كتاب الطوفان في المراجع المسمارية - دكتور فاضل عبد الواحد


رابط التحميل


https://archive.org/details/54657_20170712_0515

او

http://bayanelislam.net/books/upload/A02963.pdf




كتاب “الطوفان في المراجع المسمارية” للكاتب العراقي “الدكتور فاضل عبد الواحد” عالم السومريات المعروف، يقوم على دراسة قصة الطوفان في الكتابات المسمارية.. وهذه قراءة له:

أسطورة الطوفان..

يبين الكتاب أنه لا يخفى أنه قلما تخلو أمة من الأمم من قصة أو أسطورة للطوفان. غير أن الطوفان في المراجع المسمارية، أي في مراجعة الأصلية، سبقت غيرها في ذكر تفاصيل الطوفان بآلاف من السنين، وقصة “الطوفان” كانت واحدة من تلك الروائع التي جاء بها الكتاب السومريون أصلا، والتي أضاف إليها من بعدهم الكتاب البابليون ثم الأشوريون، وهي مثل غيرها من تلك الروائع القديمة نذكر منها على سبيل المثال قصة الخليفة والقصص الخاصة ب”عشتار” وحبيبها “تموز” وما يتعلق بهما من طقوس الخصب والموت والبعث.

عملية خلق الإنسان..

إن قصة “الطوفان” لا تستمد أهميتها من كونها تسجل فقط تفاصيل وافية عن هذه الكارثة المروعة، التي تعرض لها الجنس البشرى في قديم الزمان، وإنما لأنها تحتوى أيضا، وخاصة النسخة البابلية، على تفاصيل دقيقة وفي غاية الأهمية عن معتقدات السومريين والبابليين بخصوص خلق الإنسان، فالآلهة العظام عندما خلقت الكون قسمت فيما بينها الوظائف والمناصب، وقد تم اختيار مجموعة منها، التي يطلق عليها في السومرية “ايكيكى” عهدت إليها مهمة إعمار الأرض. وقد عملت هذه المجموعة في الحفر وإصلاح الأرض وفلاحتها أربعين سنة متوالية، وتحت وطأة التعب ومشقة العمل قررت هذه المجموعة من الآلهة أن تعلن “العصيان والثورة” وأن تسير في مظاهرة صاخبة لتحاصر مقر مشير الآلهة وهو الإله “انليل” في مدينة نفر.

وإزاء ذلك تعقد الآلهة العظام اجتماعا تناقش فيه تمرد هذه المجموعة، وبعد المناقشة والأخذ والرد يجتمع الرأي على الاستجابة إلى مطالبهم، أي إعفائهم من مسؤولية العمل في الأرض. ولما كانت الآلهة نفسها قد تنصلت من مهمة إعمار الأرض، فقد كان لزاما على مجلس الآلهة أن يجد بديلا عنها يقوم بالمهمة، وقد كتب ألا يكون ذلك البديل غير الإنسان، لقد خلقته الآلهة ليحمل عنها النير، وليقدم لها القرابين من أكل وشراب كيما تنعم هي بالراحة التامة في العلى.



وفي هذا الموضع من قصة الطوفان البابلية يرد ذكر تفاصيل عملية خلق الإنسان من الطين ممزوجا بدم أحد الآلهة. إن الطوفان كان من الحوادث التي أعارها المؤرخون الأقدمون في وادي الرافدين أهمية بارزة بحيث أنهم صنفوا سلالتهم إلى سلالات حكمت قبل الطوفان وسلالات حكمت بعده .

قصة الطوفان السومرية..

وقصة الطوفان السومرية، مثل غيرها من المؤلفات والمعتقدات والأفكار

السومرية الأخرى، كانت المنبع الذي استقى منه الساميون قصة الطوفان. لقد وصلنا من قصة الطوفان السومرية رقيم واحد فقط، كان قد اكتشف في مدينة نفر، ونشره لأول مرة في1914، والرقيم الذي نحن بصدده لم يصل كاملا، إذ لم يبق منه إلا ثلثه الأخير فقط. وعلى الرغم من أن هذا الرقيم السومرى، في نظر بعض الباحثين، قد دون في شكله الحالي في الجزء الأخير من العصر البابلي القديم في حدود 1600 ق م، إلا أننا لا نشك في أنه نسخة من تأليف سومري أقدم من هذا التاريخ بقرون عديدة، خاصة وأن الإشارة إلى الطوفان قد وردت فعلا في نصوص سومرية أدبيه- دينية تتعلق بالملك “اشمي – دكان” في 1953- 1935 ق م.

قصة الطوفان في النسخة السومرية تتناول بصورة رئيسية ثلاث قضايا أساسية، أولها خلق الإنسان وما تبع ذلك من خلق الحيوانات والنباتات ونشوء المدن، وثانيها حدوث الطوفان الذي أريد به القضاء على البشر كليا، وثالثها أن هناك منقذا يقوم ببناء سفينة للنجاة، وأنه يكافأ مقابل ذلك بالخلود. إن هذه النقاط ستكون هي الأخرى المحور الأساسي الذي تدور حوله قصة الطوفان في المراجع البابلية والأشورية.

تأثر الكتاب البابليون بقصة الطوفان السومرية بصورة مباشرة، فأخذوا موضوعها وخطوطها العريضة ومنهم أضافوا إليها، كما فعلوا ذلك بالنسبة لمعظم التآليف الأدبية ذات الأصل السومري، والقصة البابلية تتناول ثلاثة أمور رئيسية: 1- خلق الإنسان ليحل محل الآلهة في تحمل مشقة العمل. 2- تكاثر الناس وازدياد ضجيجهم وقرار “انليل” بإنزال الوباء والقحط عليهم لإنقاص عددهم. 3- ثم إحداث الطوفان لإبادتهم.

ملحمة كلكامش..

والملاحظ في قصة الطوفان كما جاءت في “ملحمة كلكامش” أنها لا تحتوي على التفاصيل الأخرى التي جاءت في قصة الطوفان البابلية “اتراخاسيس”، والتي تتعلق بخلق الإنسان وبإنزال الوباء والقحط في الأرض. ومن الواضح أن قصة الطوفان، كما جاءت في الرقيم الحادى عشر من “ملحمة كلكامش” تعتمد بصورة رئيسية على قصة الطوفان البابلية “اتراخاسيس”، سواء في الهيكل العام للقصة أم في مضمونها وحتى في تشابه بعض التعابير.

انليل إله العواصف..

يبرز في قصة الطوفان بنسختيها السومرية والبابلية عدد من “الشخصيات”، إن صح استعمال مثل هذا التعبير، ممن كان لهم دور

فعال في أحداث القصة، وهؤلاء على نوعين، إما من الآلهة أو من البشر. إن الدور الأساسي في قصة الطوفان كان يتمثل ب”انليل” إله العواصف الذي كان مركز عبادته في مدينة نفر، وفي معبده المشهور” اى- كور”، وقد تصوره العراقيون القدماء بأنه إله عنيف شديد الانتقام من خصومه، ويبرز الإله “انليل” هنا في قصة الطوفان بدور الساخط على البشرية لأنه ما انفك يضع الخطة بعد الأخرى في سبيل إهلاك وإفناء الناس. هذا الإله حرض الآلهة الأخرى على اتخاذ قرار بإفناء البشرية.

وكانت حجة “انليل” في ذلك أن الناس قد تكاثروا إلى حد بحيث أن ضجيجهم أصبح يقض مضجعه، وأنه لم يعد يجد طعما للراحة أو للنوم، وبسبب ذلك فإنه أقنع الآلهة بإنزال الوباء على الناس لينقص من أعدادهم، وهكذا تفتك الأمراض والأوبئة بالناس فتتعالى أصواتهم مستغيثين باله الحكمة “انكي” الذي يهب إلى نجدتهم، ويفشل بذلك مخطط الإله “انليل”، ويصر “انليل” على الانتقام من الناس، فينزل عليهم القحط في هذه المرة. ولكن “انكي” يسرع إلى نجدتهم، كما فعل في المرة الأولى، وإزاء ذلك تثور ثائرة “انليل” فيعقد العزم على إحداث الطوفان لإفناء البشرية.

إيا إله الحكمة..

ومن الآلهة المهمة التي لعبت دورا بارزا وبناء في أحداث الطوفان “إيا” إله الحكمة وإله مياه العمق، أي المياه السفلى، التي سماها السومريون والبابليون “إبسو”، وقد تصوره الأقدمون من خلال ما تركوا من قصص وأساطير بأنه إله محب لفعل الخير ولتقديم يد العون لسائله. ولأنه إله الحكمة فقد كان ملاذا للآلهة وللبشر على حد سواء، لإنقاذها من ورطتها عند الأزمات. ثم إن البشرية مدينة بموجب قصة الطوفان لهذا الإله لأنه كان يأتي في كل مرة بالحيلة والوسيلة لإفشال خطط الإله “انليل” عندما أنزل على الناس الوباء والقحط، وهو الذي كشف عن قرار الآلهة إلى رجل الطوفان، الذي اختاره من بين الناس وأمره أن يصنع الفلك ويأخذ معه أهله وذويه.

وإذا كان الإله “ايا” قد أنقذ نسل البشرية من دمار محقق، فإنه يشخص في قصة الطوفان، وفي قصة الخليقة البابلية بدور الإله الخالق للإنسان، فنحن نقرأ في الرقيم الأول من قصة الطوفان البابلية “اتراخاسيس”، وفي الرقيم السابع من قصة الخليقة البابلية أن أصوات الآلهة قد تعالت مطالبة بخلق بديل يحمل عن الآلهة مشقة العناء والعمل، من أجل إعمار الأرض، وأن الآلهة لاذت بالإله “ايا” لتدبير الأمر، وأنه توصل بحكمته ودهائه إلى خلق الإنسان من الطين الممزوج بدم ولحم أحد الآلهة.

فإذا كان الفضل في تصور طريقة الخلق يرجع إلى إله الحكمة “إيا” فإن الإلهة “ننتو” هي التي قامت بانجاز عملية الخلق، التي تعتبر واحدة من أبرز المسائل التي عني بها المفكرون الأقدمون، فنحن نقرأ في قصة الطوفان البابلية “اتراخاسيس” كيف أن الآلهة جاؤا إلى “ننتو” يسألونها أن تخلق لهم إنسانا يحمل عنهم مشقة العمل، وأنهم قبلوا قدميها خضوعا وإجلالا ولقبوها ب”سيدة الآلهة جميعا”. كما نقرأ أيضا كيف أن الإلهة “ننتو” أخذت الطين الممزوج بدم الإله، بصقت فيه ومن ثم اقتطعت منه أربع عشرة قطعة، التي خلقت منها بقوة سحر كلماتها سبعة من الذكور وسبعا من الإناث.



أصل الوجود..

يمكننا القول بصورة عامة في ضوء أساطير الخلق السومرية والبابلية أن القدماء في وادي الرافدين رأوا أن المياه الأزلية كانت أصل الوجود، فهي كانت تتكون حسب اعتقادهم من عنصرين، أولهما مذكر ويسمي “ابسو” ويمثل المياه العذبة، والثاني مؤنث ويسمى”تيامة”، ونتيجة لامتزاجهما ولد أول جيل من الآلهة، المتمثل في “لخمو” و”لخامو” ثم “انشار” و”كيشار”.

وتذكر قصة الطوفان البابلية الموسومة “اينو ما ابلش”عندما كان في العلى أن هذه الأجيال من الآلهة أخذت تزعج بصخبها وضجيجها المتواصلين أبوهم “ابسو” وزوجته “تيامة”، وبسبب ذلك فقد صمم “ابسو” على القضاء عليهم، وأنه بدأ بتبادل الرأي مع وزيره “مومو”، ومع زوجته “تيامة” بخصوص ذلك، وعندما سمعت زوجته بما ينوي الإقدام عليه ثارت في وجهه، أما وزيره “مومو” فقد كان مخالفا لهذا تماما إذ حثه على الانتقام منهم، وتسمع الآلهة الفتية المكيدة التي يدبرها أبوهم “ابسو”، وهنا يبرز الإله “ايا” باعتباره إله الحكمة ومنقذ البشرية من الدمار، فيبتدع بحكمته تعويذة ذات قوة خارقة، بحيث أنها جعلت “ابسو” يغط في سبات عميق وآنذاك انقض عليه “ايا” وقتله.

بعد ذلك يبدأ صراع مرير بين الإلهة “تيامة” التي تعقد العزم على الانتقام لزوجها من قتلته، وبين الآلهة الحديثة التي انتخبت قائدا لها هو الإله “مردوخ”، وكانت نتيجة الصراع، بموجب قصة الخليقة البابلية، مقتل “تيامة” التي شطر الإله “مردوخ” جسمها إلى شطرين، خلق منهما السماء والأرض، وعقب ذلك توزيع الآلهة في السماء والأرض والعالم السفلي، وإعطاء كل واحد منهم مهمة خاصة به.

استعان كتاب “الطوفان في المراجع المسمارية” بثلاثة نصوص لقصص الطوفان، وقد كتب النص الأول بالسومرية، أما النصان الآخران فقد كتبا بالبابلية، ويتألف النص الثاني، الذي يؤلف ما يعرف بقصة الطوفان “تراخاسيس” من عدة نسخ جاءت من عصور مختلفة، يكمل بعضها البعض أحيانا. أما النص الثالث فإنه يشكل جزء من الرقيم الحادي عشر من “ملحمة كلكامش”، الذي يروى قصة الطوفان على لسان رجل الطوفان “اوتنابشتم”.



الكاتب..

دكتور “فاضل عبد الواحد” عالم السومريات، رمزا علميا وأكاديميا كبيرا، وشغل عدة مناصب مهمة، منها عمادة كلية الآداب- جامعة بغداد، فضلا عن كونه عضو المجمع العلمي العراقي، ولد عام 1935 في محافظة البصرة، وأنهى دراسته الثانوية فيها، ثم انتقل إلى بغداد ليكمل دراسته الجامعية في كلية الآداب والعلوم/ قسم الآثار عام 1953، بعدها حصل على بعثة دراسية في جامعة “بنسلفانيا”، ودرس على يد العالم الكبير “صمويل كريمر”، فحصل على درجة الماجستير في مادة السومريين وآدابهم عام 1960، كما حصل على الدكتوراه في فلسفة الآثار عام 1963، وعاد بعدها إلى بغداد ليعمل أستاذا في جامعتها.