الخطبة الاولى:

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم اللهُمَّ صل على مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ رَسُولِكَ إلى العالَمِينَ وَبِأخِيهِ وَابنِ عَمِّهِ الأنزَعِ البَطِينِ العالِمِ المُبِينِ عَلِيٍّ أمِيرِ المُؤمِنِينَ وَالحَسَنِ وَالحُسَينِ الإمامينِ الشَّهِيدَينِ وَبِعَلِيّ بنِ الحُسَينِ زَينِ العابِدِينَ وَبِمُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ باقِرِ عَلمِ الأوَّلِينَ وَبِجَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ زَكِيِّ الصِّدِّيقِينَ وَبِمُوسى بنِ جَعفَرٍ الكاظِمِ المُبِينِ وَحَبِيسِ الظَّالِمِينَ وَبِعَلِيِّ بنِ مُوسى الرِّضا الأمِينِ وَبِمُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الجَوادِ عَلَمِ المُهتَدِينَ وَبِعَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ البَرِّ الصَّادِقِ سَيِّدِ العابِدِينَ وَبِالحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ العَسكَري وَليِّ المُؤمِنِينَ وَبِالخَلَفِ الحُجَّةِ صاحِبِ الأمرِ مُظهِرِ البَراهِينِ، وبأحمد ابن محمد وابنائة الأئمة المهديين حجج رب العالمين على الخلق اجمعين، صلوا عليهم وسلموا تسليما

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) [سورة النساء 58]

قال أمير المؤمنين (ع): ( ... (٢) ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك (٣) في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم (٤)، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه (٥)، ولا تشرف نفسه على طمع (٦)، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه (٧)، وأوقفهم في الشبهات (٨)، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم. ممن لا يزدهيه إطراء (٩) ولا يستميله إغراء. وأولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه (١٠)، وافسح له في البذل ما يزيل علته (١) وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك (٢) ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك. فانظر في ذلك نظرا بليغا، فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا ... ) ج3 ص94 ص95

[ ... الأمر الثالث، تابع الوزراء والمحافظين ومدراء الشرطة والاستخبارات وحاسبهم على تصرفاتهم وأوقف ما يفعله بعضهم من استغلال للسلطة ليؤذي الآخرين الذين يختلفون معه وأصلح في الحال الأخطاء والتصرفات التي تصرفها هؤلاء.
رابعا، القضاء، النظام القضائي في العراق يحتاج تعديل وعلى الأقل يجب مراجعة وتعديل نظام المحاكمات وعدد القضاة أو اصحاب القرار في المحاكمة، وكيف يتخذ الحكم حتى يمكن تقليص الظلم الذي يحصل في المحاكم. ومسألة استغلال القضاء من قبل المتنفذين مسألة مطروحة بقوة اليوم، المفروض أن تكون هناك رقابة على القاضي في كل قضية. فالقضاء لا يمارسه منفردا إلا نبي أو وصي أو شقي ملعون.
الأمر الخامس، أقروا قانون العفو العام ونفذوا .. ونفذوه ! وأخرجوا الناس من السجون المكتظة بالمظلومين. وإذا كنتم لا تعرفون أهمية هذا الأمر فأدعوكم للإطلاع على بعض الفيديويات التي سجلها بعض السجناء الشيعة من الصدريين مثلا، ونشروها في وسائل التواصل الاجتماعي لترون آلاف العراقيين الشيعة وهي تسبكم وتشتمكم وتلعن الساعة "السودة" التي عرفوكم بها.. "روح للسجن شوف معاناة المظلومين اسألهم افتهم منهم .. إذا تقولون السجناء السنة ارهابيين زور الشيعة وشوف حالهم .. شوف اشسويتو بيهم من اجيتو لليوم .. شوف شلون حققو وياهم وشنو ادوات التعذيب الي استعملوها وياهم" اتقوا دعوة المظلوم الذي لا يجد عليكم ناصرا إلا الله.
على كل حال نسأل الله لكم جميعا حسن الخاتمة. ... ] لقاء العراق إلى أين ؟ مع الامام أحمد الحسن (ع)

(ان الحكومة إنما هي للإمام عليه السلام)
١ - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصى نبي (١).
٢ - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن أبي جميلة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لشريح: يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي (٢).
٣ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما ولى أمير المؤمنين صلوات الله عليه شريحا القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه.
الكافي ج٧ ص٤٠٧

تعذيب احد المعتقلين المتظاهرين
https://www.facebook.com/Ahmed.Alhas...2219404492382/
مشهد تمثيلي لتعذيب
https://www.facebook.com/Ahmed.Alhas...0188683695454/
النظام القضائي في النرويج
https://youtu.be/xe2feLtJNjo




من كتاب قبسات من العهد الخالد للشهيد أنمار حمزة المهدي ص16

هذا والحمدلله رب العالمين، وأستغفر الله لي ولكم
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آ مَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [سورة العصر]





***





الخطبة الثانية:

خطبة الجمعة الموحدة

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً.
الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً. الحمد لله بجميع محامده كلها على جميع نعمه كلها، الحمد لله الذي لا مضاد له في ملكه ولا منازع له في أمره، الحمد لله الذي لا شريك له في خلقه ولا شبيه له في عظمته، الحمد لله الفاشي في الخلق أمره وحمده الظاهر بالكرم مجده الباسط بالجود يده الذي لا تنقص خزائنه ولا يزيده كثرة العطاء إلا جوداً وكرماً إنه هو العزيز الوهاب.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، عبادك وخلفائك وأمنائك وأصفيائك وأحبائك وخيرتك من خلقك وحافظي سرّك ومبلغي رسالاتك أفضل وأحسن وأجمل وأكمل وأزكى وأنمى وأطيب وأطهر وأسنى وأكثر ما صليت وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على أحد من عبادك وأنبيائك ورسلك وصفوتك وأهل الكرامة عليك من خلقك يا رب العالمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عباد الله: "رأس التقوى مخافة الله"، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعة أوامره واجتناب نواهيه.
قال تعالى: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ".

روى الشيخ الصدوق رحمه الله في كتابه "كمال الدين": ((عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام وأنا أريد أن أسأله عن الخلف [من] بعده، فقال لي مبتدئاً: يا أحمد بن إسحاق إن الله تبارك وتعالى لم يخلُ الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض.
قال: فقلت له: يا ابن رسول الله فمن الإمام والخليفة بعدك ؟ فنهض (عليه السلام) مسرعاً فدخل البيت، ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق لولا كرامتك على الله عز وجل وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيّه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الأمة مثل الخضر (عليه السلام)، ومثله مثل ذي القرنين، والله ليغيبن غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلا من ثبّته الله عز وجل على القول بإمامته وفقه [فيها] للدعاء بتعجيل فرجه.
فقال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها قلبي؟ فنطق الغلام (عليه السلام) بلسان عربي فصيح فقال: أنا بقية الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه، فلا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق.....
فقلت له: يا ابن رسول الله لقد عظم سروري بما مننت [به] علي، فما السنة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ فقال: طول الغيبة يا أحمد، قلت: يا ابن رسول الله وإن غيبته لتطول؟ قال: إي وربي حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به ولا يبقى إلا من أخذ الله عز وجل عهده لولايتنا، وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه.
يا أحمد بن إسحاق: هذا أمر من أمر الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين تكن معنا غداً في عليين)).

"أنا بقية الله في أرضه"، بهذا وصف الإمام المهدي (صلوات الله عليه) نفسه.
نبي الله داود (عليه السلام) وصفه الله بالبقية أيضاً، لكنها بقية لم ينسبها سبحانه إليه مباشرة ولكن نسبها لآل موسى وآل هارون، قال تعالى: "وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"، لكن بقية محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي (صلوات الله عليه) نسبها سبحانه له مباشرة فقال: " بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" !

أيها المؤمنون:
ونحن نرتشف من عبير أيام إمامنا محمد بن الحسن المهدي (عليه السلام) وذكرى ولادته الميمونة، دعونا نتأمل شيئاً من الحقائق المرّة التي تكشف بوضوح حال هذه البقية الإلهية المباركة منذ حقبة ولادته وغيبتيه الصغرى والكبرى وحتى يومنا هذا:

أولاً - بحسبة رياضية بسيطة، فإنّ ما يفصلنا عن ولادة الإمام هي فترة زمنية تزيد على (1.185 عامًا وخمسة شهور)، والفترة بالشهور تساوي (14.225 شهراً)، أي أكثر من (426.750 يوماً)، وهي بالساعات تعادل (10.242.000 ساعة)، وبالتالي فدقائق الانتظار التي قاسى لوعتها تزيد على (614.520.000 دقيقة)، انتظر الإمام المهدي (عليه السلام) كل هذا الوقت ولا زال ينتظر وعد الله الذي لا يخلف سبحانه وعده !
من ثمَّ، حقَّ للغيور أن يتسائل: بعد استبعاد التقصير عن ساحة الله تعالى وخلفائه الكرام المعصومين، هل كان الوقت المذكور قصيراً ولم يكن كافياً لتأهيل الأمة وبلوغها مرحلة النضج الرسالي لتقبل مشروع الإمام الإلهي وتعينه على حمله إلى العالم بأسره، أم أنّ وراء الموضوع قصة أخرى ؟!

ثانياً - دامت غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) الصغرى ما يقرب من السبعين عاماً، عيّن الإمام خلالها أربعة سفراء مرضيين عنده للتواصل بينه وبين شيعته، عُرفت فيما بعد بتوقيعات الناحية المقدسة، وقد أجهد الشيخ الصدوق رحمه الله نفسه في جمعها في كتابه "كمال الدين وتمام النعمة"، لكنها في أحسن أحوالها لم تتعد الـ 52 توقيعاً ؟
وبحسبة رياضية بسيطة أيضاً، فإنّ معدل أجوبة الإمام على الأسئلة الموجهة إليه لا يزيد عن الجواب الواحد خلال كل سنة ونصف طيلة السبعين عاماً التي استغرقتها الغيبة الصغرى، الأمر الذي يكشف حجم الهجران والتغييب الذي كان يعانيه الإمام صلوات الله عليه بين الأمة.

ثالثاً - روى الشيخ الطوسي توقيع الإمام المهدي (صلوات الله عليه) الذي خرج إلى الشيخ المفيد رحمه الله، يقول فيه: ((... نحن وإن كنا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين حسب الذي أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فانا يحيط علمنا بأنبائكم ولا يعزب عنا شيء من أخباركم ومعرفتنا بالزلل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ....)).
الإمام في توقيعه المؤلم هذا، يؤكد حالة الانحراف والجنوح عن المنهج الحق الذي أُصيبت به الأمة المنتظرة في نهاية القرن الرابع أو مطلع القرن الخامس الهجري "وقت صدور التوقيع"، أما في عصرنا الراهن فالله وحده يعلم حجم الجنوح عن الحق الذي منيت به الأمة بعد مرور ما يقرب من الألف عام على التوقيع ؟!

رابعاً - روى الشيخ الطبرسي في الاحتجاج: ((عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال: خرج التوقيع من الناحية المقدسة حرسها الله - بعد المسائل - : بسم الله الرحمن الرحيم، لا لأمره تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون، حكمة بالغة فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون...)).
الإمام (عليه السلام) في توقيعه هذا يتحدث مع من يؤمن بولايته، ويصف - بصيغة الجمع - عدم تعقلهم أمر الله، وعدم قبولهم من أولياء الله (وهو صلوات الله عليه منهم طبعاً)، ويتحدث أيضاً عن نذر - وليس نذيراً واحداً أو اثنين - يحملون ما كلفهم به من مهام إلهية لهداية الناس، ولكنهم جوبهوا بما دعا إلى ألم وحسرة الإمام الواضحة في توقيعه الشريف.

خامساً - الغيبة، وهي تكاد تكون سنّة إلهية جرت مع الكثير من خلفاء الله الكرام، لكن غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) من بين الغيبات الأكثر طولاً والأشد قسوة ومرارة وظلمة في تاريخ الرسالات الإلهية، ويمكن معرفتها – أي القسوة والمرارة والظلام – من خلال مطالعة الروايات الشريفة التي وصفت ظهوره وأيامه بالنهار قياساً بظلمة الليل الحالك الذي يسبق أيامه.
إنه باختصار زمن الفترة، التي يكون فيها الرسول والخليفة الإلهي موجوداً ومهيأً بالعلم والمعرفة الإلهية التي يحتاج إليها في بعثته، لكنه لا يؤمر بتبليغ رسالته علناً للناس؛ لعدم وجود القابل له ولمشروعه الإلهي.
إنّ وجود الإمام - والحال هذه – موافق للحكمة الإلهية التي اقتضت أن لا تخلو الأرض من حجة وتكون الحجة لله على الخلق دائماً وأبداً "رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا".
أما سبب عدم تكليف الرسول الإلهي بالتبليغ فهو - إضافة إلى عدم وجود القابل كما قلت - الرحمة بالناس أيضاً، لأنه لو قام بتبليغهم ولم يقبلوه لاستحقوا العقاب حتماً، لهذا تركهم الله لرحمته ولم يأمر بتبليغهم فهم بالرغم من تقصيرهم في استقبال الرسول ومشروعه الإلهي لكنهم يبقون مرجوين لأمر الله ولا يوجد مثل الاستحقاق الحتمي. وقد أوضح السيد أحمد الحسن هذه المسألة في كتابه عقائد الإسلام بأجلى بيان.

سادساً - إنّ ما زاد في إبعاد الأمة عن إمامها المظلوم وبالتالي تغييبه عنهم، هو اقتحام جميع المساحات التي أُريد لها في منظومة الدين الإلهي الخالص أن تبقى خاصة بالإمام لا غير كوجود المتشابه والعظائم ومستجدات المسائل ونحو ذلك مما يتطلب وحياً إلهياً لحله والإجابة عنه، ولعل واحدة من فوائد الاختصاص هذا هو ديمومة استحضار الإمام (عليه السلام) وتذكّره وعدم غيابه عن وعي الأمة فكراً وسلوكاً.
أما وقد مُلئ الفراغ واقتحمت كل المساحات فقهاً وعقيدة، فهو إضافة إلى مساهمته في تحول الدين الإلهي إلى مجموعة من الظنون والاحتمالات التي تجمع بين الشيء وضده، وهو خسارة فادحة وكبيرة بطبيعة الحال، لكن الخسارة الأكبر هي تغييب القيّم والراعي الحقيقي للدين عن وعي الناس وإضعاف ارتباطهم به وخفوت حاجتهم إليه، وليس بعيداً ما نسمعه باستمرار من البعض من أن لديه من القواعد ما يسد به حاجة الناس الدينية حتى لو استمرت غيبة الإمام ملايين السنين الأخرى القادمة !
والأخطر من هذا كله، إنّ اقتحام المختصات والمتشابهات (ومنها المسائل المرتبطة بظهور الإمام) وتحصيل النتائج المغلوطة بطبيعة الحال (لأنها أمور يختص المعصوم ببيانها وكشفها بحسب الفرض) سيسهم بنشوء منظومة عقائدية رديفة وسيؤدي بالنتيجة إلى رسم خريطة لحوق بالإمام مزورة وليست هي المرادة لله سبحانه، وبالتالي سيخطئ المعتقدون بها درب الأنصار ويكونوا قد استحقوا وصف "المؤمَّلَة الفتح من غير جهته"، الذي وسمهم به أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، إذ يقول في خطبته التي رواها الشيخ الكليني في الكافي: ((ووا أسفاً من فعلات شيعتي من بعد قرب مودتها اليوم كيف يستذل بعدي بعضها بعضاً، وكيف يقتل بعضها بعضاً، المتشتة غداً عن الأصل النازلة بالفرع، المؤملة الفتح من غير جهته، كل حزب منهم آخذ [منه] بغصن، أينما مال الغصن مال معه ...)).

سابعاً - متى تنتهي غيبتك سيدي، متى تظهر لنراك؟ لا أكون مجازفاً إن قلت إنّ هذا السؤال لم يغب عن أذهان جميع المنتظرين على مر السنين المتمادية. وبالرغم من أنّ مفتاح الإجابة مضموم بين جناحي جميع المكلفين، لكن النهج الاعتقادي والتربوي الخاطئ الذي أُفرغ في رؤوس المنتظرين منهم بالخصوص جعل أغلبهم يحيل الإجابة على الإمام نفسه ويعفي نفسه عن المسؤولية تماماً، بل وبعضهم يرمي الأمر في ساحة الله الذي لم يشرك أحداً من خلقه في أمور تتعلق بالرسالة الإلهية والدين عموماً !
هذا، ولكن الحقيقة التي كانت غائبة عنا حتى وقت قريب، هي أنّ الإمام يمثل رحمة الله بالخلق أجمعين، وهي قريبة من المحسنين المؤمنين، ولا يحول بينها وبين الناس سوى الناس أنفسهم. فالإمام - كما ورد التأكيد عليه في الروايات المنسيّة - ينتظر تهيؤ (313) رجلاً ليقوم بالأمر الإلهي، ففرجه إذن متوقف على توفر العدة الموصوفة، قال الإمام الصادق (عليه السلام): "أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون" !

بأبي من إمام مغيّب لا غائب، منتظِر لا منتظَر، والأعجب الذي تشيب له الرؤوس أن هذا الإمام المهجور والمغيّب الذي لم تتمكن الأمة بملايينها المتعاقبة على مدى عصور مديدة من أن توفر له ما يقطع به غيبته وابتعاده، كان قد سُئل عن علة غيبته فأجاب بنفس مطمئنة راضية فقال: ((.. وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل يقول: "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"...)).

الآن، وقد كشف وصيك ورسولك إلى الناس المستور وأبان لهم الحقائق المرّة والمؤلمة، فهل ستتقطع أنفسنا عليك حسرات يبن الأكرمين، هل نتمكن من إدراك حجم صبرك علينا كل هذه السنين، هل سنعي حجم معاناتك وألمك وغربتك، هل ستثوب الأمة إلى رشدها وتجدّ فعلاً في طلبك والبحث عنك، هل ستبحث حقاً في دعوة رسولك ويمانيك الموعود الذي يصرخ فيهم منذ ما يزيد على العقد والنصف من السنين ؟
نسأل الله أن يكون ذلك قبل فوات الأوان.

(اَللّـهُمَّ اِنّا نَرْغَبُ اِلَيْكَ في دَوْلَة كَريمَة تُعِزُّ بِهَا الاْسْلامَ وَاَهْلَهُ، وَتُذِلُّ بِهَا النِّفاقَ وَاَهْلَهُ، وَتَجْعَلُنا فيها مِنَ الدُّعاةِ اِلى طاعَتِكَ، وَالْقادَةِ اِلى سَبيلِكَ، وَتَرْزُقُنا بِها كَرامَةَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ).

(( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا )).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليماً كثيراً.

مكتب السيد احمد الحسن / النجف الاشرف
20/شعبان المبارك/1440هـ . 26/4/2019م