اقتصاد عصر الظهور / الشيخ شياع المحمداوي

http://ihelrs.org/2016/08/21/%D8%A7%...F%D8%A7%D9%88/
بسم الله الرحمن الرحيم

تعريف الاقتصاد: هو فرع من فروع العلوم الاجتماعية، ويهتم بدراسة عملية إنتاج، توزيع، واستهلاك السلع والخدمات. ومصطلح (اقتصاد) لغوياً يعني التوسط بين الإسراف والتقتير

ومن الجدير بالذكر أن الأفكار الاقتصادية كانت قد ولدت مع ولادة الحضارات القديمة كالسومرية والبابلية والإغريقية، والرومانية والهندية مروراً بالصينية والفارسية والحضارة العربية. وأهمية البحث تكمن في كون الاقتصاد كما لا يخفى هو عصب الحياة، وله مدخلية في كل جوانب الحياة، وبالتالي فان تركيز البشرية عموماً من بدايتها الى يومنا هذا على مسائل الاقتصاد، لذلك يعد الجانب الاقتصادي والعامل الاقتصادي هو العامل الاول والاساس في المشكلة الإنسانية والبشرية، وعصر الظهور يمتاز بالأزمات وعلى كافة الأصعدة إلا أن الأزمات الاقتصادية تكاد تكون هي الطابع العام لهذا العصر فالإمام المهدي (عليه السلام) يباشر مهامه الاصلاحية بعد أن يكون العالم في مواجهة أزمة اقتصادية طاحنة، انّها اذا استفحلت فسوف ينهار النظام الاقتصادي العالمي بأكمله، كما انهار النظام الاشتراكي او الشيوعي سابقاً، وكما يواجه النظام الرأسمالي اليوم نفس الازمة، ولذلك فان بعض الدول ترى النظام الاقتصادي العالمي في حاجة الى عدالة؟ أي وضع قواعد عادلة له، وقوانين جديدة لإرساء نظام اقتصادي عالمي جديد، ومحاور البحث تتلخص في:

الأزمات الاقتصادية قديماً وحديثاً ودور خلفاء الله في أرضه (عليهم السلام) في حلحلتها:
لقد مرت على أهل الأرض أزمات اقتصادية كان من الصعب تجاوزها لولا وجود بعض خلفاء الله في أرضه (عليه السلام) الذين سعوا لمعالجة تلك الأزمات ووضع الحلول الناجحة لها وإنقاذ الناس من مجاعات حقيقية فالقرآن الكريم يذكر قصة نبي الله يوسف (عليه السلام) وكيف أنقذ شعب مصر من المجاعة عندما أسس لهم نظاما اقتصاديا يضمن لهم القوت، وقد كان تدخل النبي يوسف (عليه السلام) في تنظيم اقتصاد مصر من ضمن الخطة الإلهية الكبرى لتعريف الناس بمدى حاجتهم لخليفة الله ليس في تنظيم الحياة ونشر العدل فقط بل وكذلك الأخذ بيدهم إلى طريق الله تعالى وتعريفهم بالتوحيد الحقيقي الذي من اجله خلقت هذه الحياة والذي يضمن لهم الخلاص في الدنيا والآخرة.

ومن الأمثلة التاريخية الأخرى هو تدخل الإمام الباقر (عليه السلام) في إنقاذ اقتصاد الدولة الإسلامية وتخليصها من سيطرة العملة الرومية في أيام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان والذي حاول تغيير سك العملة النقدية الورقية وتبديل شعارها الروماني (الأب، الأبن، الروح) إلى الشعار الإسلامي (أشهد أن لا إله إلا هو) مما أدى ذلك إلى اصطدامه بغطرسة قيصر الرومان الذي حاول إجبار عبد الملك بن مروان على التراجع عن مشروعه مهددا بأن دولة الرومان ستعمد على سك العملات النقدية بشعار يحمل الإساءة والاستهانة بنبي الإسلام وبث هذه العملة في جميع الدول ــ آنذاك ــ، عندها تحير عبد الملك وضاقت عليه الأرض ولم يجد حلا لهذا المأزق حتى بعد أن شاور مستشاريه والمسلمين ولم يجد عند احد منهم حيلة للخروج من هذه الورطة عندها قال له أحدهم أنك لتعرف المخرج من هذا المأزق ولكنك تتعمد في الإعراض عنه فقال عبد الملك: ويحك وما هي الطريقة التي اعرفها ؟ فأجابه الرجل: لا بد لك أن تطلب حل هذه المشكلة من باقر أهل البيت (عليه السلام)، فصدق عبد الملك قوله وكتب إلى والي المدينة أن أشخص إلى الشام الإمام الباقر (عليه السلام) محترما مكرما، وطرح عليه القضية فقال (عليه السلام) إن تهديد قيصر الروم في مورد النبي (صلى الله عليه وآله) لن ينفذ والله سبحانه وتعالى لن يتركه يفعل هذا وطريق الحل سهل يسير أيضا فأجمع الآن أصحاب الصناعات وأمرهم بضرب السكك وليخطوا على أحد وجهي العملة سورة التوحيد وعلى الوجه الاخر أسم النبي (صلى الله عليه وآله) وبهذا نستغني عن مسكوكات الروم، ثم شرح لهم الإمام الباقر (عليه السلام) ما يتعلق بوزن السكك فقال لا بد أن يكون وزن كل عشرة دراهم من الأنواع الثلاثة للسكك سبعة مثاقيل وأمرهم بذكر أسم البلد وسنة ضربها في تلك المسكوكات، فانتهت أخبار سك العملة الجديدة إلى أسماع قيصر فأقترح عليه أصحاب بلاطه أن ينفذ ما هدد به، فأجابهم قيصر إني أردت بهذا التهديد أن أغضب عبد الملك وأما الآن فإن تنفيذ ذلك التهديد يعتبر أمرا لغوا عبثا لأن البلاد الإسلامية الآن لا تتعامل بالنقود الرومية.

ولو نظرنا إلى حال العالم اليوم نجد أن الأزمات الاقتصادية لا تكاد تفارق الدول سواء العربية منها والأوربية وقد ابتدعوا لها أسماء ومصطلحات عديدة مثل الركود الاقتصادي، سياسة التقشف، هذا فضلا عن المظاهر المؤلمة الناتجة عن التدهور الاقتصادي كالمجاعات والفقر وغيرها وبروز أزمات اقتصادية فيها من الضرر الكبير على المجتمعات الإنسانية بحيث اصبح العالم على حافة انهيار الاقتصاد العالمي وهو بحد ذاته سيكون كارثة حقيقية على ملايين من الناس وهذا يحتم على الناس للبحث عن يوسف آخر حجة لله على خلقه في ارضه (ينظر: صحيفة الصراط المستقيم، العدد 103 السنة الثالثة).

وعلى ضوء ما عندنا نحن المسلمين من اقتصاد اسلامي ندّعي انه الاكمل والافضل، فكيف يكون ذلك وهل ان امامنا حقا سيجعل المسلمين آنذاك في منأى عن الازمات الاقتصادية الخانقة ذلك في عصر المعصوم عليه السلام وفي عصر الظهور فهل لهذا العصر من علامات وأزمات اقتصادية تميزه عن باقي العصور ؟

الاقتصاد في علائم الظهور:
تعد علامات الظهور بمثابة إعلان لحالة الطوارئ واقتراب قيام الساعة والذي اقتضت الحكمة الإلهية بقائها في الكتمان مع إعطاء بعض الإشارات والأخبار عما ستؤول إليه الأمور، ولاختصاص البحث بالجانب الاقتصادي فسنقتصر على ذكر بعض العلامات المتعلقة بالاقتصاد إبان الظهور وبعده والتي أشارت إلى التحولات الاقتصادية في زمن الظهور كالتحول والتغيير في الموارد الطبيعية والبشرية والتحولات الكونية وغيرها. كما أشارت بعض الروايات إلى حصار اقتصادي يصيب العراق والشام أزمة اقتصادية ومالية في العراق والشام ومصر، والتي من مظاهرها الجوع والخوف والقتل الذريع والفظيع قبيل ظهوره عليه السلام والتي تؤدي إلى تبديد الثروات البشرية والإنمائية.

أورد المفيد رحمه الله مجموعة علامات لظهور الإمام المهدي عليه السلام وأحداثاً ذات مضامين اقتصادية تكون في العراق وغيره، قال في الإرشاد:2/ 368 ( … وخوف يشمل أهل العراق وبغداد، وموت ذريع فيه ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وجراد يظهر في أوانه وفي غير أوانه حتى يأتي على الزرع والغلات، وقلة ريع لما يزرعه الناس).

وروى العياشي:1/68، عن أبي حمزة الثمالي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَئْ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ قال: ذلك جوع خاص وجوع عام، فأما بالشام فإنه عام، وأما الخاص بالكوفة يخص ولا يعم، ولكنه يخص بالكوفة أعداء آل محمد فيهلكهم الله بالجوع. وأما الخوف فإنه عام بالشام وذاك الخوف إذا قام القائم عليه السلام وأما الجوع فقبل قيام القائم عليه السلام وذلك قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَئٍْ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ). بل ويتعدى هذا الأمر إلى حدوث تغييرات مناخية تؤثر على الاقتصاد ومنها شدة الحر أو انقطاع المطر أو كثرته مما يؤثر على الإنتاج الزراعي والحيواني.

وفي الإرشاد/361 ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن قدام القائم عليه السلام لسنة غيداقة يفسد فيها الثمار والتمر في النخل فلا تشكوا في ذلك).

وفي الكافي/ ج7 ص36 ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في ذكر علامات ظهور المهدي (عليه السلام) ذات المضامين الاقتصادية قوله: (… وكان صاحب المال أعز من المؤمن، وكان الربا ظاهرا لا يعير، ورأيت الرجل معيشته من بخس المكيال والميزان…).

وجاء في عقد الدرر عن أبي قبيل قال: (… تنقطع قبل خروجه التجارات والطرق …) عقد الدرر، الباب /4 ، الفصل /2، ص 71.

والقرآن قد حذر من التعامل بالربا وبخس المكيال وأن عاقبة هذا الفعل وغيره هو الخسران المبين وسخط الخالق سبحانه وينعكس سلبا على المجتمعات الإنسانية ولعل ذلك يبدو واضحا في الأحداث التي تعصف بالعالم ومنها انعدام الأمن والصراعات العسكرية ذات المنشأ الديني أو السياسي.

دور العراق في اقتصاديات عصر الظهور:
لا يمكن رسم صورة تفصيلية عن الواقع الاقتصادي في العراق بسبب ندرة الإحصاءات الدقيقة المتعلقة بالتطور أو الانكماش الحاصل في القطاعات الاقتصادية كحجم الناتج المحلي ونسبة التضخم وحجم البطالة ومؤشرات الإنتاج والاستهلاك والتوزيع وإن وجدت فهي مقصورة على العموميات.

ومن خلال الأخبار الواردة حول أحداث العراق وأوضاعه في عصر الظهور وهي كثيرة، ويظهر منها أن العراق يكون ساحة صراع لا تهدأ بين قوى متعددة، وأن أبرز سمات الفترات التي يمر بها العراق شدة البلاء على أهل العراق من حكامه الجبابرة، واختلاف هؤلاء الحكام مع الدول المجاورة لهم فعن جابر بن عبد الله الأنصاري عليهم السلام قال: (يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك) البحار للمجلسي: ج51 ص92، والقفيز كيل للغلات. والمعنى أنه لا يكاد يصل إليهم مواد تموينية أو مساعدات مالية، بسبب حربه مع جيرانه.

ونجد هذا واضحا من خلال حالة وحجم الدمار الذي لحق بالعراق من جراء سياسات حكامه وما آلت إليه الأمور من احتلال وتمزق ونهب للثروات الاقتصادية وهلاك للحرث والنسل ولعل آخرها ما حصل للاقتصاد العراقي من جراء سياسة التهور الصدامية في حروبه الداخلية والخارجية، ويمكن تلمس (حجم الكارثة الاقتصادية التي لحقت بالعراق جراء قرار شيطاني واحد لتنفيذ قادسية صدام كلف العراق450 مليار دولار علما بأن هذا القرار كلف أيران أيضا ما يقرب من 650 مليار دولار أي ما يعادل أنتاج نفط البلدين منذ عام 1930 ــ 1988م) صفقة مع الشيطان، د.خليل شمة ، ص 379.

العراق في ظل دولة الإمام (ع):
يتنفس العراق الصعداء في ظل سلطة الإمام المهدي عليه السلام، ويدخل حياة جديدة في مركزه العالمي بوصفه عاصمة الإمام عليه السلام ومحط أنظار المسلمين ومقصد وفودهم. وتصبح الكوفة والسهلة والحيرة والنجف وكربلاء محلات لمدينة واحدة يتردد ذكرها على ألسنة شعوب العالم وفي قلوبهم، فضلا عن أن الأخلاق الإلهية التي سينشرها المهدي (عليه السلام) وسيتحلى بها المجتمع الإنساني ستؤدي إلى نفي الفقر المادي بعد أن يتم نفي الفقر الروحي وهذا سيكون على مستوى الفرد والمجتمع … (أحمد الحسن (عليه السلام)، طبيعة وشكل الأموال في دولة المهدي، مقال منشور، صحيفة الصراط المستقيم، العدد 47، السنة الثانية، 14/1/2011).

في عهده (عليه السلام) تتظافر الجهود من أجل الإحياء والبناء وعمران الأرض والحياة، وتساهم جميع العوامل المؤثرة في دفع حركة النمو الاقتصادي نحو الأمام، ومن هذه العوامل: الرعاية الإلهية، وجود القائد المعصوم ، وجود الممّحصين المخلصين، الاندفاع الذاتي، الإخلاص، طواعية الطبيعة.

وللخمس في عهده (عليه السلام) دور مهم جداً في إقامة الاقتصاد الإسلامي العادل، فإنه يختلف عما هو عليه اليوم حيث لا ضوابط في عملية جبايته وإنفاقه في أبوابه الشرعية، فالإسلام والذي لا يؤمن بالرأسمالية أو الاشتراكية بل يجعل خمس الاقتصاد بيد شخص مقطوع بأنه زاهد عادل حكيم في التصرف، وبهذا:-

يضمن في الاقتصاد الإسلامي المواساة بين المؤمنين وبين بلاد المؤمنين فلا يكون هناك بلد إسلامي متخم وآخر يئن أهله من وطأة الفقر والحاجة، وبهذا تصلح أمور الفقراء والأيتام والأرامل المالية، ولا يبقى جائع أو عاري أو شخص يعيش في العراء، وهذا ينعكس إيجاباً على الحالة الاجتماعية للمجتمع المسلم، فالتخمة والفقر كلاهما له أثر اجتماعي سلبي أقل ما فيه أنه قد يؤدي إلى تدني الأخلاق الكريمة كالكرم والمواساة والإيثار وبروز أخلاق لئيمة كالفساد الجنسي والحرص الخ..

هذا محور أساسي في الاقتصاد الإسلامي أو الإلهي وأحد أهم أسباب اختلافه عن أي اقتصاد وضعي آخر. الاقتصاد الإسلامي مرتكز على خليفة الله وبدونه لا يمكن أن يكون هناك شيء اسمه اقتصاد إسلامي أو إلهي يهدف لتحقيق العدالة بين الناس
.