كتاب للسيد الشهيد السعيد محمد صادق الصدر رحمه الله بعنوان ((الاستخارة))ج2
المستوى الثاني :
إن عدداً من الأخبار واضح جداً في عموم الحكم بعموم الاستخارة لكل مؤمن بل لكل مسلم كالذي سمعناه في خبر عمرو بن حريث عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) وفيه : ( فوالله ما استخار الله مسلم إلا خار الله له البتة , وفي خبر آخر سمعناه : (( من استخار الله راضياً بما صنع خار الله له حتماً )), وفي خبر آخر أيضاً كما سمعنا : (( من دخل في أمر بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر )), وفي خبر آخر عن المفضل(1) قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام )) يقول : (( ما استخار الله عبد مؤمن إلا خار له وإن وقع ما يكره )) .


ومن الواضح أن هذه الروايات تشمل كل مؤمن ومسلم وليست خاصة بمن حصل على الإجازة .

غير أنهم قالوا : إن الاحتياط سبيل النجاة ولا شك أن الخيرة قد تكون لأمور مهمة تتعلق بالنفوس والأموال أو المصالح العامة ونحوها . ومن هنا كان الأنسب بنحو الاحتياط الاستحبابي الحصول على الاجازة قبل ممارسة الاستخارة والوجه الفقهي لهذا الاحتياط هو ما ذكرناه من احتمال ان يكون المراد من بعض الروايات أعطاه الاجازة وإن كان هذا احتمالاً مرجواً على أي حال .

الأمر الثاني :

من الحديث عن الشرط الأول للاستخارة وهو الاجازة , أن نتحدث الآن من شرائط المجيز لو صحت الاجازة .
ونحن نرى أن أول من بدأ بإعطاء الاجازة لو تم الوجه السابق هم الأئمة المعصومون ( سلام الله عليهم ) فينبغي أن نلتفت الى أنهم ( عليهم السلام ) بأي صفة من صفاتهم أعطوا هذه الاجازة , إذ لو كانزا قع أعطوها بصفات خاصة بهم كالعصمة , لما أمكن تسلسل الاجازة بعد ذلك , لأننا عندئذ نكون قد اشترطنا العصمة فيمن يعطي اجازة الاستخارة وليس أحد من المسلمين أو المؤمنين بمعصوم فتنقطع سلسلة الاجازة . في حين ان المفروض فقهياً وتشريعياً استمرارها وتسلسلها بين الناس جيل بعد جيل .

وبالطبع فإن أرجح الاحتمالات الكثيرة في صفة الامام المجيز هو أن يكون مجيزاً بصفته ولي الأمر , لا بصفته معصوماً أو مشرعاً أو مؤمناً أو غير ذلك فإن صفة الولاية كافية وظاهرة في ذلك .

إذن و نستنتج من ذلك كفاية أن يكون المجيز ولياً للأمر وهذا هو الذي يرجح المحتملات السابقة وهو وجوب أخذ الاجازة من مرجع التقليد الديني يعني بصفته ولياً للأمر .


واما أخذ الاجازة ممن له الاجازة . فهو وإن لم يكن مذكوراً في الروايات على الاطلاق , إلا أنه يمكن أن يكون مشمولاً لحكم عام يفهم من عدة موارد كإجازة الرواية وإجازة الولاية على الوقف وإجازة للشيخة وغيرها من الإجازات المتسلسلة بين الأجيال . فتكون إجازة الاستخارة ممكنة التسلسل بين الأجيال يعطيها الفرد المجاز لغيره على أن يتوخى فيه صفة الوثاقة والتقوى ويأخذ من هذه الناحية جانب الاحتياط .
هذا . وأما أن يكون المجيز هو الوالد مع فقدانه للصفات السابقة فهو مما لا أصل له .

الشرط الثاني:

من شرائط الاستخارة أن يكون الأمر المنفي الذي تقع عليه الاستخارة محل حيرة وتردد عند الفرد . وقالوا في هذا الصدد أن كل ما له مرجح في الدين أو الدنيا فهو مما لا يستخار عليه وإنما تصح فقط فيما لا مرجح فيه على الاطلاق وهو معنى الحيرة والتردد .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــ
(1) المصدر : باب 7 : حديث 10 .
وهذا المعنى هو الظاهر من بعض الأخبار كقوله في رواية إسحاق ابن عمار(1) عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قلت له ربما أردت الأمر بفرق مني فريقان أحدهما يأمرني والآخر ينهاني , الحديث .
وفي رواية هارون بن خارجة(2) عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : (( إذا أراد أحدكم أمراً فلا يشاور فيه أحداً من الناس حتى يهدأ فيشاور الله تبارك وتعالى )) قال قلت جعلت فداك ومشاورة الله ؟ قال : (( تبدأ فتستخير الله فيه ثم تشاور فيه )) .
وفي بعض الأخبار ان الفرد يأتي الى الإمام ( عليه السلام ) فيسأله عما يريد أن يفعل وهو واضح الحيرة فيه فيعلمه الإمام الاستخارة . كرواية علي بن أسباط (3) قال : قلت : لأبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) : جعلت فداك ما ترى آخذ براً أو بحراً فإن طريقنا مخوف شديد الخطر , الحديث .
هذا , وقد يجاب عن ذلك بأن المفهوم من عامة الروايات هو اهمية الأمر المطلوب وليس وجود الحيرة فيه . فعن جابر(4) عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : (( كان علي بن الحسين ( عليه السلام ) إذا هم بأمر حج وعمرة أو بيع أو شراء أو عتق تطهر ثم صلى ركعتي الاستخارة )) . الحديث .
وكذلك يفهم ذلك من مثل رواية شهاب بن عبد ربه (5) عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : (( كان أبي إذا اراد الاستخارة في أمر توضأ وصلى ركعتين )) . الحديث .
وكذلك صحيحة زرارة (6) قال : قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) إذا أردت أمراً وأردت الاستخارة كيف أقول ؟ الحديث .
وهذا الأمر المشار اليه في الروايتين وغيرهما يحمل عرفاً وعادة على الأمر المهم للفرد وليس على الأمر المحير .
غير أنه يمكن حمله أيضاً على معنى الحيرة لأن الأمر المهم يكون غالباً محيراً اصاحبه فتكون أمثال هذه الروايات دالة على اشتراط وجود الحيرة في موضوع الاستخارة .
ومعه فما كان فيه مرجح إلزامي في الشريعة كالواجبات والمحرمات لم تجز الاستخارة عليه قطعاً . وكذلك ما له مرجح إلزامي دنيوي كالاضطرار والإكراه ويلحق به ما كان له مرجح شرعي غير إلزامي كالمستحبات والمكروهات فإنه لا معنى لإيجاد الاستخارة لها .
يبقى بعد ذلك ثلاث مستويات من الأمور لا يبعد فيها جواز الاستخارة .

المستوى الأول :
ما كان محكوماً بالإباحة شرعاً سواء منها الإباحة الإقتضائية أو اللاإقتضائية .

المستوى الثاني :
ما لم يكن له مرجح دنيوي أو كان مرجحه ضعيفة جداً .
المستوى الثالث :
ما كان مورداً للتزاحم بين المصالح وإن كان مهماً , كما لو كان في فعل شيء مصلحة وفي تركه مصلحة أخرى . وقد يصبح الفرد في هذا الموقف متحيراً لتصح له الاستخارة .
بقي من الحديث في نهاية هذا الشرط الثاني أن نشير الى أن عدد من الأمور الحياتية التافهة مما لا يمكن عليها الاستخارة قطعاً كشربة من ماء أو المطالعة في كتاب في أوقات الفراغ .
بل الأمر أكثر من ذلك إذ قد يستفاد من الروايات السابقة وغيرها , ان موضوع الاستخارة يجب أن يكون ذو درجة من الأهمية لا أن يكون تافهاً فإن تلك الأهمية هي الموجبة للحيرة , وأما الأمور التافهة فهي قد تكون سبباً للحيرة أيضاً إلا أنها حيرة تافهة بطبيعة الحال بحيث تكون ملحقة بالعدم عرفاً وعقلائياً فلا تصح أن تكون موضوعاً للاستخارة .


الشرط الثالث :

أن لا تكون الاستخارة قد تمت عليه أو حصلت فيه . وهذا معناه المنع عن تكرار الاستخارة على موضوع واحد . لأن الاستخارة بعد أن تكون منتجة بالتسديد الإلهي في ترجيح الفعل أو الترك لا يكون هناك معنى معقول للسؤال مرة ثانية عما ينبغي أن يفعله الفرد !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــ
(1) المصدر : باب 1 : حديث 6 .
(2) المصدر : باب 5 : حديث 2 .
(3) المصدر : باب 1 : حديث 5 .
(4) المصدر : باب 1 ك حديث 3 .
(5) المصدر : باب 1 : حديث 8 .
(6) المصدر : حديث 11 .
ومثاله فيما إذا سألت شخصاً ثقة عن أن هذا أبيض أو أسود فقال لك : أبيض . فهل يصح منك السؤال منه مرة ثانية : هل هذا أبيض أو أسود ؟
وهذا معناه بطلان الاستخارة الثانية وما بعدها على نفس الموضوع ولزوم الأخذ بالاستخارة الأولى فقط .
نعم . إذا تغير الموضوع ولو كان حول نفس الأمر الأساسي بحيث تعد الخيرة عليه عرفاً وعقلائياً خيرة على أمر جديد وموضوع ثان عندئذ يكون للخيرة مجال صحيح .
أنواع الإستخارة
للاستخارة أنواع رئيسية ثلاثة , هي : الاستخارة بالحصى والاستخارة بالقرآن والاستخارة ذات الرقاع .
نتكلم الآن بإختصار عن هذه الأنواع وطرق إنتاجها . ثم نتكلم عما إذا كان يمكن الاستخارة بأي أسلوب آخر . وليس كلامنا عن ذلك مفصلاً : بحيث يقتضي تعليم القاريء إيجاد الاستخارة , فإن هذا مما ينبغي أن يرجع فيه الى مظانه . وليس الآن محل شرحه . وكل هذه الأنواع الثلاثة واردة في الروايات :
أما الاستخارة بالحصى فقد وردت بطريق صحيح عن صاحب الأمر ( عليه السلام )(1) . وفي نهايتها يقول : (( ثم تقبض على قطعة من السبحة تضمر حاجة فإن كان عدد القطعة زوجاً فهو إفعل وإن كان فرداً لا تفعل . وبالعكس )) .
فيمكن أن يقاس عرفاً على الحصى حبات السبحة كما هو منصوص في الرواية أو أي شيء آخر كحب الباقلاء أو الحمص أو الصجم أو الدعبل . مع توفر القصد الجدي وعدم الاستهزاء .
وهنا ينبغي أن نعرض أمرا لا ينبغي أن نعرض عنه . وهو التساؤل عما إذا كان التحديد بإنتاج الخيرة بالزوج والفرد حدياً ومتعيناً . أم أن هناك أسلوباً أو أساليب أخرى لذلك ؟ فمثلاً أن بعضهم يسحب أو يعد ثلاثة ثلاثة وبعضهم أربعة أربعة وبعضهم ستة ستة . فما هو الدليل الشافي على مثل ذلك مع أن المنصوص في الرواية الصحيحة هو الفرد والزوج فقط .

والذي أراه تبعاً لعدد من المتشرعة ذوي المستوى العالي , إن طريقة إنتاج الاستخارة أو أن أي عدد منها يحمل معنى كذا أو كذا , أن هذا تابع لقصد الفاعل نفسه بينه وبين ربه .
وأهم دليل على ذلك أمران :

الأمر الأول :

قوله في الصحيحة السابقة : وبالعكس . يعني إذا خرجت زوجاً فمعناه إفعل وإذا خرجت فرداً فمعناه لا تفعل . وليس إختيار أحد الوجهين متعيناً في الرواية وليس فيها ذكر الوجه الذي يتعين فيه غير قصد الفاعل .
فإذا أمكن صحة هذا القصد في هذين الاحتمالين , أمكن في غيرهما . إذ المدار عرفاً عندئذ ليس إلا قصد المكلف الفاعل .

الأمر الثاني :
علم الله سبحانه بالسرائر والظواهر , وقدرته على التقدير بأي شيء , حتى مما يقترحه الفاعل نفسه . والإشكال على ذلك إنما ينبع من مصداقية قوله تعالى : بل حسبوا أن الله لا يعلم كثيراً مما يعلمون .
فإذا كان الله عالماً قادراً كريماً فلا مانع من أن ينفذ قصدي وقد إشترطت في قصدي أمراً معين . فيكون إنتاج الاستخارة عليه .
وأولى من هذين الأمرين الجمع بينهما في وجه متكامل . كما هو معلوم لمن يفكر .
وأما الاستخارة بالقرآن الكريم فقد وردت في رواية عن اليسع القمي (2) قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أريد الشيء وأستخير الله فيه فلا يوفق فيه الرأي ( إلى أن قال ) فقال ( عليه السلام ) : (( إفتتح المصحف فأنظر الى أول ما ترى فخذ به إن شاء الله )) .
والاستدلال بهذه الرواية يحتوي على عدد من الاشكالات نذكر أهمها مع محاولة الجواب عليها .
الإشكال الأول :
ضعف سندها فلا تكون حجة .
إلا أن هذا لا يضر بصحة الاستخارة بالقرآن الكريم , لعدم إنحصاره عليه بهذه الرواية . بل هناك أدلة أخرى نذكر أهمها :
=================
(1) المصدر : باب 8 : حديث 1 .
(2) الوسائل ج4 : أبواب قراءة القرآن في غير الصلاة : باب 38 : حديث 1 .

أولاً : السيرة المتشرعية المستمرة على الاستخارة بالقرآن الكريم من زمن المعصومين ( عليهم السلام ) الى زماننا الحاضر .
ثانياً : ما قلناه : من أن الاستخارة يمكن أن تكون بأي قصد قصده الفاعل . وأولى الموضوعات التي يمكن عمل الاستخارة فيها هو القرآن الكريم .
ثالثاً : ما دل من الآيات الشريفة على أن القرآن الكريم يحتوي على كل شيء كقوله تعالى : ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ . فإنها تدل ضمناً على أن حل هذه المشكلة موجود في القرآن أيضاً . وطريقة فهمه أو استخراجه إنما يكون عرفاً أو متشرعياً عن طريق الاستخارة .
الإشكال الثاني :
معارضة هذه الرواية مع خبر آخر قد يستفاد منه النهي عن الاستخارة بالقرآن . وهو ما عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ( 1 ) قال : (( لا تتفأل بالقرآن )) . إذ قد نفهم منه النهي عن إيجاد الاستخارة .
والجواب عن ذلك من عدة وجوه :

أولاً : ضعف سند هذه الرواية . فإنها أضعف سنداً من السابقة فيكون الأخذ بالأولى أولى .
ثانياً : إن التفأل غير الاستخارة , والأولى تثبت صحة الاستخارة والثانية تنهى عن التفأل . فلا معارضة بينهما . فيبقى جواز الاستخارة بالقرآن سارياً .
ثالثاً : إنه قال : لا تتفأل بخطاب المفرد , ولم يقل لا تتفألوا للمسلمين جميعاً . فلعل الخطاب لشخص معين أو لطبقة معينة أو لمستوى معين من الناس دون عموم المسلمين .
رابعاً : إن السيرة لا شك منعقدة على الاستخارة بالقرآن الكريم كما سمعنا . ومن هنا تكون السيرة نافية لصدق هذا الخبير المعارض فيسقط عن الحجية . وتكون هي موافقة للخبر الدال على الجواز فيكون أولى بالعمل عليه .
الإشكال الثالث :
في الاستدلال برواية اليسع القمي :
في قوله فيها : أريد الشيء وأستخير الله فلا يوفق فيه الرأي . وهذا ـ إن صحت الرواية ـ يدل على بعض الأمور :
أولاً : إن الاستخارة قد تفشل أحياناً .
ثانياً :غير موجودة .
ثالثاً :إن الاستخارة الثانية أو المكررة جائزة وليست باطلة , كما سبق أن قلنا .
والمهم في دفع هذا الاشكال عدم اعتبار هذه الرواية سنداً ولكن بغض النظر عن ذلك . فإن هذه الاشكالات الثلاث مندفعة أيضاً . أما ما قلناه ( أولاً ) , فإننا عرفنا فعلاً أن الاستخارة ليست دائماً ناجحة , وذلك في موارد عدم توفر شرائط صحتها . فلعل هذا المورد الذي تحدث عنه الراوي من ذلك . ويكفي احتماله لتصحيح مضمون الخبر .
وأما ما قلناه ( ثانياً ) , فهو أمر غير محتمل فقهياً , والسيرة القطعية المتشرعية على خلافه . إذ لا يحتمل إشتراط صحة الاستخارة بالقرآن الكريم بوجود خيرة سابقة على خلافه .

وأما ما قلناه ( ثالثاً ) : فهو إن كان محتملاً , فليس في كل أنواع الاستخارة قطعاً , وإنما هو خاص بالاستخارة بالقرآن . نتيجة لأهميته والاحترام البالغ العظيم له . إذ يمكن أن يقال : إن الاستخارة بالقرآن ممكنة ومشروعة , حتى لو كانت هي الاستخارة الثانية . فمن استخار الله على أمره بغير القرآن الكريم أمكنه أن يستخير بالقرآن أيضاً . وأما إذا كانت كلتا الاستخارتين بغير القرآن الكريم أو كانتا به معاً , فلا مشروعية للثانية ما لم يتغير الموضوع كما سبق أن قلنا .

وهذا , أعني إعادة الاستخارة بالقرآن بعد الاستخارة بغيره , أمر محتمل لا سبيل الى نفيه , وخاصة بعد أن نعرف أن الاستخارة بالقرآن ناطقة وبغيره صامتة , فإن آيات القرآن الكريم غالباً تدل على مقصود الفرد وتنطبق عليه انطباقاً واضحاً وعجيباً . وهذا معنى كونه ناطقاً , وهذه الصفة مما لا يتيسر وجودها في الاستخارة بغيره بطبيعة الحال ومن المنطقي جداً أن يطمح الفرد بالاستخارة الناطقة بعد الاستخارة الصامتة . والله العالم .
الإشكال الرابع :
على الاستدلال برواية اليسع .
قوله فيها : إفتتح المصحف فانظر الى أول ما ترى فيه فخذ به غن شاء الله سبحانه .
وهذا يمكن أن يفسر بعدة وجوه أهمها إثنان :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
(1) المصدر : حديث 2 .

الوجه الأول :
ما عليه سيرة أكثر المتشرعة من أنه ينظر الى أعلى الصفحة اليمنى من الصفحتين اللتين يفتح بهما المصحف الشريف باعتباره أول ما يمكن قراءته منهما . فهو مصداق لقوله : أول ما ترى فيه . فيقرأ الآية التي فيه ويعمل عليها .
الوجه الثاني :
إن المهم في ظاهر الرواية هو وقوع النظر على الآية عند فتح القرآن الكريم . وهذا ما قد يحصل على الآية الأولى من الصفحة اليمنى , وقد يحصل في غيرها .
وهذا الوجه لا شك أقرب الى ظهور الرواية , فإن قلنا أن نتيجة الاستخارة نابعة لقصد المكلف كما قلنا أمكن صحة كلا الوجهين حسب قصده. إلا أن المهم أن الرواية تأمر بالوجه الثاني كما أن السيرة الغالبة على الوجه الأول .
وإذا كانت الاستخارة تابعة لقصد الفرد , فإن نتيجة الاستخارة بالقرآن يمكن أن تكون على وجوه أخرى غير ما سبق نذكر وجهين منها , وبعد ضمهما الى الوجهين السابقين تكون الوجوه أربعة :
الوجه الأول :
أخذ المقطع القرآني الكامل الموجود في أول الصفحة اليمنى , والعمل به الى نهايته , وعدم الاقتصار على الآية أو الأثنتين الموجودتين في أول الصفحة , ما لم يكن المقطع مقتصراً عليهما .
الوجه الثاني :
الأخذ بأهم آية في الصفحة اليمنى أو النصف الأعلى منها , ونعرف أهميتها من قوة لهجتها أو كونها خلاصة عن المقطع القرآني كله , أو كونها موافقة لمقصود الفرد .
بقي لنا من الحديث عن أنواع الاستخارة أمران :
الأمر الأول :
الاستخارة ذات الرقاع . وقد وردت فيها عدة روايات , حتى عقد لها صاحب ( وسائل باباً كاملاً ) وتحمل كل رواية أسلوباً من طريقة الاستنتاج في هذا الصدد : وكلها مشتركة باستعمال الرقاع وهو جمع رقعة وهو الورقة الصغيرة التي يكتب عليها الفرد إفعل ولا تفعل . ومن هنا سميت بها .
وعمل مشهور المتشرعة على هذه الرواية في الاستخارة ذات الرقاع وهي رواية هارون بن خارجة (1) عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) , قال : إذا أردت أمراً فخذ ست رقاع فاكتب في ثلاث منها : بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة إفعل . وفي ثلاث منها : بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة لا تفعل . ثم ضعها تحت مصلاك . ثم صل ركعتين . فإذا فرغت فاسجد سجدة وقل فيها مئة مرة : أستخير الله برحمته خيرة في عافية . ثم استو جالساً وقل : اللهم خر لي في جميع أموري في يسر منك وعافية . ثم اضرب بيدك الى الرقاع فشوشها واخرج واحدة , فإن خرجت ثلاث متواليات إفعل , فإفعل الأمر الذي تريده . وغن خرجت ثلاث متواليات لا تفعل , فلا تفعله . وإن خرجت واحدة والأخرى لا تفعل فإخرج من الرقاع الى الخمس فانظر أكثرها فاعمل به . ودع السادسة لا تحتاج اليها .
ولا يخفى أنه في هذا الخبر يعبر عن الفرد بأنه فلان بن فلانة ينسبه لأمه . وهذا مخالف لظاهر القرآن الكريم حيث يقول ﴿ أدعوهم لآبائهم ذلك أقسط عند الله﴾ , وكل خبر مخالف لكتاب الله سبحانه فهو مردود كما نطقت به الروايات وتم تأسيسه في علم الأصول مضافاً الى أن النسبة الى الأم يتضمن بوضوح معنى التشكيك بأبوة الأب . وهو أمر غير وارد بالنسبة الى الكثيرين من الشرفاء والصالحين .
فالأولى في هذه الرواية أما المناقشة في سندها أو إيكال علمها الى أهلها .
الأمر الثاني :
أنه وردت روايات عديدة في باب الاستخارة تأمر بالأخذ بما يخطر في القلب بعد قراءة بعض الأدعية . كقوله في رواية ابن فضال (2) : ثم انظر أي شيء يقع في قلبك فاعمل به . ويقول في رواية اسحاق بن عمار (3) : ثم انظر أجزم الأمرين لك فافعله فإن الخيرة فيه إن شاء الله تعالى . وفي رواية اخرى (4) يقول : ثم تنظر ما يلهمك فافعله , فهو الذي أشار عليك به .
وهذا الاتجاه مبني على أن التوجه والدعاء بفتح القلب لتلقي العلم بالتسديد الإلهي والإلهام . وهو غير بعيد إن دلت عليه رواية صحيحة , وخاصة في مستويات الإيمان العالية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ
(1) المصدر : باب 2 : حديث 1 .
(2) المصدر : باب 1 : حديث 4 .
(3) المصدر : حديث 6 .
(4) المصدر : باب 4 : حديث 3 .
إلا أن الأمر مع ذلك لا يخلو فقهياً من إشكال لأمرين :
الأمر الأول :
إن الفرد الاعتيادي أعني المتوسط الإيمان , ومن هو دونه بل من هو فوقه أيضاً , لا ينحصر ما يجده في قلبه إنه من الإلهام والتسديد , بل هناك الشيطان وهناك النفس الأمارة وهناك الهوى وغيرها من العوامل التي تدع ما يقع في القلب أما باطلاً صرفاً وأما مختلطاً لا يعلم الفرد حقه من باطله .
فإذا لم يتعين أنه من الإلهام لا يجوز العمل به . ما لم يحصل الاطمئنان على ذلك .
الأمر الثاني :
إن مشهور علمائنا وسيرة المتشرعة منذ زمن غير قريب أعرضوا عن هذه الاستخارة للسبب المشار اليه في الأمر الأول أو لغيره , فيكون إعراضهم سبباً كافياً لإسقاط هذا الأسلوب من الاستخارة من الحجية أو جعله خلاف الاحتياط على أقل تقدير .
هذا ولا شك أننا لم تتعرض الى كل تفاصيل الأفكار المتعلقة بالاستخارة , بل تعرضنا الى الأهم منها , والتي تعتبر بمنزلة القاعدة الأساسية لها .
بقي علينا في نهاية المطاف التعرض لبعض الأمور التي وعدنا بذكرها قبل قليل , ولا بد من إنجاز الوعد فنذكر كلاً منها بعنوان مستقل .
الإستخارة بأساليب أخرى
إذ قد يقال : إنه بعد الذي قلناه من أن مقصود الفرد في طريقة إنتاج الاستخارة يكون علمه بينه وبين ربه , فقد نفهم من ذلك إمكان إكتشاف أو اتخاذ أي طريقة للاستخارة مهما كانت ما دامت مقصودة للمكلف .
إذن قصد المكلف على أحد شكلين :
الشكل الأول :
أن يكون قصده في حدود ما ورد من أساليب الاستخارة , ولكن مع شيء من التوسع , كالأخذ بأربعة حبات من السبحة بدل اثنين وكتابة ثمانية رقاع بدل ستة . وهكذا . وهذا مما لا أرى فيه بأساً , كما سبق أن تحدثنا .
الشكل الثاني :
أن يكون قصده لطريقة في الاستنتاج غير واردة في الروايات وغير جارية في سيرة المتشرعة . فهذا وإن كانت الفكرة التي قلناها بمعناها العام شاملة له , إلا أن العمل على ذلك مخالف للاحتياط جداً , بل يكفي الشك في حجية هذه الاستخارات في نفي حجيتها .
بل هناك من التقريبات ما يكفي لنفي ذلك , إذ كانت هناك أساليب قبل الاسلام بالاستخارة بالسهام والاستخارة بالأفلام نفاها الاسلام وشجبها . ولو كانت الفكرة في نفاذ أي مقصود للمكلف صحيحة الى هذه الدرجة , لكان العمل على هذه الأمور صحيحاً , مع أنه غير صحيح , فتأمل .
إذن , فينبغي الاقتصار على الشكل الأول من هذين الشكلين , وعدم التعرض للشكل الثاني .
معرفة المستقبل
قلنا في أول هذا الفصل بأن من جملة معاني الاستخارة هو التعرف على ما يحصل في المستقبل , دون أن يكون له جهة تشريعية . وقلنا إن هذا هو الفهم العام لدى سواد الناس . ومن هنا كانت الحاجة الى مناقشته . وقد حصل الآن وقته .
إن استعمال الاستخارة في ذلك عموماً هو سبب للتعرف على جزء من ( علم الغيب ) لأن ما يحدث في المستقبل لا زال جزءاً من ( الغيب ) قبل حصوله وحضوره . ومن المعلوم إن التعرف على الغيب خاص بالله سبحانه ومن يشاء له ذلك من خاصته وليس عاماً بين البشر لا بأسلوب الاستخارة ولا بغيرها . ومن هنا كان التفأل والتطير وفتح الفال وغيرها من الاساليب الباطلة في الاسلام . إذن فالاستخارة لمعرفة المستقبل باطلة .
نعم يمكن أن يخص القرآن الكريم بهذه المزية , وهي إمكان معرفة المستقبل بالاستلهام من آياته الكريمة . لأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها , و ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ . إذن فهذا الذي نريد التعرف عليه موجود في القرآن الكريم كل ما في الأمر أننا يعوزنا الطريق الى استنتاجه ومعرفته .
وهذه الطريقة عموماً وجيهة إلا أنها خاصة بالقليل من الناس من ذوي الإيمان العالي وغير عامة لجميعهم . إذ نحتاج الى أمرين أساسيين لا وجود لها بدونهما :

الأمر الأول :
أسلوب الاستنتاج أو الدعاء أو الذكر الذي يقوله الفرد لكي يحصل على هذه النتيجة . وهذا غير موجود في الروايات وأي ذكر يقوله الفرد من نفسه لا دليل على حجيته في ذلك .

الأمر الثاني :
أن يفهم الفرد من آيات القرآن ما ينطبق على الموضوع الذي في ذهنه . وهذا يعني أنه يفهم أمراً غير المعنى الظاهر من ألفاظ القرآن . وهذا لا يكون دائماً بل ينحصر وجوده بحسن التوفيق الإلهي ودرجة من درجات التسديد . وهي لا تحصل لكل واحد .

بقي إشكالان حول هذه الفكرة لا بد من عرضهما ومحاولة الجواب عليهما :

الإشكال الأول :

أنه يمكن أن يقال: إن هناك دليل على نفي الاستخارة بالقرآن , وهي الرواية السابقة القائلة: لا تتفأل بالقرآن .
وقد سبق أن عرضنا ما يشبه هذا الإشكال بصفته معارضاً للرواية الدالة على جواز الاستخارة بالقرآن الكريم . وأجبنا عليه .

الإشكال الثاني :

إن الاستفادة المشار اليها قبل قليل من القرآن الكريم , بحيث يكون مطابقاً لمقصود المكلف .. هذه الاستفادة غالباً بل دائماً مخالفة لظهور ألفاظ القرآن الكريم , ومن المعلوم كما هو محقق في علم الأصول إن ظواهر القرآن حجة , وإن ما سواه ليس بحجة .

وجوابه : إن هذه الاستفادة إنما تكون حجة حين تكون ظاهرة من الألفاظ بحيث يكون للفظ أو الجملة ظهوران , أحدهما الظهور الأولي اللغوي . وثانيهما : ظهور الانطباق على المورد .

وهذان الظهوران غير متنافيان , وكلاهما مشمول لحجية أصالة الظهور مطلقاً والظهور القرآني خاصة .
وغنما قلنا في الإشكال: بأن الظهور الأولي ينفي أي فهم آخر, فيما إذا كان الظهور الأولي منافياً للفهم الآخر .
فيكون هو الحجة ودائماً لغيره . وأما إذا لم يكن بينهما تناف فلا مشاحة في حجية كلا الظهورين . وكون الظهور الثاني غير لغوي بل هو ( وجداني ) ـ لو صح التعبير ـ لا يضر بحجيته ,لأنه الآن ظاهر من اللفظ فعلاً , وحجية الظهور لا تعني ما هو اكثر من ذلك .

الإستخارة عن الغير

جرت سيرة المتشرعة منذ زمن غير معروف , على الاستخارة بالوكالة عن الغير . وقد ناقش فيه بعض العلماء وحاول بعضهم حل الإشكال . وقد نقل عن السيد ابن طاووس إنه قال : إني ما وجدت حديثاً صريحاً : إن الانسان يستخير لسواه . لكن وجدت أحاديث كثيرة تتضمن الحث على قضاء حوائج الإخوان بالدعوات وسائر التوسلات حتى رأيت في الاخبار من فوائد الدعاء للإخوان ما لا أحتاج الى ذكره الآن لظهوره بين الأعيان .
والاستخارة هي من جملة الحاجات ومن جملة الدعوات واستخارة الانسان لغيره داخلة في عموم الاخبار الواردة بما ذكرنا . لأن الانسان إذا كلفه غيره من الإخوان الاستخارة له فقد صارت الحاجة للذي يباشر الاستخارات , فيستخير لنفسه أو للذي يكلفه الاستخارة , أما استخارته لنفسه بأنه هل المصلحة في القول لمن يكلفه الاستخارة افعل أم لا ؟ وأما استخارته للذي يكلفه فهي الاستخارة في الفعل أو الترك . وهذا مما يدخل تحت عموم الروايات بالاستخارات وبقضاء الحاجات .

قال العلامة المجلسي ما ذكره السيد من جواز الاستخارة للغير لا يخلو عن قوة للعمومات , لا سيما إذا قصد النائب لنفسه أن يقول للمستخير افعل أم لا . كما أومأ إاليه السيد , وهو حيلة لدخولها تحت الأخبار الخاصة . لكن الأولى والأحوط أن يستخير صاحب الحاجة لنفسه , لأنا لم نر خيراً ورد فيه التوكيل في ذلك . ولو كان ذلك جائزاً او راجحاً لكان الأصحاب يلتمسون من الأئمة ذلك . ولو كان ذلك لكان منقولاً في رواية . مع أن المضطر أولى بالاجابة ودعاؤه أقرب الى الخلوص (1) .
ونعلق على هذه الكلمات بتعليقين :

التعليق الأول :
إن السيد ابن طاووس ذكره عدة مبررات للاستخارة :
أولاً : إنها من جملة قضاء الحاجات المستحبة للغير .
ثانياً : غنها من جملة أشكال الدعاء للخير .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان : ص 507 , وما بعدها .


ثالثاً : إن الحاجة تكون للفرد نفسه عندما يكلفه غيره بها .
رابعاً : أن يستخير لنفسه أن يقول للآخر : افعل أم لا . ولا يخفى أن عدداً من هذه المبررات لا تخلو من مناقشة .
وإذا انحصر الأمر بين هذه الوجوه , فالوجه الأخير هو المتعين .

التعليق الثاني :
إنه يكفي في جواز الاستخارة عن الغير أدلة صحة الوكالة والتوكيل , وإن يد الوكيل كيد الأصيل . وبها تصبح استخارة الوكيل هي استخارة الأصيل صاحب الحاجة . وهذا واضح لا غبار عليه .
ومن هنا تصح الاستخارة بعناوين أخرى كالولاية للأب أو الجد للأب عن ابنه وحفيده وكالوصاية للقاصرين الذين هو ولي عليهم .

ويكفي في ذلك ما يدل على صحة هذه العناوين شرعاً . كما هو مسطور في محله .

ومن هنا لا تجوز الاستخارة لمن لا يوجد تجاهه وكالة ولا ولاية ولا وصاية . سواء كان طفلاً أم كبيراً . بل حق الأب مع ابنه الكبير والزوج مع الزوجة , إذ لا توجد تلك العناوين بينهما , فضلاً عن غيرهما من الناس .
ومن هنا لا تصح الوكالة بالاستخارة من قبل من لا تصح عبارته بالتوكيل . كما لو طلب منك الطفل أو المجنون أن تستخير له . ولم تكن عنه ولياً ولا وصياً . في حين لا تحتاج الولاية والوصاية الى اضافة التوكيل سواء كانت عن طفل أو عن مجنون أو سفيه في حدود ما يقول للولي أو الوصي التصرف فيه عن هؤلاء القاصرين .
وأما الاستخارة عن الغير بالولاية العامة , فمما لا يمكن إثباتها بدليل معتد به , وإن شملته بعض الإطلاقات . إلا أن الالتزام بهذه السعة مشكل .