جينات البشرة البيضاء لم تتطور في أوروبا


أنا أملك قطة، وأنا أندهش لرشاقتها وخفة حركتها، وأهز رأسي تعجباً من تصرفاتها أحياناً، كعدم سماحها لي بدخول الحمام لخمس دقائق وحدي؛ وإذا أقفلت عليها الباب، فإنها تبدأ بالمواء؛ الحقيقة الغريبة، أن هناك اختلافاً جينياً بيني وبينها بنسبة 10% فقط، وهذا أمر مدهش، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن هناك ثلاثة مليارات من الأزواج الجينية عند البشر.
الفرق الجيني بين البشر والشمبانزي يصل إلى 4% فقط، أما الفرق بين شخص وآخر فدقيق جداً، لا يتجاوز 0.1%، والآن باحثون من جامعة بنسلفانيا لديهم فهمٌ أفضل حول الآليات التي تحكم التنوع العرقي، وسبب امتلاكنا لألوان مختلفة للبشرة، من خلال دراسة نشرت في مجلة (ساينس).
في الحقيقة، نحن نعرف القليل عن الجينات المتحكمة بالتنوع العرقي، ورغم اعتقادنا بامتلاك الأفارقة جميعاً نفس الصبغة الجلدية، إلا إن القارة الإفريقية تحتوي درجات لونية مختلفة. بعض الدراسات تمكنت من عزل بعض الجينات المسؤولة عن لون الجلد، إلا إن معظمها كانت تتواجد عند بيض البشرة.
بالنظر إلى جينات سكان مختلفين من القارة الإفريقية، وجد الباحثون المتغيّرات الجينية المسؤولة عن صبغة البشرة، وهي: (SLC24A5) و(MFSD12) و(DDB1) و(TMEM138) و(OCA2) و(HERC2). عالمة الجينات (سارة تيشكوف) المؤلفة الرئيسية للدراسة، ذكرت أنها وزملائها، وجدوا خلال البحث أن الطفرات الوراثية المؤثرة على خفة أو عمق لون البشرة، موجودة منذ زمن بعيد، حتى قبل تواجد البشر الحديثين.
أسلافنا القدماء (الأسترالوبيثيكس) (Australopithecus)، الذين استوطنوا شرق إفريقيا قبل ما بين 3.85 و2.95 مليون سنة، امتلكوا بشرة فاتحة تحت فرو غامق اللون. قرود الشمبانزي، أحد أقرب الأحياء إلينا، يمتلكون التنظيم ذاته؛ فبما أن الفرو يحميهم من الشمس، فلا حاجة إذاً إلى المزيد من الميلانين.
في لحظة تاريخية ما، ولد أحد أسلافنا بدون الشعر الكثيف، ويُعتقد أنه بعدها بفترة قصيرة، بدأ أشباه البشر هؤلاء بتطوير بشرة غامقة اللون، لتحميهم من الأشعة فوق البنفسجية المؤذية؛ مما يعني أن أسلافنا القدماء، ربما امتلكوا بشرة فاتحة اللون، ولكن لفترة قصيرة.
قامت (تيشكوف) وزملاؤها بتحديد الدرجات اللونية المختلفة لجلود ألفي شخص من سكان إفريقيا؛ وكان أصحاب البشرة الأفتح لوناً هم من شعوب سان (San) في الأجزاء الجنوبية، بينما أصحاب البشرة الأعمق كانوا ضمن المجموعات الرعوية ضمن المناطق النيلية الصحراوية، شرق أفريقيا وبالأخص ضمن شعوب مرسي (Mursi) وسرما (Surma).
قام الباحثون بجمع المواد الجينية من 1570 شخص إفريقي، ودرسوا جيناتهم، متفحصين ما مجموعه 4 ملايين من جزيئات النوكليوتيد المتفردة متعددة الأشكال (SNP)، والتي تمثل المناطق المحيطة بالجين حيث تحصل التغيرات؛ منها تمكنوا من تحديد أربعة مناطق رئيسة مسؤولة عن التنوع في صبغة البشرة، والمفاجئ في الأمر، أن الجين (SLC24A5)، المسؤول عن البشرة الفاتحة، والذي يُتوقع أنه ظهر في أوروبا، موجود بوفرة في إفريقيا.
الجينان (HERC2) و(OCA2)، وهما جينان مجاوران للجين (SLC24A5)، مرتبطان بالبشرة الفاتحة ولون العين الفاتح، وقد تم العثور عليهما بوفرة في أفراد مجموعة سان، حاملي أقدم خط جيني بشري؛ ولكن هذين الجينين مرتبطان أيضاً بحالة تدعى البُهاق (vitiligo)، حيث يحدث فقدان لصبغة البشرة ويفتح لونها في أماكن محددة، وكان الأمر مُفرحاً لأعضاء الفريق، فقد أكسب الأمرُ بحثَهم قيمة أكبر.
الجينات المسؤولة عن البشرة الفاتحة لا تتواجد في أوروبا وأفريقيا فقط، بل في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط أيضاً. “معظمها تسبق وجود البشر الحديث” تقول (تيشكوف)، وتكمل “لقد كانت متغيرة لعشرات الآلاف بل وربما مئات الآلاف من السنين في إفريقيا، فقد امتلك الجميع أليلات البشرة الفاتحة”.
القصة المعروفة لهجرات البشر تورد أن الإنسان الحديث هاجر من إفريقيا قبل ما بين 60 ألف و80 ألف عام، ووصل إلى آسيا، ولاحقاً إلى أراضي أوقيانوسيا، تلتها موجة ثانية سكنت أوراسيا.
ووفقاً للدكتورة (تيشكوف)، وكنتيجة لهذه الدراسة: “من الممكن أيضاً أنه كان هناك مصدر إفريقي واحد، حمل المتغيّرات الجينية للبشرتين الغامقة والفاتحة معاً، وأن الصبغات الغامقة تم الاحتفاظ بها في جنوب آسيا ومنطقة أوقيانوسيا، وفُقدت في أوراسيا وأوروبا بسبب الانتخاب الطبيعي”.
هذه المناطق، ذات الشدة العالية للأشعة فوق البنفسجية هي المناطق التي احتفظ بها السكان على بشرة داكنة اللون؛ الأفارقة بعيدون عن تطوير الميلانوما، والباحثون حددوا متغيّرات جينية للبشرة الداكنة عند سكان جنوب آسيا والهند وسكان أوقيانوسيا، أما خارج إفريقيا، فإن هذه المجموعات تمتلك بشرة داكنة في الغالب، ولديهم نفس جينات الأفارقة أصحاب البشرة الداكنة؛ هذا يعني أن أصحاب البشرة الداكنة ربما تم انتخابهم طبيعياً في الأماكن التي كانت للبشرة الغامقة فيها فوائد للبقاء، وأن الأمر نفسه حصل مع الأوروبيين، وأصبح لون البشرة لديم فاتحاً، إذ إن الأمر يساعدهم على امتصاص المزيد من الفيتامين د.
The Genes for White Skin Didn’t Develop in Europe, UPenn Study Finds

المصدر هنا
https://bigthink.com/philip-perry/th...nn-study-finds


https://www.iqtp.org/?p=14130