مَن نحن، وكيف وصلنا إلى ما نحن عليه الآن: الحمض النووي القديم، والعِلْم الجديد للماضي البشري



Sex, power and ancient DNA

https://www.nature.com/articles/d41586-018-02964-5
ديفيد رايخ، دار نشر بانثيون، 2018



توري كينج تُشيد بكتاب ديفيد رايخ المشوق الذي يتناول رسم خرائط البشر عبر الزمان والمكان.

توري كينج
Nature (2019)


تُعَد أبحاث الحمض النووي القديم – كحقل دراسي - حديثةً على نحو يعكس ضربًا من المفارقة؛ إذ ظهرت قبل حوالي 30 عامًا فقط. ويشهد هذا الحقل ازدهارًا بفضل التقنيات التي صارت أسرع من أي وقت مضى في مجال تحديد التسلسل الجيني، وبروتوكولات الاستخلاص، التي يمكنها أن تلتقط أجزاءً محددة من الحمض النووي البشري من الخليط الهائل من المواد الوراثية غير البشرية الموجودة في العينات القديمة. وفي الوقت نفسه، أسر هذا الحقل اهتمام الجميع بفضل النتائج التي اكتشفها حول الماضي البعيد. وكانت إحدى هذه النتائج هي الكشف عن أن الأشخاص المنتمين إلى حضارة القدور الجرسية قد غيّروا – بشكل كبير – خصائص سكان بريطانيا قبل 4,500 عام فقط. ومن النتائج المهمة الأخرى أيضًا العثور على أقدم جينوم على الإطلاق؛ وهو جينوم جواد، يعود إلى 700 ألف عام، عُثِر عليه في التربة الصقيعية الكندية، ويشير إلى أن أسلاف جميع الخيول، والحمير، والحمير الوحشية الموجودة اليوم كانت تعيش قبل حوالي 4 ملايين عام. وقد أُلقي بي في عجالة في خضم تعقيدات هذا المجال وصعوباته، من خلال قيادتي لعملية تحليل الحمض النووي لرُفات ملك إنجلترا، ريتشارد الثالث، الذي اكتُشِف تحت موقف للسيارات في مدينة ليستر عام 2012.

لا تُنفَّذ أبحاث الحمض النووي القديم، إلا في عدد قليل من المختبرات. وقد كان مختبر ديفيد رايخ - الذي أُنشئ عام 2013 في كلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن بولاية ماساتشوستس - هو أول مختبر من هذا النوع في الولايات المتحدة، كما أنه أحد أكثر المختبرات تميزًا على مستوى العالم؛ إذ يمثّل قوة هائلة قادرة على معالجة مئات العينات كل عام. ومن خلال كتاب «مَن نحن؟ وكيف وصلنا إلى ما نحن عليه؟» Who We Are and How We Got Here، يفتح لنا رايخ نافذة على المعلومات التي يمكن أن يقدّمها لنا الحمض النووي القديم عن التطور البشري، وإعمار العالَم في كل قارة تلو الأخرى، والامتزاج بين السكان، الذي جعلنا بالشكل الذي نحن عليه اليوم، على الأقل من الناحية الوراثية.

وقد طوّر فريق رايخ بعضًا من أعقد التقنيات الإحصائية وتقنيات المعلومات البيولوجية المتاحة. وباستخدام أجهزة الكمبيوتر، قام الفريق بشق الأنفس بإعادة هيكلة المعلومات الجينية المستمدة من شظايا الحمض النووي الخاص بقدماء البشر. وبعد ذلك، تعمق الفريق في البحثعن فهم جديد للتاريخ البشري.

وقد كان مختبر رايخ هو الذي حقق الاكتشاف المتعلق بأفراد حضارة القدور الجرسية، الذي تصدر عناوين الأخبار. وشارك الفريق - في الواقع - على مدار العقد الماضي في العديد من النتائج المهمة في هذا المجال، وهي النتائج التي يناقشها رايخ في كتابه. على سبيل المثال، أسهَمت جهود الفريق في الاكتشاف المذهل لتهجُّن إنسان النياندرتال البدائي مع أسلاف جميع البشر المعاصرين الذين ينحدرون من السلالات الأوروبية، والآسيوية، والسلالات غير الأفريقية الأخرى.

وقد أدى انخراط فريق رايخ في التحليل الجيني لأشباه البشر - الذين يُطلَق عليهم "إنسان الدينيسوفا" - إلى نقض النتائج السابقة التي استندت إلى الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا وحده، فأظهرت أبحاثهم أن إنسان الدينيسوفا، وإنسان النياندرتال كانا مرتبطَيْن ببعضهما بعضًا أكثر من ارتباطهما بالبشر المعاصرين. وقد انبثقت مجموعات الأسلاف - التي قادت إلى البشر المعاصرين - عن الجماعة البشرية المؤدية إلى كلٍّ من إنسان الدينيسوفا، وإنسان النياندرتال منذ فترة تتراوح من 770 ألف عام إلى 550 ألف عام، وسبقت بفترة تتراوح من 100 ألف عام إلى 400 ألف عام الانقسام الذي قاد إلى إنسان النياندرتال، وإنسان الدينيسوفا. واتضح أن جماعات إنسان الدينيسوفا القديم حدث بينها وبين أسلاف سكان غينيا الجديدة المعاصرين تهجُّن منذ فترة تتراوح من 54 ألف عام إلى 44 ألف عام فقط.

يناقش رايخ كذلك أشباح ماضينا، فلا يمكن تفسير كل التركيب الجيني للإنسان القديم والمعاصر من خلال السجل الأثري أو التاريخي الحالي. ويتنبأ التحليل الجيني للمجموعات البشرية القديمة والمعاصرة بمجموعات بشرية لم تُكتشَف بعد، من المؤكد أنها أسهمَت بحمضها النووي في الأجيال التالية عليها. على سبيل المثال، وجد مختبر رايخ أن الأوروبيين كانوا أوثق صلة بالأمريكيين الأصليين، مقارنةً بصِلَتهم بمواطني شرق آسيا، ولم يكن من الممكن تفسير هذا بالاستناد إلى تهجُن وقع حديثًا. وأشار الباحثون إلى أنه من المحتم وجود جماعة أخرى من البشر – صارت منقرضة – منذ أكثر من 15 ألف عام، ومن المحتم أن هذه المجموعة أسهمت في الحمض النووي لجماعات البشر التي قادت إلى الأوروبيين المعاصرين، وجماعات البشر التي قادت إلى الأمريكيين الأصليين المعاصرين. وأطلق الفريق على هذه المجموعة من البشر مسمى "الأوراسيين الشماليين القدماء".

لم يوجد دليل مادي على أن هذه الجماعة البشرية المتخَيَّلة كانت موجودة بالفعل، لكن فريقًا آخر، بقيادة إيسك ويلرسلف، نشر بيانات على مستوى الجينوم، حصل عليها من اكتشاف حديث، وكانت تتفق مع نتائج فريق رايخ؛ فأصبح رُفات صبي من مالطة في سيبيريا يعود تاريخه إلى حوالي 24 ألف عام مضت، هو النموذج النمطي للأوراسيين الشماليين القدماء؛ وهو نموذج يشبه شبحًا، إنْ لم يكن من اللحم، فهو على الأقل من عظام (M. Raghavan et al. Nature 505, 87–91; 2014). وقد تم التنبؤ بجماعات بشرية متخَيَّلة أخرى. فكلما اكتُشِف نموذج نمطي جديد، انكشفت معه أجزاء أخرى من اللغز، وأصبح بإمكان الباحثين الوصول إلى أزمان أبعد في الماضي.

يستعرض رايخ في كتابه تفاصيل العديد من الدراسات الأخرى، مثل الدراسات التي تتناول الانتشار الهائل لحضارة يامنايا ، من وسط أوروبا إلى جبال ألتاي في آسيا قبل 5 آلاف عام، وسكان جُزُر أندامان، وسكان الهند، والرُفات القديمة في أمريكا الشمالية، مثل رفات رجل كينويك، الذي يعود عمره إلى 8,500 عام.

إنّ ما يكشفه مختبر رايخ وغيره من المختبرات الأخرى هو الدرجة الهائلة لامتزاج الجماعات البشرية عالميًّا بشكل متكرر عبر الأجيال. فقد ولّى عهد شجرة العائلة، التي تنتشر من أفريقيا إلى جميع أنحاء العالم، ويمثل فيها كل فرع وغُصَين جماعة بشرية جديدة ليست ذات صلة بالجماعات الأخرى. فما تم الكشف عنه أكثر تعقيدًا وإثارة للاهتمام بكثير من ذلك؛ وهو جماعات بشرية تنقسم، ويُعاد تشكيلها، وتتغير تحت الضغوط الانتقائية، وتتحرك، وتتبادل الأفكار، ويطيح بعضها ببعض. لقد أَسدل عِلْم الجينوم والإحصاء الستار على صراعات الجنس والسلطة، التي قد تتوقع مشاهدتها في مسلسل «لعبة العروش».Game of thrones

يتفكر أيضًا رايخ في التفسير المحتمل لأبحاثه لدى عموم الأفراد والخارجين عن المجال في قسم من كتابه، ينبي عن صدق، بإمكاني لمسه، ففور التوصل إلى بعض الاكتشافات الجينية ونشرها، قد يجري تحميلها إلى حد كبير بالعصبيات والتفسيرات المتنافرة. جميعنا ننتمي إلى نوع واحد وجميعنا متقاربون في أصولنا، لكن عندما يتم – على سبيل المثال – الكشف عن الاختلافات الجينية بين الجماعات البشرية، قد تعمد وسائل الإعلام ومجموعات المصالح إلى تبسيط الأمور وتحريفها، والبعض يتعامل مع النتائج بانتقائية لتبرير معتقدات شخصية أو – مع الأسف – معتقدات سياسية أو عنصرية أيضًا في كثير من الأحيان. والبعض الآخر يغض الطرف تمامًا عن الاختلافات ويواريها. مع ذلك، فكما يحاجج رايخ، نحن بحاجة إلى مناقشة تتناول التنوع الجيني وأوجه الشبه بين الجماعات البشرية بدون تحميله بأمور أخرى. وهذا الكتاب يقطع أشواطًا في التمهيد لمثل هذا النقاش.


توري كينج أستاذة في المشاركة العامة، وقارئة في علمَي الوراثة والآثار في جامعة ليستر بالمملكة المتحدة. وتتولى قيادة عملية تحليل الجينوم الكامل لرفات الملك ريتشارد الثالث.










David Reich
(born July 14, 1974) is a geneticist known for his research into the population genetics of ancient humans, including their migrations and the mixing of populations, discovered by analysis of genome-wide patterns of mutations. He is professor in the department of genetics at the Harvard Medical School, and an associate of the Broad Institute. Reich was highlighted as one of Nature's 10 for his contributions to science in 2015.[4] He received the Dan David Prize in May 2017, the NAS Award in Molecular Biology in April 2019 and the Darwin-Wallace Medal in June 2019.