(لدي سؤال حول أنه هل يملي الله لجميع الخلق ومنهم المؤمنين والمخلصين الذين يريدون أن يعبدوه من حيث أمرهم وهو خليفة الله، حيث يقول (عز وجل): يمدهم في طغيانهم يعمهون، وخوار العجل الذي جعله الله فتنة لبني إسرائيل، فهل من المكن أن يزيد الله من يؤمن بدعوة يعتقد بأنها حق بأن يزيده ويكيد له ويمده في طغيانه ولو بدرجة أن يأتي الرسول ويخبره أنه على حق ولكن هو على باطل كخوار العجل والإمداد بالطغيان ونملي لهم أن كيدي متين، فهل هذا ممكن من هذا الباب ؟



الجواب:
أ- قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾([164]).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾([165]).
فالله تعالى عند حسن ظن عبده المؤمن وهو أحن عليه من أمه وأبيه، ورحمته سبقت غضبه، وحاشاه أن يضل من استهداه أو يخيب من رجاه، وقد ورد في أدعية أهل البيت (ع): (يا دليل المتحيرين)، (يا دليل من لا دليل له)، (يا عماد من لا عماد له)، (يا سند من لا سند له).
فنحن المذنبين إن تعلق بنا تائه ويريد معرفة الطريق فلا نتعمد غشه وإضلاله، فكيف بالله تعالى، وكما قال نبي الله عيسى (ع) ما معناه: (من منكم يطلب منه ابنه خبزاً فيعطيه حجراً .... فإذا كنتم أنتم الخاطئون لا تفعلون ذلك فكيف بالله تعالى ؟).
وإذا قلنا خلاف ذلك فلا يبقى أحد يثق بالله تعالى وهدايته، بل لا يثق أحد بكلام المعصوم فأيضاً توسوس النفس لعله أراد ضلالي وليس هدايتي !!
نعم، من ترك حجة الله الظاهر وترك الحق البين واتبع الهوى والضلال، فهنا يمكن أن يضلهم الله تعالى؛ لأنهم قد أقيمت عليهم الحجة من الله تعالى في إتباع النبي أو الإمام الفلاني ... ثم تركوا هذا الحق الواضح واتبعوا الشبهات استجابة للهوى وإبليس وجنده من الإنس والجن.

وموضوع السامري والعجل وبنو إسرائيل هو من هذا القبيل؛ لأنهم تركوا خليفة موسى (ع) المنصب عليهم ونسوا أو تناسوا الحجج والبراهين والمعاجز التي رأوها بأعينهم من موسى وهارون (عليهما السلام) واتبعوا السامري وعجله، فهم حينئذ يستحقون زيادة الإضلال؛ لأنهم في حقيقتهم قد ضلوا بعد إقامة الحجة عليهم، وتركوا طاعة نبي الله وخليفته، بل وخالفوا حتى فطرتهم وعقلهم، فالله تعالى أصلاً لم يضل بني إسرائيل ولن يضل أحداً أبداً وحاشاه من ذلك، بل إن بني إسرائيل هم الذي أضلوا أنفسهم فجاءتهم العقوبة بزيادة ضلالهم ... فالعقاب منه دنيوي ومنه أخروي، أي خزي في الدنيا قبل خزي الآخرة.

أما عند مجيء نبي عن الله تعالى أو إمام ، أو كما في زماننا عندما يأتي شخص مرسلاً عن الإمام المهدي (ع)، فلا يمكن ولا يتوقع أن يضل الله المؤمنين عندما يلجئوا إليه ليهديهم إلى صدق أو كذب هذا، فهل هؤلاء المساكين تركوا حجة الله المنصب عليهم، أم أن الرسول دعاهم إلى إنكار إمام الزمان وحجة الله على الخلق حتى يستحقوا الإضلال، وكيف يقبل العاقل أن يقيس هؤلاء ببني إسرائيل الذين تركوا نبيين من أنبياء الله واتبعوا السامري وعبدوا جماداً لا يضر ولا ينفع بعد أن رأوا المعاجز بأعينهم ؟؟!!!!

وهل على هذا الحال يبقى عندنا ضابطة لمعرفة هداية الله من وساوس الشيطان ؟!!!

فالقول بأن الله يضل أحداً يلجأ إليه غير صحيح أبداً،
بل هو كفر صريح بالله تعالى،
قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾([166])،
بل حتى الذين يضلون أنفسهم لا يؤاخذهم الله تعالى إلا بعد أن أقيمت عليهم الحجة البالغة من الله تعالى،
قال تعالى: ﴿مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾([167]).

فالله (سبحانه وتعالى) لا يريد لعباده الكفر والضلال ولا يرتضيه، وإنما الناس هم من يعرضون عن الله ويحاربونه، وهاك أخي هذه الآيات الكريمة التي يجب أن نتدبرها بتأمل:

قال الله تعالى: ﴿... نسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾([168]).
﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾([169]).
﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾([170]).
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ...﴾([171]).
﴿يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾([172]).
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾([173]).

ولنغترف من معين آل محمد (ع) في بيان هذه الآيات في الرواية الآتية:

علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، عن الرضا علي بن موسى (عليهما السلام)، قال: (سألته عن قول الله (عز وجل): ﴿سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ﴾، وعن قول الله (عز وجل): ﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، وعن قوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ﴾، وعن قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، فقال: إن الله تبارك وتعالى لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع، ولكنه (عز وجل) يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر والخديعة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً) ([174]).

ولنطلع على مدى رحمة الله تعالى بعباده وحرصه على قلوبهم من العجب والرياء ... الخ:

عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر (ع)، قال: (قال رسول الله (ص): قال الله (سبحانه وتعالى): إن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيتهجد في الليالي ويتعب نفسه في عبادتي فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظراً مني له وإبقاء عليه فينام حتى يصبح ويقوم وهو ماقت لنفسه زار عليها، ولو أخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله من ذلك العجب فيصيره العجب إلى الفتنة بأعماله ورضاه عن نفسه حتى يظن أنه قد فاق العابدين، وجاز في عبادته حد التقصير فيتباعد مني عند ذلك وهو يظن أنه يتقرب إليّ) ([175]).

عن النبي (ص)، عن جبرئيل، عن الله (عز وجل)، قال: (قال الله تبارك وتعالى: من أهان ولياً لي فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت في شيء أنا فاعله مثل ما ترددت في قبض نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتنفل لي حتى أحبه، ومتى أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وإن من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالغناء ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالسقم ولو صححت جسمه لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، إني أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم، فإني عليم خبير) ([176]).

بل حتى صاحب الذنوب والمعاصي بل حتى صاحب الضلال إذا توجه لله بقلب سليم وطلب منه الهداية فهيهات أن يضله الله تعالى أو أن يغشه ويريه الباطل على أنه حق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

ثم إن المؤمن يرى بعين الله تعالى أو لابد أن يكون له طريقاً له مع الله تعالى، والذي يفزع إلى الله تعالى عند الشدائد والملمات فهذا دليل ثقته بالله تعالى واعتماده عليه، والذي يثق بالله ويتقي الله يجعل له فرقاناً يفرق به بين الحق والباطل، وإلا فلنترك عبادة الله ونعبد الأحجار - والعياذ بالله -.

قال تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾([177]).
قال علي بن إبراهيم في تفسيره: (قوله: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ يعني العلم الذي تفرقون به بين الحق والباطل) ([178]).

وعن ابن عباس: (قرأ رسول الله (ص): ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾([179])، قال: من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، وشدائد يوم القيامة) ([180]).

وعن الإمام علي (ع): (اعلموا أنه من يتق الله يجعل له مخرجاً من الفتن، ونوراً من الظلم)([181]).

والطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، والله لا بخل بساحته، وما على العبد إلا أن يطرق الباب بإخلاص وخضوع وصدق، وصاحب الدار كريم جواد لا يغلق بابه في وجه قاصديه ولا تزيده كثرة العطاء إلا جوداً وكرماً، والإنسان على نفسه بصيرة وإن ألقى معاذيره، كما قال الله (سبحانه وتعالى).


اللجنة العلمية
أنصار الإمام المهدي (مكن الله له في الأرض)
الشيخ ناظم العقيلي
محرم الحرام/ 1431 هـ


======
164]-النساء: 26.
[165]-العنكبوت: 69.
[166]-الحج: 74.
[167]-الإسراء: 15.
[168]-التوبة: 67.
[169]-البقرة: 15.
[170]-آل عمران: 54.
[171]-النساء: 142.
[172]-النساء: 9.
[173]-التوبة: 79.
[174]-التوحيد - للشيخ الصدوق: ص163.
[175]-التوحيد - للشيخ الصدوق: ص404 – 405.
[176]-التوحيد - للشيخ الصدوق: ص399 – 400.
[177]-الأنفال: 29.
[178]-تفسير القمي: ج1 ص272.
[179]-الطلاق: 2.
[180]-تفسير مجمع البيان: ج10 ص43.
[181]-بحار الانوار: ج8 ص163.