم إلى ساحة الصراع ولا يتدخل في مجريات الصراع ، كما اصطلح الأمريكان على ذلك بمصطلح (الفوضى الخلاقة) ليرى من يبقى أخيراً في ساحة الصراع ومن هو وفيٌّ لشروط الوادي وقوانينه ، ليبدأ دوره في توجيههم وتحريكهم على وفق متطلبات (الحلم الأمريكي) في قيادة العالم .

ربما ولفترة من الزمن نجح الأمريكان في تحويل وادي الرافدين إلى وادٍ للذئاب ، ولكن ما لم يحسبه مربي الذئاب أن رؤية الدماء تسيل من أنيابها يخرجها عن حد السيطرة ، ويجعل النزول إلى ساحة الوادي مغامرة خطرة ، يجتهد الأمريكان في الابتعاد عنها وعدم الانجرار إليها ، نعم هم نزلوا إلى ساحة الوادي نزلوا على أساس أنهم الذئب الأقوى والأشرس ، وإذا بهم يرون الوادي يضج بالذئاب التي انتظرت هذه الفرصة طويلا للعبث بالوادي وتحويله من وادي الرافدين ، ووادي الحياة ، إلى وادٍ للذئاب والموت المستمر ، ربما هم نجحوا في إنشاء الصفحة الأولى في إدارة الوادي ، ولكن الصفحات التالية راحت تكتب بأنياب الذئاب والدماء التي تسيل من أنيابها ، وربما الذئب الأمريكي شارك بدمه في خط سطور من تاريخ الوادي أو بعض كلمات فهو عندما اشتد الصراع انتهشته الذئاب وجرحته جراحات هو اليوم يئن منها ، ويحاول جاهداً أن يكتم آلامه ، ولكن جرأة ذئاب الوادي عليه مرات ومرات تهتك سريته في إخفاء جراحاته المتزايدة ، ولما صارت جراحه أكثر من أن تخفى أو يمكن سترها بادر إلى الهجوم بعبثية على كل الصعد والمستويات محاولة منه إلى إعادة مسيرة الوادي إلى الصفحة الأولى التي رسمها له ، ولكن كل محاولاته لا تعدو أن تكون محاولات ، حتى ما أسموه (الفوضى الخلاقة) الذي أرادوا من خلاله تصدير جراحهم إلى جسد الوادي وأهله ، كان أول من حصد ثمار هذه الفوضى الخلاقة هم الأمريكان ، ولعل أخطر ثمار هذه الفوضى هو الأزمة المالية التي عصفت بالاقتصاد الأمريكي الذي يشكل الذراع الضاربة للذئب الأمريكي ، وهذا الذراع هو الذي يغذي ذراع القوة العسكرية ، فتعطله أو الضعف في كفاءته سيظهر أثره واضحا على الذراع العسكري ، ولاشك في أن دخول الذئاب الإقليمية إلى الوادي زاد من صعوبة المهمة الملقاة على الذئب الأمريكي الذي لاشك في أنه يستشعر مدى خطورة الذئب الإيراني والذئب التركي الذي إلى الآن لم يكشر عن أنيابه وما زال يرتدي بزة الحملان ويقترب رويداً رويداً إلى حلبة الصراع ، وربما يبدو سبب تأجيل نزوله إلى ساحة الصراع على الرغم من أنه صار واحداً من أقطاب الوادي هو اقتراب المواجهة الشرسة بين الذئبين الأمريكي المليء بالجراحات والمثقل ، وبين الذئب الإيراني الذي وإن كانت جراحاته داخلية إلا أنه يعمل جاهداً على أن يبدو نشيطاً مغامراً يراهن على قوة ربما شكلت نقطة غروره .

ولكن لو وقع هذا الصراع وبدأت المواجهة فلن تنجلي الغبرة إلا وقد حصد كل الذين دخلوا الوادي ذئابا ما لم يكونوا يتمنونه ، فكل الذئاب التي تسللت إلى الوادي كانت تأمل أن يقع نابها على صيد لا يسبب لها إزعاجا ، ولكنها فوجئت أن الوادي من الخطورة بمكان لم تكن كل شبكات المعلومات التي حاولوا من خلالها استطلاع واقع الوادي أن تصف لهم حقيقة ما هو حاصل اليوم ، فليس عبثا أن يخرج من جيب الذئب التركي هذا المسلسل التلفزيوني ، فهذا المسلسل هو حلقة من حلقات ما هو مخطط للوادي الذي رسمه اللاعب الأمريكي ، فلا يمكن للأتراك أبداً أن يغامروا هذه المغامرة في عمل إعلامي قد يكون في الكثير من تفاصيله (وثائقيا) بامتياز ، هكذا رغبة بالفن ، وإيمانا برسالة الفن التي بحسب ما يعلنون عنها أنها رسالة كشف للحقائق!!! وإنما إقدامهم على إنتاج عمل بهذه الضخامة هو حلقة من حلقات المسلسل الأمريكي الكبير والطويل لتحقيق (الحلم الأمريكي) في قيادة العالم ولعب دور القائد المنقذ والمخلص .

هذا على الرغم من الجعجعة التي حاول الصهاينة إثارتها بوجه واحدة من الفضائيات التي أقدمت على عرض ذلك المسلسل ، إلا أن هذه الجعجعة مفضوحة الغاية ، فلم يعد المشاهد ـ وإن كان صامتا ـ بهذه الدرجة من الغباء ، فالصهاينة يلعبون بورقة (الكراهية) التي من خلالها يمررون ما يريدون ، ولأنهم أرادوا لهذا العمل أن يكون رسالة إلى أهل الوادي وما حوله تحقق لهم ما يتمنون منه ، فتلحظهم مباشرة وعلنا هاجموا المسلسل واعترضوا على القناة ، ولو كانوا صادقين في ما يدعون لمنع عرض المسلسل كما منع عرض المسلسل الذي كان يتحدث عن (جماعة القاعدة الشيطانية) من دون ضجة هكذا ، فلماذا منعوه؟؟ لأنه لو كان قد عرض لفضح الوجه القبيح لتلك القاعدة التي مازالوا يجهدون لإخفاء وجهها القبيح ، ويديمون وجودها لاستمرار اختلاق الذرائع بوجه الإسلام بوصفه الدين الذي يتحمل مسؤولية إقامة دولة العدل التي يتحرك باتجاهها الخلق طوعا ـ وهم القلة ـ وكرها ـ وهم الكثرة ـ فهذه الحركة الدؤوبة للاعب الأمريكي في هذه المنطقة بالذات ـ أي في منطقة الوادي ـ هو لأنه يعلم تمام العلم أن هذا الوادي هو كما كان منذ أول وجوده مصدر الإشعاع الإلهي للبشرية ، فليس مصادفة أن يكون الوادي هو مهد الأنبياء(ع) وساحة حركتهم المباركة ، واللاعب الأمريكي لاعب يمتاز بذكاء شيطاني منقطع النظير ، ولذلك استحق بامتياز أن يكون هو مصداق (الدجال الأكبر) ، ومعلوم أن الدجال يأتي إلى عاصمة الدولة المهدوية بضربة استباقية محاولا على أقل تقدير خداع أكثر عدد من الناس بأن الدولة المهدوية ما هي إلا ضرب من الخيال لا يمكن أن تتحقق!! ويشرع بإدخال اليأس والقنوط إلى أنفس البشرية ، فقضية الإيمان بضرورة وجود المخلص هي قضية تؤمن بها البشرية كلها ، ولذلك حاول اللاعب الأمريكي تقمص هذا الدور ، كي يبدو هو المخلص الموعود ، ولكنه ربما غفل أو ربما اجتهد في إشاعة ثقافة التغافل لدى أوليائه ؛ أن ما يلائمه هو دور الدجال وليس المخلص ، فالبشرية تنتظر من المخلص : العدل والصدق والرحمة ، واللاعب الأمريكي جاء للناس ومعه ـ كما وصفت الرواية عن الطاهرين(ص) ـ جبلان ؛ جبل من طعام ، وجبل من نار ، وينادي في الناس إلي أوليائي ، فمن والاه دخل في جبل الطعام ، ومن رفض موالاته دخل في جبل النار ، وهذا الأمر لا يحتاج إلى توضيح الدليل ، فجورج بوش قائد هذه الحملة (الصليبية) صرح بلسانه : العالم إما معنا أو ضدنا ، ولا يوجد خيار ثالث ، ووعد من كان معه بعطايا جبل الطعام ، وأوعد من لم يواله بجبل النار ، ولكن ما لم يكن يحسبه (الدجال الأكبر) هو انهيار جبل الطعام الذي أثر بصورة واضحة على جبل النار ، حتى بدأ من اجتمعوا على مائدته ينفضوا عنها لئلا يحملوا وزرها ، وراح الذين تربصوا به يتجرؤون عليه ولم يجد بداً من المناورة كي يحتفظ بشيء من ماء الوجه ـ كما يقولون ـ فراح ينشط في تهديد من بدؤوا يتجرؤون عليه ، ولكن تهديده لم يعد يرعب المتربصين كما كان بل على العكس تماما فهم ينتظرون منه أن يخطو الخطوة الأولى في تنفيذ ما يهدد به ، وهو يدرك ذلك تماما ، ولذلك فهو ما يفتأ أن يعود مراوغا إلى سياسة (العصا والجزرة) عسى أن تنفعه ، ولات حين نفع أبدا .

إن الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه الأمريكان هو محاولتهم العابثة لتخريب وادي الرافدين ، وعملهم على تحويله إلى واد للموت ومرتع للذئاب ، وبهذا الخطأ الفادح سيرى الأمريكان بأم أعينهم كيف تنهار مملكتهم الحديدية التي داست كل الممالك ، وكيف ستدفع إلى وقيد النار؟؟!! ذاك أن دخولها إلى الوادي وتخريبها إياه جعلها كمن أوقد ناراً ليحرق بها كل ما هو أخضر ويابس فلما أكلت النار ما قدمه لها وطلبت المزيد ولم يجبها التفت عليه فأكلته ، لقد تبجح كثيرا الأمريكان وأعلنوها صراحة أن وجودهم في أرض الوادي هو لتصحيح (خطأ الرب)!! كما يزعمون ، وحتى أن الكثير من مسؤوليهم سمى جيشهم الذي هو خليط من المرتزقة ، والعسكر المغلوب على أمرهم بـ(جيش الرب) ظنا منهم أن تحويلهم وادي الرافدين إلى وادٍ للذئاب إنما هو تنفيذ لإرادة الرب ، وهذا مكرهم الذي وصفه الرب سبحانه بقوله {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (إبراهيم/42-48) .