الخطبة الاولى:

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الحمدلله مالك الملك، مجري الفلك مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها. اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [سورة المزمل 1 - 8]

قال الامام أحمد الحسن (ع) [ ...كل عام وانتم بخير وعافية بمناسبة حلول شهر شعبان المبارك أسأل الله ان يرزقكم صيامه وقيامه والدعاء في لياليه وايامه... ] في صفحة الامام ع بتاريخ 20 5 2015

وبما أننا على اعتاب شهر شعبان أقرأ لكم هذه الرواية الجميلة، ...

(مقتطفات) تفسير الامام العسكري ع ص(637-653) . 371 - [قال:] ولقد مر أمير المؤمنين عليه السلام على قوم من أخلاط المسلمين ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، وهم قعود في بعض المساجد في أول يوم من شعبان، إذا هم يخوضون في أمر القدر وغيره مما اختلف الناس فيه، قد ارتفعت أصواتهم واشتد فيه محكهم (١) وجدالهم، فوقف عليهم، فسلم، فردوا عليه وأوسعوا وقاموا إليه يسألونه القعود إليهم، فلم يحفل بهم، ثم قال لهم - وناداهم -:
يا معشر المتكلمين فيما لا يعنيهم ولا يرد عليهم، ألم تعلموا أن لله عبادا قد أسكتتهم (٢) خشيته من غير عي ولا بكم، وإنهم لهم الفصحاء العقلاء الألباء (٣) العالمون بالله وأيامه (٤).
ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انكسرت ألسنتهم، وانقطعت أفئدتهم، وطاشت عقولهم، وهامت حلومهم، إعزازا لله، وإعظاما وإجلالا له.
فإذا أفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالاعمال الزاكية، يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وأنهم براء من المقصرين والمفرطين، إلا أنهم لا يرضون لله بالقليل ولا يستكثرون لله الكثير، ولا يدلون (٥) عليه بالاعمال فهم متى ما رأيتهم مهمومون (٦) مروعون، خائفون، مشفقون، وجلون.
فأين أنتم منهم يا معشر المبتدعين ألم تعلموا أن أعلم الناس بالقدر أسكتهم عنه وأن أجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه؟ … يا معشر المبتدعين هذا يوم غرة شعبان الكريم سماه ربنا شعبان لتشعب الخيرات فيه، قد فتح ربكم فيه أبواب جنانه، وعرض عليكم قصورها وخيراتها بأرخص الأثمان، وأسهل الأمور فأبيتموها (١) وعرض لكم إبليس اللعين بشعب شروره وبلاياه فأنتم دائبا (٢) تنهمكون في الغي والطغيان، وتتمسكون بشعب إبليس، وتحيدون عن شعب الخير المفتوح لكم أبوابه.
هذه غرة شعبان، وشعب خيراته الصلاة، والصوم، والزكاة، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبر الوالدين والقرابات والجيران، وإصلاح ذات البين، و الصدقة على الفقراء والمساكين، تتكلفون ما قد وضع عنكم، وما قد نهيتم عن الخوض فيه من كشف سرائر الله التي من فتش عنها كان من الهالكين.
أما إنكم لو وقفتم على ما قد أعده ربنا عز وجل للمطيعين من عباده في هذا اليوم، لقصرتم (٣) عما أنتم فيه، وشرعتم فيما أمرتم به.
قالوا: يا أمير المؤمنين وما الذي أعد الله في هذا اليوم للمطيعين له؟
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا أحدثكم إلا بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله:
لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جيشا ذات يوم إلى قوم من أشداء الكفار، فأبطأ عليه خبرهم، وتعلق قلبه بهم، وقال: ليت [لنا] من يتعرف أخبارهم، ويأتينا بأنبائهم.
بينا هو قائل هذا، إذ جاءه البشير بأنهم قد ظفروا بأعدائهم ...
فلما قرب القوم من المدينة، خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه يتلقاهم، فلما لقيهم ورئيسهم زيد بن حارثة، وكان قد أمره عليهم - فلما رأى زيد رسول الله صلى الله عليه وآله - نزل عن ناقته، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقبل رجله، ثم قبل يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وقبل رأسه. [ثم نزل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله بن رواحة فقبل يده ورجله وضمه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى نفسه.
ثم نزل إليه قيس بن عاصم المنقري (١) فقبل يده ورجله وضمه رسول الله صلى الله عليه وآله إليه].
ثم نزل إليه سائر الجيش ووقفوا يصلون عليه، ورد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله خيرا ثم قال لهم: حدثوني خبركم وحالكم مع أعدائكم.
وكان معهم من أسراء القوم وذراريهم وعيالاتهم وأموالهم من الذهب والفضة وصنوف الأمتعة شئ عظيم.
فقالوا: يا رسول الله لو علمت كيف حالنا لعظم تعجبك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لم أكن أعلم ذلك حتى عرفنيه الآن جبرئيل عليه السلام، وما كنت أعلم شيئا من كتابه ودينه أيضا حتى علمنيه ربي، قال الله عز وجل:
(وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان - إلى قوله - صراط مستقيم).
ولكن حدثوا بذلك إخوانكم هؤلاء المؤمنين، لا صدقكم [فقد أخبرني جبرئيل بصدقكم] فقالوا (٢): يا رسول الله، ... فلما جن علينا الليل، وصرنا إلى نصفه، فتحوا باب بلدهم، ونحن غارون نائمون ما كان فينا منتبه إلا أربعة نفر:
زيد بن حارثة في جانب من جوانب عسكرنا يصلي ويقرأ القرآن. وعبد الله بن رواحة ... . وقتادة بن النعمان ... وقيس بن عاصم . فخرجوا في الليلة الظلماء الدامسة (١)، ورشقونا بنبالهم، وكان ذلك بلدهم، وهم بطرقه ومواضعه عالمون، ونحن بها جاهلون، فقلنا فيما بيننا: دهينا وأوتينا، هذا ليل مظلم لا يمكننا أن نتقي النبال، لأنا لا نبصرها.
فبينا نحن كذلك إذ رأينا ضوءا خارجا من في (٢) قيس بن عاصم المنقري كالنار المشتعلة.
وضوءا خارجا من في قتادة بن النعمان كضوء الزهرة والمشتري، وضوءا خارجا من في عبد الله بن رواحة كشعاع القمر في الليلة المظلمة. ونورا ساطعا من في زيد بن حارثة أضوء من الشمس الطالعة.
وإذا تلك الأنوار قد أضاءت معسكرنا حتى أنه أضوء من نصف النهار، وأعداؤنا في ظلمة شديدة، فأبصرناهم وعموا [عنا]، ففرقنا زيد بن حارثة عليهم حتى أحطنا بهم، ونحن نبصرهم، وهم لا يبصروننا، ونحن بصراء، وهم عميان، فوضعنا عليهم السيوف فصاروا بين قتيل وجريح وأسير.
... وما رأينا يا رسول الله أعجب من تلك الأنوار من أفواه هؤلاء القوم، التي عادت ظلمة على أعدائنا حتى مكنا منهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قولوا الحمد لله رب العالمين على ما فضلكم به من شهر شعبان هذه كانت [ليلة] غرة شعبان، وقد انسلخ عنهم الشهر الحرام، وهذه الأنوار بأعمال إخوانكم هؤلاء في غرة شعبان أسلفوا (١) بها أنوارا في ليلتها قبل أن يقع منهم الاعمال.
قالوا: يا رسول الله وما تلك الأعمال لنثابر عليها؟
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما قيس بن عاصم المنقري، فإنه أمر بمعروف في يوم غرة شعبان، وقد نهى عن منكر، ودل على خير، فلذلك قدم له النور في بارحة يومه عند قراءته القرآن.
وأما قتادة بن النعمان، فإنه قضى دينا كان عليه في [يوم] غرة شعبان، فلذلك أسلفه الله النور في بارحة يومه.
وأما عبد الله بن رواحة، فإنه كان برا بوالديه، فكثرت غنيمته في هذه الليلة فلما كان من غد، قال له أبوه: إني وأمك لك محبان، وإن امرأتك فلانة تؤذينا وتعنينا (٣) وإنا لا نأمن من أن تصاب في بعض هذه المشاهد، ولسنا نأمن أن تستشهد في بعضها، فتداخلنا هذه في أموالك، ويزداد علينا بغيها وعنتها.
فقال عبد الله: ما كنت أعلم بغيها عليكم، وكراهتكما لها، ولو كنت علمت ذلك لابنتها (١) من نفسي، ولكني قد أبنتها الآن لتأمنا (٢) ما تحذران، فما كنت بالذي أحب من تكرهان، فلذلك أسلفه الله النور الذي رأيتم.
وأما زيد بن حارثة الذي كان يخرج من فيه نور أضوء من الشمس الطالعة، وهو سيد القوم وأفضلهم، فقد علم الله ما يكون منه، فاختاره وفضله على علمه بما يكون منه أنه في اليوم الذي ولي هذه الليلة التي كان فيها ظفر المؤمنين بالشمس الطالعة من فيه جاءه رجل من منافقي عسكره (٣) يريد التضريب بينه وبين علي بن أبي طالب عليه السلام، وإفساد ما بينهما فقال [له]: بخ بخ أصبحت لا نظير لك في أهل بيت رسول الله وصحابته هذا بلاؤك، وهذا الذي شاهدناه نورك.
فقال له زيد: يا عبد الله اتق الله، ولا تفرط في المقال، ولا ترفعني فوق قدري، فإنك [لله] بذلك مخالف و [به] كافر، وإني إن تلقيت (٤) مقالتك هذه بالقبول لكنت كذلك.
يا عبد الله، ألا أحدثك بما كان في أوائل الاسلام وما بعده، حتى دخل رسول الله المدينة (٥) وزوجه فاطمة (٦) عليها السلام، وولد له الحسن والحسين عليهما السلام؟ قال: بلى.
قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان لي شديد المحبة حتى تبناني لذلك (٧) فكنت ادعى " زيد بن (١) محمد " إلى أن ولد لعلي الحسن والحسين عليهما السلام فكرهت ذلك لأجلهما (٢)، وقلت - لمن كان يدعوني -: أحب أن تدعوني زيدا مولى رسول الله صلى الله عليه وآله فاني أكره أن أضاهي الحسن والحسين عليهما السلام، فلم يزل ذلك حتى صدق الله ظني، وأنزل على محمد صلى الله عليه وآله: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) (١).
يعني قلبا يحب محمدا وآله، ويعظمهم، وقلبا يعظم به غيرهم كتعظيمهم. أو قلبا يحب به أعداءهم، وبل من أحب أعداءهم فهو يبغضهم ولا يحبهم. ومن سوى بهم مواليهم فهو يبغضهم ولا يحبهم.
ثم قال: (وما جعل أزواجكم اللاتي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم - إلى قوله تعالى - وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (٢) يعني الحسن عليه السلام والحسين عليه السلام أولى ببنوة رسول الله صلى الله عليه وآله في كتاب الله وفرضه (من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) إحسانا وإكراما لا يبلغ لك محل الأولاد (كان ذلك في الكتاب مسطورا).
فتركوا ذلك وجعلوا يقولون: زيد أخو (١) رسول الله. فما زال الناس يقولون لي هذا [وأكرهه] حتى أعاد رسول الله صلى الله عليه وآله المؤاخاة بينه وبين علي بن أبي طالب عليه السلام.
ثم قال زيد: يا عبد الله إن زيدا مولى علي بن أبي طالب عليه السلام كما هو مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، فلا تجعله نظيره، ولا ترفعه فوق قدره، فتكون كالنصارى لما رفعوا عيسى عليه السلام فوق قدره، فكفروا بالله [العلي] العظيم.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فذلك فضل الله زيدا بما رأيتم، وشرفه بما شاهدتم.
والذي بعثني بالحق نبيا إن الذي أعده الله لزيد في الآخرة ليصغر (٢) في جنبه ما شاهدتم في الدنيا من نوره، إنه ليأتي يوم القيامة ونوره يسير أمامه وخلفه ويمينه ويساره وفوقه وتحته، من كل جانب مسيرة ألف سنة. ...

نتوقف عند هذا القدر ونكمل في الخطبة الثانية ان شاء الله...

هذا والحمدلله رب العالمين
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [سورة الناس : 6-1]





***





الخطبة الثانية:

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم اللهُمَّ صل على مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ رَسُولِكَ إلى العالَمِينَ وَبِأخِيهِ وَابنِ عَمِّهِ الأنزَعِ البَطِينِ العالِمِ المُبِينِ عَلِيٍّ أمِيرِ المُؤمِنِينَ وَالحَسَنِ وَالحُسَينِ الإمامينِ الشَّهِيدَينِ وَبِعَلِيّ بنِ الحُسَينِ زَينِ العابِدِينَ وَبِمُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ باقِرِ عَلمِ الأوَّلِينَ وَبِجَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ زَكِيِّ الصِّدِّيقِينَ وَبِمُوسى بنِ جَعفَرٍ الكاظِمِ المُبِينِ وَحَبِيسِ الظَّالِمِينَ وَبِعَلِيِّ بنِ مُوسى الرِّضا الأمِينِ وَبِمُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الجَوادِ عَلَمِ المُهتَدِينَ وَبِعَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ البَرِّ الصَّادِقِ سَيِّدِ العابِدِينَ وَبِالحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ العَسكَري وَليِّ المُؤمِنِينَ وَبِالخَلَفِ الحُجَّةِ صاحِبِ الأمرِ مُظهِرِ البَراهِينِ، وبأحمد ابن محمد وابنائة الأئمة المهديين حجج رب العالمين على الخلق اجمعين، صلوا عليهم وسلموا تسليما

...(نكمل ما توقفنا عنده في الرواية من الخطبة الأولى)...

...ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أولا حدثكم بهزيمة تقع في إبليس وأعوانه (٣) وجنوده أشد مما وقعت في أعدائكم هؤلاء؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا، إن إبليس إذا كان أول يوم من شعبان بث جنوده في أقطار الأرض وآفاقها، يقول لهم: اجتهدوا في اجتذاب بعض عباد الله إليكم في هذا اليوم. وإن الله عز وجل بث الملائكة في أقطار الأرض وآفاقها يقول [لهم]: سددوا عبادي وارشدوهم. فكلهم يسعد بكم إلا من أبي وتمرد وطغى، فإنه يصير في حزب إبليس وجنوده.
إن الله عز وجل إذا كان أول يوم من شعبان أمر بأبواب الجنة فتفتح، ويأمر شجرة طوبى فتطلع أغصانها على هذه الدنيا: [ثم يأمر بأبواب النار فتفتح، ويأمر شجرة الزقوم فتطلع أغصانها على هذه الدنيا] ثم ينادي منادي ربنا عز وجل: يا عباد الله هذه أغصان شجرة طوبى، فتمسكوا بها، ترفعكم إلى الجنة، وهذه أغصان شجرة الزقوم، فإياكم وإياها، لا تؤديكم (١) إلى الجحيم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فوالذي بعثني بالحق نبيا إن من تعاطى بابا من الخير والبر في هذا اليوم، فقد تعلق بغصن من أغصان شجرة طوبى، فهو مؤديه إلى الجنة، ومن تعاطى بابا من الشر في هذا اليوم، فقد تعلق بغصن من أغصان شجرة الزقوم، فهو مؤديه إلى النار.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فمن تطوع لله بصلاة في هذا اليوم، فقد تعلق منه بغصن. ومن صام في هذا اليوم فقد تعلق منه بغصن. [ومن عفا عن مظلمة، فقد تعلق منه بغصن] ومن أصلح بين المرء وزوجه، أو الوالد وولده أو القريب وقريبه أو الجار وجاره (٢) أو الأجنبي أو الأجنبية، فقد تعلق منه بغصن. ومن خفف عن معسر من دينه أو حط (٣) عنه، فقد تعلق منه بغصن. ومن نظر في حسابه فرأى دينا عتيقا قد أيس منه صاحبه، فأداه فقد تعلق منه بغصن. ومن كفل يتيما، فقد تعلق من بغصن.
ومن كف سفيها عن عرض مؤمن، فقد تعلق منه بغصن. ومن قرأ القرآن أو شيئا منه فقد تعلق منه بغصن. ومن قعد يذكر الله ونعماءه ويشكره عليها، فقد تعلق منه بغصن. ومن عاد مريضا فقد تعلق منه بغصن. ومن شيع فيه جنازة، فقد تعلق منه بغصن. ومن عزى فيه مصابا، فقد تعلق منه بغصن. ومن بر والديه أو أحدهما في هذا اليوم فقد تعلق منه بغصن. ومن كان أسخطهما قبل هذا اليوم فأرضاهما في هذا اليوم، فقد تعلق منه بغصن وكذلك من فعل شيئا من [سائر] من أبواب الخير في هذا اليوم، فقد تعلق منه بغصن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا، وإن من تعاطى بابا من الشر والعصيان في هذا اليوم، فقد تعلق بغصن من أغصان شجرة الزقوم فهو مؤديه إلى النار.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا، فمن قصر في صلاته المفروضة وضيعها، فقد تعلق بغصن منه. ومن كان عليه فرض صوم ففرط فيه وضيعه، فقد تعلق بغصن منه. ومن جاءه في هذا اليوم فقير ضعيف يعرف (١) سوء حاله، وهو يقدر (٢) على تغيير حاله من غير ضرر يلحقه، وليس هناك من ينوب عنه ويقوم مقامه، فتركه يضيع ويعطب، ولم يأخذ بيده، فقد تعلق بغصن منه. ومن اعتذر إليه مسئ، فلم يعذره، ثم لم يقتصر به على قدر عقوبة إساءته، بل أربى عليه; فقد تعلق بغصن منه. ومن ضرب (٣) بين المرء وزوجه، أو الوالد وولده، أو الأخ وأخيه، أو القريب وقريبه، أو بين جارين، أو خليطين أو أجنبيين (٤) فقد تعلق بغصن منه. ومن شدد على معسر وهو يعلم إعساره، فزاد غيظا وبلاءا، فقد تعلق بغصن منه ومن كان عليه دين فكسره (٥) على صاحبه، وتعدى عليه حتى أبطل دينه، فقد تعلق بغصن منه. ومن جفا يتيما وآذاه وتهضم (١) ماله، فقد تعلق بغصن منه. ومن وقع في عرض أخيه المؤمن، وحمل الناس على ذلك، فقد تعلق بغصن منه ومن تغنى بغناء حرام يبعث فيه على المعاصي فقد تعلق بغصن منه. ومن قعد يعدد قبائح أفعاله في الحروب، وأنواع ظلمه لعباد الله ويفتخر بها فقد تعلق بغصن منه. ومن كان جاره مريضا فترك عيادته استخفافا بحقه، فقد تعلق بغصن منه. ومن مات جاره، فترك تشييع جنازته تهاونا به، فقد تعلق بغصن منه.
ومن أعرض عن مصاب، وجفاه إزراءا (٢) عليه، واستصغارا له، فقد تعلق بغصن منه. ومن عق والديه أو أحدهما، فقد تعلق بغصن منه. ومن كان قبل ذلك عاقا لهما، فلم يرضهما في هذا اليوم، و [هو] يقدر على ذلك فقد تعلق بغصن منه. وكذا من فعل شيئا من سائر أبواب الشر، فقد تعلق بغصن منه. والذي بعثني بالحق نبيا، إن المتعلقين بأغصان شجرة طوبى ترفعهم تلك الأغصان إلى الجنة [وإن المتعلقين بأغصان شجرة الزقوم تخفضهم تلك الأغصان إلى الجحيم].
ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله طرفه إلى السماء مليا، وجعل (٣) يضحك ويستبشر ثم خفض طرفه إلى الأرض، فجعل يقطب ويعبس، ثم أقبل على أصحابه فقال:
والذي بعث محمد بالحق نبيا، لقد رأيت شجرة طوبى ترتفع [أغصانها] وترفع المتعلقين بها إلى الجنة، ورأيت منهم من تعلق منها بغصن ومنهم من تعلق منها بغصنين أو بأغصان على حسب اشتمالهم على الطاعات، وإني لأرى زيد بن حارثة قد تعلق بعامة أغصانها فهي ترفعه إلى أعلى عاليها، فلذلك ضحكت واستبشرت ثم نظرت إلى الأرض، فوالذي بعثني بالحق نبيا، لقد رأيت شجرة الزقوم تنخفض أغصانها وتخفض المتعلقين بها إلى الجحيم، ورأيت منهم من تعلق بغصن، ورأيت منهم من تعلق منها بغصنين، أو بأغصان، على حسب اشتمالهم على القبائح، وإني لأرى بعض المنافقين قد تعلق بعامة أغصانها، وهي تخفضه إلى أسفل دركاتها فلذلك عبست وقطبت.
قال: ثم أعاد رسول الله صلى الله عليه وآله بصره إلى السماء ينظر إليها مليا وهو يضحك ويستبشر، ثم خفض طرفه إلى الأرض وهو يقطب ويعبس.
ثم أقبل على أصحابه فقال: يا عباد الله أما لو رأيتم ما رآه نبيكم محمد إذا لا ظمأتم لله بالنهار أكبادكم، ولجوعتم له بطونكم، ولا سهرتم له ليلكم، ولا نصبتم فيه أقدامكم وأبدانكم، ولا نفدتم (٢) بالصدقة أموالكم، وعرضتم للتلف في الجهاد أرواحكم. قالوا: وما هو يا رسول الله فداؤك الآباء والأمهات والبنون والبنات والأهلون والقرابات؟
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا لقد رأيت تلك الأغصان من شجرة طوبى عادت إلى الجنة، فنادى منادي ربنا عز وجل خزانها: يا ملائكتي! انظروا كل من تعلق بغصن من أغصان طوبى في هذا اليوم، فانظروا إلى مقدار منتهى ظل ذلك الغصن، فأعطوه من جميع الجوانب مثل مساحته قصورا ودورا وخيرات .فاعطوا ذلك:
فمنهم من أعطي مسيرة ألف سنة من كل جانب [ومنهم من أعطي ضعفه] ومنهم من أعطي ثلاثة أضعافه، وأربعة أضعافه، وأكثر من ذلك على قدر [قوة] إيمانهم، وجلالة أعمالهم.
ولقد رأيت صاحبكم زيد بن حارثة أعطي ألف ضعف ما أعطي جميعهم على قدر فضله عليهم في قوة الايمان وجلالة الاعمال، فلذلك ضحكت واستبشرت.
ولقد رأيت تلك الأغصان من شجرة الزقوم عادت إلى جهنم، فنادى منادي ربنا خزانها، يا ملائكتي انظروا من تعلق بغصن من أغصان شجرة الزقوم في هذا اليوم فانظروا إلى منتهى مبلغ حد (١) ذلك الغصن وظلمته، فابنوا له مقاعد من النار من جميع الجوانب، مثل مساحته قصور النيران، وبقاع غيران (٢)، وحيات، وعقارب، وسلاسل وأغلال، وقيود، وأنكال يعذب بها.
فمنهم من أعد له فيها مسيرة سنة، أو سنتين، أو مائة سنة، أو أكثر على قدر ضعف إيمانهم وسوء أعمالهم. ولقد رأيت لبعض المنافقين ألف ضعف ما أعطي جميعهم على قدر زيادة كفره وشره، فلذلك قطبت وعبست.
ثم نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أقطار الأرض وأكنافها، فجعل يتعجب تارة، وينزعج تارة، ثم أقبل على أصحابه فقال: طوبى للمطيعين كيف يكرمهم الله بملائكته، والويل للفاسقين كيف يخذلهم الله، ويكلهم إلى شياطينهم.
والذي بعثني بالحق نبيا إني لأرى المتعلقين بأغصان شجرة طوبى كيف قصدتهم الشياطين ليغووهم، فحملت عليهم الملائكة يقتلونهم ويثخنونهم (٣) ويطردونهم عنهم، فناداهم منادي ربنا: يا ملائكتي ألا فانظروا كل ملك في الأرض إلى منتهى مبلغ نسيم هذا الغصن الذي تعلق به متعلق فقاتلوا (٤) الشياطين عن ذلك المؤمن وأخروهم عنه، فاني لأرى بعضهم، وقد جاءه من الاملاك من ينصره على الشياطين ويدفع عنه المردة.
إلا فعظموا هذا اليوم من شعبان بعد تعظيمكم لشعبان، فكم من سعيد فيه؟ وكم من شقي فيه؟ لتكونوا من السعداء فيه، ولا تكونوا من الأشقياء.

هذا والحمدلله رب العالمين، وأستغفر الله لي ولكم...

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر 1 - 3]