بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم ان الدنيا عدوة لله و لاوليائه و لا عدائه: اما عداوتها لله، فانها قطعت الطريق على العبادة، و لذلك لم ينظر اليها مذ خلقها، كما ورد في الاخبار و اما عداوتها لاوليائه و احبائه، فانها تزينت لهم بزينتها و عمتهم بزهرتها و نضارتها، حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها. و اما عداوتها لاعدائه، فانها استدرجتهم بمكرها و مكيدتها و اقتنصتهم بشباكها و حبائلها حتى وثقوا بها و عولوا عليها، فاجتبوا منها حيرة و ندامة تنقطع دونها الاكباد، ثم حرمتهم عن السعادة ابد الآباد، فهم على فراقها يتحسرون و من مكائدها يستغيثون و لا يغاثون، بل يقال لهم:

«اخسؤا فيها و لا تكلمون‏» . «اولئك الذين‏اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب و لاهم ينصرون‏» .

و الآيات الواردة في ذم الدنيا و حبها كثيرة، و اكثر القرآن مشتمل على ذلك و صرف الخلق عنها و دعوتهم الى الآخرة، بل هو المقصود من بعثة الانبياء، فلا حاجة الى الاستشهاد بآيات القرآن لظهورها. فلنشر الى نبذة من الاخبار الواردة في ذم الدنيا و حبها و فى سرعة زوالها، قال رسول الله-صلى الله عليه و آله و سلم-: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» . و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله و سلم-: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها الا ما كان لله منها»

و قال-صلى الله عليه و آله و سلم-: «الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر»

و قال-صلى الله عليه و آله و سلم-: «من اصبح و الدنيا اكبر همه فليس من الله في شي‏ء، و الزم الله قلبه اربع خصال: هما لا ينقطع عنه ابدا، و شغلا لا يتفرغ منه ابدا و فقرا لا ينال غناه ابدا. و املا لا يبلغ منتهاه ابدا، و قال-صلى الله عليه و آله-: «يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود و هو يسعى لدار الغرور! » . و قال-صلى الله عليه و آله-: «لتاتينكم بعدى دنيا تاكل ايمانكم كما تاكل النار الحطب‏» . و قال: «الهاكم التكاثر، يقول ابن آدم: مالي مالي. و هل لك من مالك الا ما تصدقت فابقيت، او اكلت فافنيت، او لبست فابليت؟ » . و قال: «اوحى الله-تعالى-الى موسى: لا تركنن الى حب الدنيا، فلن تاتين بكبيرة هي اشد عليك منها»

و قال-صلى الله عليه و آله-: «حب الدنيا راس كل خطيئة‏» . و قال -صلى الله عليه و آله-: «من احب دنياه اضر بآخرته و من احب آخرته اضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى‏» . و مر-صلى الله عليه و آله-على مزبلة، فوقف عليها و قال: «هلموا الى الدنيا! » و اخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة و عظاما قد نخرت، فقال: «هذه الدنيا! »

و قال-صلى الله عليه و آله- «ان الله لم يخلق خلقا ابغض اليه من الدنيا، و انه لم ينظر اليها منذ خلقها» . و قال-صلى الله عليه و آله- «الدنيا دار من لا دار له و مال من لا مال له، و لها يجمع من لا عقل له، و عليها يعادى من لا علم عنده، و عليها يحسد من لا فقه له، و لها يسعى من لا يقين له‏» . و قال-صلى الله عليه و آله و سلم-: «لما هبط آدم من الجنة الى الارض قال له: ان للخراب ولد للفناء» . و قال -صلى الله عليه و آله-: «لتجيئن اقوام يوم القيامة و اعمالهم كجبال تهامة. فيؤمر بهم الى النار» ، فقيل: يا رسول الله! امصلين؟ قال:

نعم، ! كانوا يصومون و يصلون و ياخذون هنيئة من الليل، فاذا عرض لهم من الدنيا شي‏ء و ثبوا عليه‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «هل منكم من يريد ان يذهب الله عنه العمى و يجعله بصيرا؟ الا انه من رغب في الدنيا و طال فيها امله اعمى الله قلبه على قدر ذلك، و من زهد في الدنيا و قصر امله فيها اعطاه الله علما بغير تعلم و هدى بغير هداية‏» . و قال -صلى الله عليه و آله-: «فو الله ما الفقر اخشى عليكم، و لكني اخشى عليكم ان تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، و تهلككم كما اهلكتهم‏» و قال: «اكثر ما اخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الارض‏» ، فقيل: ما بركات الارض؟ قال «زهرة الدنيا» .

و قال-صلى الله عليه و آله-: «دعوا الدنيا لاهلها من اخذ من الدنيا فوق ما يكفيه فقد اخذ حتفه و هو لا يشعر» . و قال -صلى الله عليه و آله-: «سياتي قوم بعدى ياكلون اطايب الطعام و انواعها، و ينكحون اجمل النساء و الوانها، و يلبسون الين الثياب و الوانها و يركبون اقوى الخيل و الوانها، لهم بطون من القليل لا تشبع، و انفس بالكثير لا تقنع، عاكفين على الدنيا، يغدون و يروحون اليها، اتخذوها آلهة دون الهم و ربا دون ربهم الى امرهم ينتهون و هواهم يلعبون، فعزيمة من محمد بن عبد الله لمن ادرك ذلك الزمان من عقب عقبكم و خلف خلفكم ابدا لا يسلم عليهم و لا يعود مرضاهم و لا يتبع جنائزهم و لا يوقر كبيرهم و من فعل ذلك فقد اعان على هدم الاسلام‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «مالى و للدنيا و ما انا و الدنيا؟ ! انما مثلى و مثلها كمثل راكب سار في يوم صائف، فرفعت له شجرة، فقال تحت ظلها ساعة، ثم راح و تركها» و قال-صلى الله عليه و آله-: «احذروا الدنيا، فانها اسحر من هاروت و ماروت‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «حق على الله الا يرفع شيئا من الدنيا الا وضعه‏» . و قال عيسى بن مريم-عليه السلام- «ويل لصاحب الدنيا! كيف يموت و يتركها، و يامنها و تغره، و يثق بها و تخذله، ويل للمغترين! كيف الزمهم ما يكرهون، و فارقهم ما يحبون، و جاءهم ما يوعدون، ويل لمن اصبحت الدنيا همه و الخطايا عمله! كيف يفتضح غدا بذنبه‏» . و قال-عليه السلام-: «من ذا الذى يبني على امواج البحر دارا تلكم الدنيا، فلا تتخذوها قرارا»

و قال عليه السلام «لا يستقيم حب الدنيا و الآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء و النار في اناء واحد» . و اوحى الله-تعالى-الى موسى: «يا موسى: ! مالك و لدار الظالمين! انها ليست لك بدار، اخرج منها همك و فارقها بعقلك فبئست الدار هي، الا لعامل يعمل فيها فنعمت الدار هي، يا موسى!

انى مرصد للظالم حتى آخذ منه للمظلوم‏» . و اوحى اليه: «يا موسى!

لا تركنن الى حب الدنيا، فلن تاتين بكبيرة هي اشد منها» . و مر موسى عليه السلام برجل و هو يبكي، و رجع و هو يبكي، فقال موسى: «يا رب عبدك يبكي من مخافتك‏» ، فقال تعالى: «يا بن عمران! لو نزل دماغه مع عينيه و رفع يديه حتى يسقطا لم اغفر له و هو يحب الدنيا! » .

و قال امير المؤمنين عليه السلام-بعد ما قيل له صف لنا الدنيا-: «و ما اصف لك من دار من صح فيها سقم، و من امن فيها ندم، و من افتقر فيها حزن، و من استغنى فيها افتتن، في حلالها الحساب، و في حرامها العقاب‏» . و قال-عليه السلام-: «انما مثل الدنيا كمثل الحية ما الين مسها و في جوفها السم الناقع، يحذرها الرجل العاقل و يهوى اليها الصبي الجاهل‏» . و قال في وصف الدنيا: «ما اصف من دار اولها عناء و آخرها فناء، في حلالها حساب و في حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، و من افتقر فيها حزن، و من ساعاها فاتته، و من قعد عنها آتته، و من بصر بها بصرته، و من ابصر اليها اعمته‏» ، و قال عليه السلام في بعض مواعظه: «ارفض الدنيا، فان حب الدنيا يعمى و يصم و يبكم و يذل الرقاب، فتدارك ما بقي من عمرك، و لا تقل غدا و بعد، فانما هلك من كان قبلك باقامتهم على الامانى و التسويف، حتى اتاهم امر الله بغتة و هم عافلون فنقلوا على اعوادهم الى قبورهم المظلمة الضيقة، و قد اسلمهم الاولاد و الاهلون، فانقطع الى الله بقلب منيب. من رفض الدنيا و عزم ليس فيه انكسار و لا انخذال‏» . و قال-عليه السلام-: «لا تغرنكم الحياة الدنيا فانها دار بالبلاء محفوفة، و بالفناء معروفة، و بالغدر موصوفة، فكل ما فيها الى زوال، و هي بين اهلها دول و سجال، لا تدوم احوالها، و لا يسلم من شرها نزالها، بينا اهلها منها في رخاء و سرور اذا هم منها في بلاء و غرور احوال مختلفة، و تارات متصرمة، العيش فيها مذموم، و الرخاء فيها لا يدوم، و انما اهلها فيها اغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، و تفنيهم بحمامها. و اعلموا عباد الله انكم و ما انتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى، ممن كان اطول منكم اعمارا، و اشد منكم بطشا، و اعمر ديارا و ابعد آثارا، فاصبحت اصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها، و اجسادهم بالية، و ديارهم على عروشها خاوية، و آثارهم عافية، استبدلوا بالقصور المشيدة و السرر و النمارق الممهدة الصخور و الاحجار المسندة في القبور اللاطئة الملحدة فمحلها مقترب، و ساكنها مغترب، بين اهل عمارة موحشين، و اهل محلة متشاغلين، لا يستانسون بالعمران، و لا يتواصلون تواصل الجيران الاخوان، على ما بينهم من قرب الجوار و دنو الدار، و كيف يكون بينهم تواصل، و قد طحنهم بكلكله البلاء، و اكلتهم الجنادل و الثرى و اصبحوا بعد الحياة امواتا، و بعد نضارة العيش رفاتا، فجع بهم الاحباب و سكنوا تحت التراب، و ظعنوا فليس لهم اياب، هيهات هيهات!
«كلا انها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ الى‏يوم يبعثون‏» .

فكان قد صرتم الى ما صاروا اليه من البلى و الوحدة في دار المثوى، و ارتهنتم في ذلك المضجع، و ضمكم ذلك المستودع، و كيف بكم لو عاينتم الامور، و بعثرت القبور، و حصل ما في الصدور، و اوقفتم للتحصيل بين يدى الملك الجليل، فطارت القلوب لاشفاقها من سالف الذنوب، و هتكت عنكم الحجب و الاستار، فظهرت منكم العيوب و الاسرار، هنالك.
«تجزى كل نفس بما كسبت‏» .

و قال ايضا-عليه السلام-في بعض خطبه: «اوصيكم بتقوى الله و الترك للدنيا التاركة لكم، و ان كنتم لا تحبون تركها، المبلية اجسامكم و انتم تريدون تجديدها، فانما مثلكم و مثلها كمثل قوم في سفر سلكوا طريقا و كانهم قد قطعوه، و افضوا الى علم، فكانهم قد بلغوه، و كم عسى ان يجرى المجرى حتى ينتهى الى الغاية، و كم عسى ان يبقى من له يوم في الدنيا، و طالب حثيث‏يطلبه حتى يفارقها، فلا تجزعوا لبؤسها و ضرائها فانه الى انقطاع، و لا تفرحوا بمتاعها و نعمائها فانه الى زوال، عجبت لطالب الدنيا و الموت يطلبه، و غافل و ليس بمغفول عنه‏» .

و قال السجاد-عليه السلام-: «ان الدنيا قد ارتحلت مدبرة، و ان الآخرة قد ارتحلت مقبلة، و لكل واحدة منهما بنون، فكونوا من ابناء الآخرة و لا تكونوا من ابناء الدنيا، الا و كونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، الا ان الزاهدين في الدنيا اتخذوا الارض بساطا و التراب فراشا و الماء طيبا، و قرضوا من الدنيا تقريضا، الا و من اشتاق الى الجنة سلا عن الشهوات، و من اشفق من النار رجع عن المحرمات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، الا ان لله عبادا كمن راى اهل الجنة في الجنة مخلدين، و كمن راى اهل النار في النار معذبين، شرورهم مامونة و قلوبهم محزونة، انفسهم عفيفة، و حوائجهم خفيفة، صبروا اياما قليلة، فصاروا بعقبى راحة طويلة، اما الليل فصافون اقدامهم، تجرى دموعهم على خدودهم، و هم يجارون الى ربهم، يسعون في فكاك رقابهم، و اما النهار فحلماء علماء بررة اتقياء كانهم القداح، قد براهم الخوف من العبادة، ينظر اليهم الناظر فيقول مرضى، و ما بالقوم من مرض، ام خولطوا، فقد خالط القوم امر عظيم من ذكر النار و ما فيها» . و قال-عليه السلام- «ما من عمل بعد معرفة الله-عز و جل-و معرفة رسوله-صلى الله عليه و آله-افضل من بغض الدنيا، فان ذلك لشعبا كثيرة، و للمعاصي شعبا فاول ما عصى الله به الكبر معصية ابليس حين ابى و استكبر و كان من الكافرين ثم

. و قال عليه السلام «لا يستقيم حب الدنيا و الآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء و النار في اناء واحد» . و اوحى الله-تعالى-الى موسى: «يا موسى: ! مالك و لدار الظالمين! انها ليست لك بدار، اخرج منها همك و فارقها بعقلك فبئست الدار هي، الا لعامل يعمل فيها فنعمت الدار هي، يا موسى!

انى مرصد للظالم حتى آخذ منه للمظلوم‏» . و اوحى اليه: «يا موسى!

لا تركنن الى حب الدنيا، فلن تاتين بكبيرة هي اشد منها» . و مر موسى عليه السلام برجل و هو يبكي، و رجع و هو يبكي، فقال موسى: «يا رب عبدك يبكي من مخافتك‏» ، فقال تعالى: «يا بن عمران! لو نزل دماغه مع عينيه و رفع يديه حتى يسقطا لم اغفر له و هو يحب الدنيا! » .

و قال امير المؤمنين عليه السلام-بعد ما قيل له صف لنا الدنيا-: «و ما اصف لك من دار من صح فيها سقم، و من امن فيها ندم، و من افتقر فيها حزن، و من استغنى فيها افتتن، في حلالها الحساب، و في حرامها العقاب‏» . و قال-عليه السلام-: «انما مثل الدنيا كمثل الحية ما الين مسها و في جوفها السم الناقع، يحذرها الرجل العاقل و يهوى اليها الصبي الجاهل‏» . و قال في وصف الدنيا: «ما اصف من دار اولها عناء و آخرها فناء، في حلالها حساب و في حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، و من افتقر فيها حزن، و من ساعاها فاتته، و من قعد عنها آتته، و من بصر بها بصرته، و من ابصر اليها اعمته‏» ، و قال عليه السلام في بعض مواعظه: «ارفض الدنيا، فان حب الدنيا يعمى و يصم و يبكم و يذل الرقاب، فتدارك ما بقي من عمرك، و لا تقل غدا و بعد، فانما هلك من كان قبلك باقامتهم على الامانى و التسويف، حتى اتاهم امر الله بغتة و هم عافلون فنقلوا على اعوادهم الى قبورهم المظلمة الضيقة، و قد اسلمهم الاولاد و الاهلون، فانقطع الى الله بقلب منيب. من رفض الدنيا و عزم ليس فيه انكسار و لا انخذال‏» . و قال-عليه السلام-: «لا تغرنكم الحياة الدنيا فانها دار بالبلاء محفوفة، و بالفناء معروفة، و بالغدر موصوفة، فكل ما فيها الى زوال، و هي بين اهلها دول و سجال، لا تدوم احوالها، و لا يسلم من شرها نزالها، بينا اهلها منها في رخاء و سرور اذا هم منها في بلاء و غرور احوال مختلفة، و تارات متصرمة، العيش فيها مذموم، و الرخاء فيها لا يدوم، و انما اهلها فيها اغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، و تفنيهم بحمامها. و اعلموا عباد الله انكم و ما انتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى، ممن كان اطول منكم اعمارا، و اشد منكم بطشا، و اعمر ديارا و ابعد آثارا، فاصبحت اصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها، و اجسادهم بالية، و ديارهم على عروشها خاوية، و آثارهم عافية، استبدلوا بالقصور المشيدة و السرر و النمارق الممهدة الصخور و الاحجار المسندة في القبور اللاطئة الملحدة فمحلها مقترب، و ساكنها مغترب، بين اهل عمارة موحشين، و اهل محلة متشاغلين، لا يستانسون بالعمران، و لا يتواصلون تواصل الجيران الاخوان، على ما بينهم من قرب الجوار و دنو الدار، و كيف يكون بينهم تواصل، و قد طحنهم بكلكله البلاء، و اكلتهم الجنادل و الثرى و اصبحوا بعد الحياة امواتا، و بعد نضارة العيش رفاتا، فجع بهم الاحباب و سكنوا تحت التراب، و ظعنوا فليس لهم اياب، هيهات هيهات!
«كلا انها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ الى‏يوم يبعثون‏» .

فكان قد صرتم الى ما صاروا اليه من البلى و الوحدة في دار المثوى، و ارتهنتم في ذلك المضجع، و ضمكم ذلك المستودع، و كيف بكم لو عاينتم الامور، و بعثرت القبور، و حصل ما في الصدور، و اوقفتم للتحصيل بين يدى الملك الجليل، فطارت القلوب لاشفاقها من سالف الذنوب، و هتكت عنكم الحجب و الاستار، فظهرت منكم العيوب و الاسرار، هنالك.
«تجزى كل نفس بما كسبت‏» .

و قال ايضا-عليه السلام-في بعض خطبه: «اوصيكم بتقوى الله و الترك للدنيا التاركة لكم، و ان كنتم لا تحبون تركها، المبلية اجسامكم و انتم تريدون تجديدها، فانما مثلكم و مثلها كمثل قوم في سفر سلكوا طريقا و كانهم قد قطعوه، و افضوا الى علم، فكانهم قد بلغوه، و كم عسى ان يجرى المجرى حتى ينتهى الى الغاية، و كم عسى ان يبقى من له يوم في الدنيا، و طالب حثيث‏يطلبه حتى يفارقها، فلا تجزعوا لبؤسها و ضرائها فانه الى انقطاع، و لا تفرحوا بمتاعها و نعمائها فانه الى زوال، عجبت لطالب الدنيا و الموت يطلبه، و غافل و ليس بمغفول عنه‏» .

و قال السجاد-عليه السلام-: «ان الدنيا قد ارتحلت مدبرة، و ان الآخرة قد ارتحلت مقبلة، و لكل واحدة منهما بنون، فكونوا من ابناء الآخرة و لا تكونوا من ابناء الدنيا، الا و كونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، الا ان الزاهدين في الدنيا اتخذوا الارض بساطا و التراب فراشا و الماء طيبا، و قرضوا من الدنيا تقريضا، الا و من اشتاق الى الجنة سلا عن الشهوات، و من اشفق من النار رجع عن المحرمات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، الا ان لله عبادا كمن راى اهل الجنة في الجنة مخلدين، و كمن راى اهل النار في النار معذبين، شرورهم مامونة و قلوبهم محزونة، انفسهم عفيفة، و حوائجهم خفيفة، صبروا اياما قليلة، فصاروا بعقبى راحة طويلة، اما الليل فصافون اقدامهم، تجرى دموعهم على خدودهم، و هم يجارون الى ربهم، يسعون في فكاك رقابهم، و اما النهار فحلماء علماء بررة اتقياء كانهم القداح، قد براهم الخوف من العبادة، ينظر اليهم الناظر فيقول مرضى، و ما بالقوم من مرض، ام خولطوا، فقد خالط القوم امر عظيم من ذكر النار و ما فيها» . و قال-عليه السلام- «ما من عمل بعد معرفة الله-عز و جل-و معرفة رسوله-صلى الله عليه و آله-افضل من بغض الدنيا، فان ذلك لشعبا كثيرة، و للمعاصي شعبا فاول ما عصى الله به الكبر معصية ابليس حين ابى و استكبر و كان من الكافرين ثم

الحرص، و هى معصية آدم و حواء حين قال الله-عز و جل-لهما: «فكلا من حيث‏شئتما و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين‏» .
فاخذا ما لا حاجة بهما اليه، فدخل ذلك على ذريتهما الى يوم القيامة و ذلك ان اكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به اليه. ثم الحسد، و هو معصية ابن آدم حيث‏حسد اخاه فقتله، فتشعب من ذلك حب النساء و حب الدنيا، و حب الرئاسة، و حب الراحة، و حب الكلام، و حب العلو و الثروة، فصرن سبع خصال، فاجتمعن كلهن في حب الدنيا. فقال الانبياء و العلماء-بعد معرفة ذلك-: حب الدنيا راس كل خطئة، و الدنيا دنيا آن: دنيا بلاغ و دنيا ملعونة‏» . و قال الباقر عليه السلام لجابر:

«يا جابر! انه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغل قلبه عما سواه يا جابر! ما الدنيا و ما عسى ان تكون الدنيا؟ ! هل هي الا طعام اكلته او ثوب لبسته، او امراة اصبتها؟ يا جابر! ان المؤمنين لم يطمانوا الى الدنيا ببقائهم فيها، و لم يامنوا قدومهم الآخرة. يا جابر! الآخرة دار قرار، و الدنيا دار فناء و زوال، و لكن اهل الدنيا اهل غفلة، و كان المؤمنون هم الفقهاء اهل فكرة و عبرة، لم يصمهم عن ذكر الله-جل اسمه-ما سمعوا باذانهم، و لم يعمهم عن ذكر الله ما راوا من الزينة باعينهم ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم‏» و قال الصادق-عليه السلام-: «مثل الدنيا كمثل ماء البحر، كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله‏» . و قال: فيما ناجى الله-عز و جل-به موسى:

«يا موسى! لا تركن الى الدنيا ركون الظالمين و ركون من اتخذها ابا و اما يا موسى! لو وكلتك الى نفسك لتنظر لها اذن لغلب عليك حب الدنيا و زهرتها يا موسى! نافس في الخير اهله و استبقهم اليه، فان الخير كاسمه، و اترك من الدنيا ما بك الغنى عنه و لا تنظر عينك الى كل مفتون بها و موكل الى نفسه، و اعلم ان كل فتنة بدؤها حب الدنيا، و لا تغبط احدا بكثرة المال فان مع كثرة المال تكثر الذنوب لواجب الحقوق و لا تغبطن احدا برضى الناس عنه. حتى يتعلم ان الله راض عنه، و لا تغبطن مخلوقا بطاعة الناس له، فان طاعة الناس له و اتباعهم اياه على غير الحق هلاك له و لمن تبعه‏»

و اوحى الله-تعالى-الى موسى و هارون لما ارسلهما الى فرعون: «لو شئت ان ازينكما بزينة من الدنيا، يعرف فرعون حين يراها ان مقدرته تعجز عما اوتيتما لفعلت، و لكنى ارغب لكما عن ذلك و ازوى ذلك عنكما و كذلك افعل باوليائى، اني لازويهم عن نعيمها، كما يزوى الراعى الشفيق غنمه عن مواقع الهلكة، و انى لاجنبهم عيش سلوتها، كما يجنب الراعى الشفيق ابله عن مواقع الغرة، و ما ذلك لهوانهم علي، و لكن ليستكلموا نصيبهم من كرامتى سالما موفرا، انما يتزين لي اوليائي: بالذل و الخشوع و الخوف و التقوى‏» . و قال الكاظم-عليه السلام-: «قال ابو ذر -رحمه الله-: جزى الله الدنيا عن مذمة بقدر رغيفين من الشعير، اتغذى باحدهما و اتعشى بالآخر، و بعد شملتى الصوف، اتزر باحداهما و اتردى بالاخرى‏» . و قال لقمان لابنه: «يا بني! بع دنياك باخرتك تربحهما جميعا، و لا تبع آخرتك بدنياك تخسرهما جميعا. و قال له: «يا بني! ان الدنيا بحر عميق، قد غرق فيها ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله-عز و جل-و حشوها الايمان، و شراعها التوكل على الله، لعلك ناج و ما اراك ناجيا» . و قال:

«يا بني! ان الناس قد جمعوا قبلك لاولادهم فلم يبق ما جمعوا و لم يبق من جمعوا له، و انما انت عبد مستاجر قد امرت بعمل و وعدت عليه اجرا، فاوف عملك و استوف اجرك، و لا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع اخضر فاكلت‏حتى سمنت، فكان حتفها عند سمنها، و لكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها و تركتها، و لم ترجع اليها آخر الدهر، اخر بها و لا تعمر، فانك لم تؤمر بعمارتها، و اعلم انك ستسال غدا اذا وقفت‏بين يدى الله-عز و جل- عن اربع: شبابك فيما ابليته، و عمرك فيما افنيته، و مالك مما اكتسبته.

و فيما انفقته، فتاهب لذلك، و اعد له جوابا، و لا تاس على ما فاتك من الدنيا. فان قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه، و كثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك و جد في امرك، و اكشف الغطاء عن وجهك، و تعرض لمعروف ربك، و جدد التوبة في قلبك، و اكمش في فراغك قبل ان يقصد قصدك، و يقضى قضاؤك، و يحال بينك و بين ما تريد» .
و قال بعض الحكماء: «الدنيا دار خراب، و اخرب منها قلب من يعمرها. و الجنة دار عمران، و اعمر منها قلب من يعمرها» . و قال بعضهم: «الدنيا لمن تركها، و الآخرة لمن طلبها» . و قال بعضهم:
«انك لن تصبح في شي‏ء من الدنيا الا و قد كان له اهل قبلك، و يكون له اهل بعدك، و ليس لك من الدنيا الا عشاء ليلة و غداء يوم، فلا تهلك نفسك في اكلة، و صم الدنيا، و افطر على الآخرة، فان راس مال الدنيا الهوى، و ربحها النار» . و قال بعض اكابر الزهاد: «الدنيا تخلق الابدان و تجدد الآمال، و تقرب المنية، و تبعد الامنية، و من ظفر بها تعب، و من فاتته نصب‏» ، و قال بعضهم: «ما في الدنيا شي‏ء يسرك الا و قد التزق به شي‏ء يسؤك‏» . و قال آخر: «لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا الا بحسرات ثلاث: انه لم يشبع مما جمع، و لم يدرك ما امل، و لم يحسن الزاد لما قدم عليه‏» و قال حكيم: كانت الدنيا و لم اكن فيها، و تذهب و لا اكون فيها، فكيف اسكن اليها؟ فان عيشها نكد، و صفوها كدر، و اهلها منها على وجل، اما بنعمة زائلة، او بلية نازلة، او منية قاضية‏» .

و قال بعض العرفاء: «الدنيا حانوت الشيطان، فلا تسرق من حانوته شيئا، فيجى‏ء في طلبك و ياخذك‏» . و قال بعضهم: «لو كانت الدنيا من ذهب يفنى و الآخرة من خزف يبقى، لكان ينبغي ان يختار العاقل خزفا يبقى على ذهب يفنى، فكيف و الآخرة ذهب يبقى و الدنيا ادون من خزف يفنى؟ » و قد ورد: «ان العبد اذا كان معظما للدنيا، يوقف يوم القيامة، و يقال: هذا عظم ما حقره الله‏» . و روى: «انه لما بعث النبي-صلى الله عليه و آله و سلم-اتت ابليس جنوده، فقالوا: قد بعث نبي و اخرجت امة، قال: يحبون الدنيا؟ قالوا: نعم! قال: ان كانوا يحبونها ما ابالي الا يعبدوا الاوثان، و انا اغدو عليهم و اروح بثلاثة:

اخذ المال من غير حقه، و انفاقه في غير حقه، و امساكه عن حقه، و الشر كله لهذا تبع‏» . و روى: «انه اوحى الله تعالى الى بعض انبيائه احذر مقتك، فتسقط من عيني، فاصب عليك الدنيا صبا» . و قال بعض الصحابة: «ما اصبح احد من الناس في الدنيا الا و هو ضيف، و ماله عارية. فالضيف مرتحل، و العارية مردودة‏» . و قال بعضهم: «ان الله جعل الدنيا ثلاثة اجزاء: جزء للمؤمن، و جزء للمنافق، و جزء للكافر

فالمؤمن يتزود، و المنافق يتزين، و الكافر يتمتع‏» . و قيل: «من اقبل على الدنيا احرقته نيرانها حتى يصير رمادا، و من اقبل على الآخرة صفته نيرانها فصار سبيكة ذهب ينتفع بها، و من اقبل على الله سبحانه، احرقته نيران التوحيد، فصار جوهرا لاحد لقيمته‏» . و قيل ايضا: «العقلاء ثلاثة: من ترك الدنيا قبل ان تتركه، و بنى قبره قبل ان يدخله و ارضى خالقه قبل ان يلقاه‏» . و سال بعض الامراء رجلا بلغ عمره مائتي سنة عن الدنيا، فقال:

«سنيات بلاء و سنيات رخاء، يوم فيوم، و ليلة فليلة، يولد ولد، و يهلك هالك، فلو لا المولود باد الخلق، و لو لا الهالك لضاقت الدنيا بمن فيها» ، فقال له الامير: سل ماشئت، قال: «اريد منك ان ترد علي ما مضى من عمرى، و تدفع عني ما حضر من اجلى‏» ، قال: لا املك ذلك، قال:
«فلا حاجة لى اليك‏» .

و الاخبار و الآثار في ذم الدنيا و حبها، و في سرعة زوالها و عدم الاعتبار بها، و في هلاك من يطلبها و يرغب اليها، و في ضديتها للاخرة، اكثر من ان تحصى. و ما ورد في ذلك من كلام ائمتنا الراشدين، (لا) سيما عن مولانا امير المؤمنين-صلوات الله عليهم اجمعين الى يوم الدين-فيه بلاغ لقوم زاهدين. و من تامل في خطب على عليه السلام و مواعظه كما في نهج البلاغة و غيره-يظهر له خساسة الدنيا و رذالتها. و قضية السؤال و الجواب بين روح الامين و نوح في كيفية سرعة زوال الدنيا مشهورة، و حكاية مرور روح الله على قرية هلك اهلها من حب الدنيا معروفة

و لعظم آفة الدنيا و حقارتها و مهانتها عند الله، لم يرضها لاحد من اوليائه و حذرهم عن غوائلها، فتزهدوا فيها و اكلوا منها قصدا، و قدموا فضلا اخذوا منها ما يكفي، و تركوا مايلهى، لبسوا من الثياب ما ستر العورة، و اكلوا من الطعام ما سد الجوع، نظروا الى الدنيا بعين انها فانية، و الى الآخرة انها باقية، فتزودوا منها كزاد الراكب، فخربوا الدنيا و عمروا بها الآخرة، و نظروا الى الآخرة بقلوبهم فعلموا انهم سينظرون اليها باعينهم فارتحلوا اليها بقلوبهم لما علموا انهم سيرتحلون اليها بابدانهم صبروا قليلا و نعموا طويلا.

كتاب جامع السعادات