الراعي الطالح يترك غنمه نهبة للذئاب
أبو محمد الأنصاري

آخر وسائل الإستخفاف والضحك على الذقون التي اجترحتها مرجعيات آخر الزمان نطق بها أحد رموز هذه المرجعية جواباً على سؤال وجهته له الصحافة محوره وظيفة مرجعية النجف بإزاء المعارك الدامية التي تدور رحاها في مناطق جنوب ووسط العراق ، فكان جوابه الصاعق جاهزاً حتى كأن الرجل قد أخرجه من جراب الحاوي الملئ بكل وسائل الإستخفاف . كان مضمون الجواب كالآتي : إن المرجعية لا تبني مواقفها على أساس ردة الفعل ، لأنها بذلك تكون مقلِدة لا مُقلَدة ! أ ليس هذا الجواب من قبيل السخرية المريرة ؟ فهؤلاء الذين يسمون أنفسهم فقهاء يتنصلون من واجباتهم الدينية والإجتماعية لأنهم متكبرون من ناحية ولأنهم يخشون على أنفسهم غضب هذه الجهة أو تلك ، من ناحية أخرى ، وبطبيعة الحال – وهي ناحية ثالثة – هؤلاء أمنوا مساءلة الناس واطمأنوا لغفلتهم وتفريطهم بحقوقهم ومصالحهم فتركوا حبلها على غاربها ، وإلا كيف لم يتساءل أحد من الناس : إذا كنا مقلدين لكم فاسمعونا رأيكم لنتبعه ، ثم إن المشكلة مطروحة على أرض الواقع منذ سنوات لماذا لم تجشموا أنفسكم عناء وضع الحل لها ؟
المسألة ببساطة هي إن فقهاء آخر الزمان الخونة يعلمون تماماً إنهم جزء من المشكلة بل هم جوهر المشكلة بمداهنتهم للمحتل ورضاهم به وبدستوره المناقض لقيم الإسلام والأرض ( الحرة على الأقل ) ، وبجيوشه التي تقتل يومياً وتنتهك الحرمات والأعراض ، وما هذه المعارك التي أشعلوها في كل جانب سوى الحل – بزعمهم – الذي قرروا من خلاله تصفية الخصوم السياسيين والفكريين ، ولكنهم عما قليل سيحلبونها دماً عبيطاً ، فليس بعد اختلاف الشيعة غير سيف القائم الذي سيطيح برؤوسهم ويضع حداً لغيهم وتماديهم ، وقد خاب من افترى .
الحق إني كتبت هذه الكلمات قبل ما يربو على الشهر ، وحين قلبت أوراقي وجدتها تصلح تماماً لوصف موقف المرجعية من التحضيرات التي تجري على قدم وساق لضرب مدينة العمارة في صولة جديدة من صولات جند المرجعية العرجاء ( أ ليست هي تجري على قدم وساق ) .
فإذا كان المالكي التافه يفكر في بطولات من نوع بطولات صفحة الخيانة والغدر كما سماها الطاغية صدام بهدف الحصول على الرضا الأمريكي المؤثر للغاية في لعبة الكراسي المتحركة ، بعد أن انفرد حزب عبدالعزيز الحكيم بصوت المرجعية ، وإذا كانت مؤسسة المرجعية وحزب الحكيم من أمامها يسعون من صولاتهم العرجاء تحقيق هدفين في آن واحد ، يتمثل الأول منهما في الإنتقام الجبان مما ألحقه بهم الصدر الأب الذي فضح حقيقتهم كمجموعة انتهازية اتخذت من آلام العراقيين مطية لتحقيق أهداف ذاتية ، والصدر الإبن الذي فضح عمالتهم وعرى حججهم الخائرة بعدم إمكانية مقاتلة المحتل ، ويتمثل الهدف الثاني برغبتهم الشيطانية في السيطرة على الجنوب الشيعي مرة واحدة والى الأبد ، أقول إذا كان كل من هؤلاء قد حدد له هدفاً ، فما بال القوى المثقفة لا تتحرى هدفها وتناضل من أجله ؟
فالواقع إن الفرصة التأريخية – بعكس ما قد يتوقعه الكثيرون – مؤاتية تماماً لتوجيه الضربة القاصمة لقوى الظلام التي تتحكم بمصائر الناس ، غاية ما في الأمر إن على القوى المثقفة أن تدرك دورها الحقيقي وتتحمل المسؤولية الدينية والتأريخية الملقاة على كتفها ، وأن تعرف جيداً نوع السلاح الذي تحارب به ، وتحدد بدقة الهدف الحقيقي الذي تنشده .
فالحق إن بإمكان القوى الواعية اليوم أن تحيل الموت الذريع الذي تنثره الطائرات الأمريكية وقوات المرجعية العميلة في كل مكان من مدينة الصدر ومدن العراق الأخرى الى قصة موت أخرى ، هي هذه المرة قصة موت المرجعيات التي طالما خدعت الناس بمقولة إنها الحارس الأمين والحصن الحصين لحياة الناس ومصالحهم .
وإذا كان الإعلان الرسمي لهذا الموت قد تأجل لأكثر من مرة لأسباب لا تنم عن حصافة في الرأي ، بل غالباً ما تشير إلى إشكالية الوعي الشيعي المعاصر التي تتفاعل فيها من جهة سياسة الاستخفاف التي تمارسها سلطة المرجعية ، وموت الإرادة أو الوعي المستسلم الذي يميز السواد الأعظم من الناس ، من جهة أخرى ، فإن مطارق الموت التي تقرع الوعي كل يوم وكل لحظة والتي يجد الإنسان نفسه عارياً مستوحداً بإزاء استحقاقاتها القاسية لاسيما بعد أن تخلت عنه المرجعيات بشكل مخزٍ ، بل بعد أن وقفت منه موقف الشماتة الوقحة وانحازت كلياً إلى عدوه الذي يقتله كل يوم ، هذا الواقع الجديد لابد أن يكون كفيلاً بكسر قوقعة الخرافة التي أسرته طويلاً .
ولعل بإمكان القوى الواعية أن تستثمر سورة السخط الجماهيري العارم التي تمثل البشائر الأولى لوعي جديد بدأ يطل برأسه ، ولا ينقصه سوى الجهد الواعي – بكل ما تعنيه هذه الكلمة – الذين يبلوره ويمنحه هويته ووجهته الحقيقية التي تتفق مع تأريخ الجماهير وثقافتها ، فإن ما ينبغي أن تحرص عليه القوى الواعية هو المضي بهذا الوعي المتنامي إلى غاياته القصوى ، وهو ما يتحقق من خلال تجذيره وتأصيله فأن قطع كل الروابط بالتأريخ والثقافة – كما ينظّر بعض المثقفين ذوي الميول العلمانية – سيدفع الجماهير حتما – وكما يشهد التأريخ على الأقل - الى الالتفات إلى الوراء ، ويتيح لمؤسسة المرجعية استرجاع القطيع المتمرد والعودة به إلى القفص القديم نفسه .