اقتفـاء أثـر الجينـات الأفريقيــة
طريقة جديدة تستكمل معطيات البحث الأثري واللغوي بتتبع هجرة البشر المبكرة.

إيريكا تشيك هايدن
Nature 2013

غادر البشر الأوائل أفريقيا منذ حوالي 200 ألف سنة، منتشرين؛ للاستيطان في باقي أنحاء العالم. وتلك الرحلة لم تكن بلا عودة: فقد عاد بعضهم مرة أخرى. يقول العلماء إنهم تتبعوا هجرة عكسية حملت، في خطوتين، جينات من باقى العالم إلى جنوب أفريقيا، قبل قدوم الاستعمار الأوروبي بزمن طويل.

هذه النتائج جزء من من فورة أبحاث، أتاحتها أدوات أفضل لمسح الجينومات الأفريقية. ولأول مرة، يستطيع علماء الوراثة السكانية الآن دراسة التاريخ المركب للهجرة البشرية في أفريقيا بفعالية، وهو مجال سيطر عليه طويلًا تحليل العظام والمصنوعات اليدوية واللغويات.

تقول كارينا شليبوش، الباحثة بمجال الجينات بجامعة أوبسالا، السويد: «حتى الآن، كانت هذه الأبحاث تُجرَى غالبًا بالاعتماد على اللغويات والأكيولوجيا. والآن نستطيع استخدام الوراثة لاختبار الأفكار. إنه حقًا وقت مثير بالنسبة إلى أبحاث الوراثة الأفريقية».



كانت الإشارات الجينية لحدوث الهجرة العكسية قد التُقطت سابقًا. فخلال العقد الماضي، أصبح الدليل متحققًا على عودة البشر إلى أفريقيا بعد «الخروج من أفريقيا» الأصلي. ومؤخرًا، أشارت بيانات الحمض النووي إلى أن مجموعة صغيرة من الأفريقيين الشرقيين هاجرت إلى جنوب أفريقيا، فاختلطت بالصيادين وجامعي الثمار الذين عاشوا هناك منذ حوالي 2000 سنة.

يربط تحليل جديد بين هاتين الهجرتين. ففي دراسة نُشرت إلكترونيًّا على موقع arXiv في 30 يوليو، أورد علماء الوراثة السكانية بكلية طب جامعة هارفارد ببوسطن، ماساتشوستس، أنهم استخدموا طريقة لاقتفاء آثار تلك الهجرة ذات الخطوتين في الحمض النووي لمجموعات «كهو–سان» khoe-San العرقية الصغيرة بجنوب أفريقيا. (J. K. Pickrell et al. Preprint at http://arxiv.org/abs/1307.8014; 2013).

فحص الباحثون أكثر من نصف مليون موقع للتغاير الجيني بجينومات نحو ألف شخص، منهم حوالى 200 أفريقي جنوبي يمثلون 22 جماعة أفريقية. بالنسبة إلى كهو–سان، بحث الفريق عن مناطق بالحمض النووي، حيث يبدو أن أولئك الأفراد ورثوا كروموسومًا من مجموعة عرقية أخرى بزمنٍ ما في الماضي.

تحتوى مناطق الحمض النووي هذه على كتل لمتغايرات جينية مرتبطة ببعضها في أنماط تشبه أنماطًا لدى مجموعات أخرى غير الكهو–سان. تلك الكتل أقصر وأكثر انتشارًا لدى الكهو–سان منها لدى المصدر المفترَض، بسبب أن التوليف الجيني الذي يحدث بكل جيل قد جَزّأ ذلك الكروموسوم الوافد بمرور الوقت.

وبقياس نطاق التجزؤ، يستطيع الباحثون تقدير عدد الأجيال التي مرت منذ دخول ذلك الكروموسوم إلى جينومات الكهو–سان. رأى الباحثون علامات تعكس موجتي هجرة: إحداهما منذ نحو 3000 سنة، وهي هجرة غير أفريقيين دخلوا شرق أفريقيا؛ والأخرى منذ 900–1800 سنة، حيث هاجر أفريقيون شرقيون إلى جنوب أفريقيا، حاملين جينات غير أفريقية. (انظر: «الخروج من أفريقيا، والعودة إليها»).

وبسبب هذه الهجرة ذات الخطوتين، بعض مجموعات الكهو–سان، التي كان يُعتقد سابقًا بانعزالها جينيًّا، تحمل فعليًّا نحو 1– %5 من الحمض النووي غير الأفريقى، كما أورد باحثون بقيادة ديفيد رايش، وزميل ما بعد الدكتوراة، جوزيف بيكريل.

استطاع علماء الوراثة بالفعل اكتشاف أمثلة سابقة من «الامتزاج» أو التهجين، لكنها كانت أول مرة يكتشفون فيها امتزاجًا متعددًا في المحتوى الجيني لمجموعة واحدة. يقول لوكا پاجانى، عالِم الوراثة بمعهد ويلكوم تراست سانجر قرب كمبريدج، المملكة المتحدة، الذي درس الهجرة العكسية إلى إثيوبيا: «أهم نتيجة هي أن هذه الهجرة من الشرق إلى الجنوب كانت تحمل أيضًا جينات غير أفريقية».

تقول سارة تيشكوف، عالمة الأنثروبولوجيا الوراثية بجامعة بنسلفانيا بفيلادفيا: «إن النتائج منطقية في ضوء الأبحاث الأركيولوجية واللغوية السابقة.. فعلى سبيل المثال.. الأفريقيون الجنوبيون الناطقون بلغات كهو-كوادي ـ عائلة لغات تعود أصولها إلى الأفريقيين الشرقيين الذين جلبوا تقنيات الرعي إلى الجنوب ـ يحملون أعلى قدر من الجينات غير الأفريقية، بحسب الدراسة الجديدة. كذلك، هناك عظام ماشية وأغنام وفخاريّات، عمرها 2000 سنة ـ وهي السمة المميِّزة للثقافات الرعوية لشرق أفريقيا ـ وُجِدت عبر جنوب أفريقيا. تقول تيشكوف: «ربما أمكن تطبيق تلك الطريقة في حالات أخرى لا تتوافر فيها أدلة أكيولوجية جيدة».

إنّ النتائج تثير أسئلة حول هوية الأفريقيين الشرقيين الذين قابلوا غير الأفريقيين، وهوية غير الأفريقيين أنفسهم. جينات الكهو–سان غير الأفريقية تشبه بشكل كبير جينات الأوروبيين الجنوبيين الحاليين، لكن يرجِّح الباحثون أن حاملي تلك الجينات آنذاك قد عبروا إلى أفريقيا من الشرق الأوسط، أو شبه الجزيرة العربية.



رقاقة متطورة
يُبْرِز البحث استخدام طرق محسَّنة ومجموعات بيانات ثرية لاستكشاف التاريخ الوراثي المركب لأفريقيا. وتشير الدراسات إلى أن أفريقيا أكثر القارات تنوعًا وراثيًّا، وأن سلالات شعب كهو–سان الوراثية هي الأقدم. ويُعتقَد أنهم انحدروا من أوائل البشر، انفصالًا عن البشر المُحْدَثِين الآخرين، الذين بدأوا الارتحال من أفريقيا.

ورغم أهمية المنطقة الهائلة في التاريخ البشري، لم يتوافر قدر كبير من البيانات حول الجماعات البشرية من جميع أنحاء أفريقيا سوى في السنة الماضية. ولم يتم فك تتابعات الجينوم سابقًا إلا لقليل من بين 2000 مجموعة إثنية أفريقية، وسبب ذلك أن جَمْع عينات الحمض النووي من الجماعات الأفريقية البعيدة يمثل تحديًا أخلاقيًّا ولوجستيًّا، وأن معظم تمويل الأبحاث الوراثية يذهب إلى التطبيقات الطبية، لا الأنثروبولوجية.

وما يضاعف تعقيد المسألة أن أنساق الحمض النووي المجهرية المصمَّمة لمسح التنوع الجيني البشرى كانت مصاغَة أصلًا لدراسة التغاير في الجينومات الأوروبية والأورو–أمريكية، ولم تلتقط التغاير في الجينومات الأفريقية. تغيَّرَ ذلك في 2011 عندما تعاون رايش وعلماء وراثة آخرون مع شركة أفّيمتريكس Affymetrix، بسانتا كلارا، كاليفورنيا، على تصميم رقاقة جينية ـ بعنوان نسق الأصول البشرية ـ تستهدف مواقع التغاير الجيني في عيِّنات أكثر تنوعًا. استخدم رايش وبيكريل تلك الرقاقة في تحليلهما، كما استخدمتها أبحاثٌ أخرى لمسح التنوع الأفريقي.

يقول پاجاني Luca Pagani,إنّ هذا يمثل تغيرًا كبيرًا. «فحتى وقت قريب، كنا نطبق أدوات مصمَّمة تحديدًا لغير الأفريقيين؛ لدراسة جينات الأفريقيين».

الراعي
King Abdulaziz City for Science and Technology (KACST) King Abdulaziz City for Science and Technology (KACST)