التقديرات التي تمت مراجعتها لمعدلات التحور تعيد الحسابات الوراثية لإنسان ما قبل التاريخ إلى الحياة بالبيانات الأثرية


أخبار

دراسات تبطئ ساعة الحمض النووي البشري
التقديرات التي تمت مراجعتها لمعدلات التحور تعيد الحسابات الوراثية لإنسان ما قبل التاريخ إلى الحياة بالبيانات الأثرية

إيوين كالاواي
Nature 2012

English article
Published online: 18 Oct 2012





عُمْر هذه الجمجمة لإنسان هايدلبيرج 500 ألف سنة، يتعارض مع التقديرات السابقة لتواريخ الحمض النووي للإنسان القديم المنقرض (النياندرثال)





لقد اُعْتِيدَ أن تكون قصة أجدادنا من البشر القدماء مكتوبة على عظامهم وأدواتهم التي استخدموها، ولكن منذ الستينات من القرن العشرين، قدم الحمض النووي نسخته الخاصة المفسرة للأحداث. وكانت بعض النتائج موحية. ومن أمثلة ذلك.. عندما أظهرت دراسات الحمض النووي أن كل البشر الذين يعيشون في هذا العصر قد انحدروا من أجداد عاشوا في أفريقيا منذ أكثر من مئة ألف عام، في حين كانت بعض النتائج الأخرى محيرة، وتوحي بأن الأحداث الأساسية في نشأة الإنسان قد وقعت في أزمان تتعارض بشكل واضح مع علم الآثار.

مؤخرًا، بدأ علماء الآثار والوراثة يحكون نفس القصة، بفضل التقديرات المحسّنة لمعدلات طفرات الحمض النووي (DNA)، وهي الساعة الجزيئية التي تدعم التأريخ الجيني1-4. وقد تمكن علماء الآثار والوراثة مؤخرًا – كما يقول جيف روز، الباحث في علم الآثار بجامعة برمنجهام بإنجلترا - من الإجابة عن الأسئلة قريبة الشبه المطروحة حول التاريخ الإنساني بقدر أكبر من الثقة من العلماء في بيانات بعضهم البعض. وكان على العلماء البريطانيين – كما يقول آيلوين سكالي، الباحث في علم الجينوم التطوري بمعهد ويلكام ترست سانجر في هيكستون بإنجلترا - أن يتفقوا، حيث كانت هناك ـ على حد قوله ـ قصة حقيقية.

ويعد مفهوم ساعة الحمض النووي سهلاً، إذ يشير مفهوم اختلافات حرف الحمض النووي بين المقاطع المتتابعة لنوعين إلى مقدار الفترة الزمنية التي مضت منذ كان آخر جد مشترك لهما على قيد الحياة. ولكي تكون التقديرات صحيحة، يحتاج باحثو الوراثة إلى معلومة واحدة حاسمة عن الإيقاع الذي تتغير به حروف الحمض النووي.

وكان علماء الوراثة قد قدروا معدلات التحور من قبل بمقارنة الجينوم البشري بالتتابعات الجينية للثدييات العليا الأقرب إلى الإنسان. وعلى أساس النوع، تم جمع تواريخ التنوع – بطريقة تدعو للسخرية – من دلائل الحفريات، وخلصوا من ذلك إلى أنه في الحمض النووي للإنسان، يتحور كل حرف مرة واحدة كل بليون سنة. ويعد هذا الرقم تقريبيًّا ومثيرًا للريبة، كما تقول ليندا فيجيلانت، الباحثة في علوم الإنسان الجزيئية بمعهد ماكس بلانك لعلم الإنسان التطوري في لايبزج بألمانيا. وتحولت الشكوك إلى أمور مبرَّرة.

وفي السنوات القليلة الماضية، تمكَّن علماء الوراثة من مراقبة الساعة الجزيئية وهي تعمل، بتتبع التسلسل للجينوم الكامل من عشرات العائلات5 ومقارنة التحورات الجينية بين الأبناء والآباء. وتوضح هذه الدراسات – كما يقول الباحث آيلوين سكالي - أن الساعة الجزيئية ربما تدق عند نصف مُعَدَّل التقديرات السابقة. وفي بحث1 نُشر بتاريخ 11 سبتمبر، استخدم سكالي وزميله ريتشارد دوربِن المعدلات الأبطأ لمعدلات التحور لإعادة تقييم توقيت الانقسامات الرئيسة في التطور البشري. فإذا تم خفض معدل التحور إلى النصف، فمعني ذلك – كما يقول سكالي - أنك تكون قد ضاعفت من التقديرات التي تضعها للفترات الزمنية.

ويبدو ذلك كأنه تغيُّر جذري تمامًا. فحتى الآن، تتشابك أحدث الأزمنة الجزيئية بطريقة أفضل كثيرًا مع الأزمنة التاريخية الرئيسة. وإذا أخذنا موقع حفرة العظام المعروف باسم «سيما دي لوس هويسوس» الواقع في أتابيركا بإسبانيا، الذي يقدَّر عمرة بين 400 ألف إلى 600 ألف عام، فهو يضم عظامًا ترجع إلى إنسان هايدلبيرج، وهو الجد أو السلسال المباشر للبشر البدائيين «النياندرثال: وهي سلالة شبه بشرية ظهرت منذ 300 ألف سنة، واختفت منذ 80 ألف سنة تقريبًا، وعاشت في أوروبا، وشرق المتوسط، وشمال أفريقيا».




وقد ألمحت الدراسات الوراثية إلى أن أجدادنا من البشر البدائيين قد تفرعوا من الفرع المؤدي إلى الإنسان الحديث، بشكل أكثر حداثة كثيرًا (أي بين 270 ألف إلى 435 ألف سنة مضت فقط). وتدفع الساعة الجزيئية المتباطئة هذا التاريخ للخلف، إلى حقبة زمنية أكثر أريحية، إلى 600 ألف سنة مضت.

ومن الممكن كذلك للساعة الجزيئية الأبطأ أن تجبر العلماء على إعادة النظر في نقاط التحول التي حدثت فيما بعد في حقبة ما قبل التاريخ، التي تشمل حركة هجرة الإنسان الحديث من أفريقيا. وألمحت الدراسات الوراثية للبشر حول العالم إلى أن الأجداد الأوائل للأوروبيين والآسيويين قد رحلوا من قارة أفريقيا منذ حوالي 60 ألف عام، وقد جعل هذا التاريخ الكثيرين – كما يقول سكالي ـ يستنتجون أن الحفريات البشرية التي يبلغ عمرها نحو 100 ألف عام ـ المكتشفة في فلسطين ـ إنما تمثل هجرة غير نافذة، أكثر من كونها بداية لهجرة جماعية عالمية. وتوحي حسابات «سكالي» الموضوعة خارج قارة أفريقيا ـ التي تقترب من 120 ألف سنة ـ بأن المواقع الفلسطينية إنما تمثل قاعدة انطلاق لانتشار البشر في قارتي أوروبا وآسيا.

وتتفق أحدث الأزمنة أو التواريخ الوراثية أيضًا مع مواقع أخرى عديدة في الشرق الأوسط، حيث تحتوي على معدات وأدوات، من الواضح أنها صُنعت بواسطة الإنسان الحديث، ولكنها ترجع إلى نحو 100 ألف عام. ففي تلك الفترة، كانت مستويات مياه البحر بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية أكثر انخفاضًا مما هي عليه الآن، وربما يكون المناخ الأكثر رطوبة قد جعل شبه الجزيرة العربية خصيبة خضراء، وصالحة للسكنى، وربما اجتذبت الإنسان الحديث من أفريقيا للحياة فيها.

ويقول الباحث روز ـ الذي عمل بأحد هذه المواقع في عمان ـ إنه كان يعيش فوق القمر منذ قراءة الورقة البحثية التي أعدها الباحثان سكالي، وديربنز. وقد تساعد الساعة الجزيئية التي تمت مراجعتها أيضًا - كما يقول مايكل بتراجليا الباحث الأثري بجامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة - في تسوية الجدل الدائر حول ما إذا كان البشر قد غامروا أكثر بالذهاب إلى آسيا منذ أكثر من 60 ألف عام، مؤيدًا تاريخًا أقرب.

وعلى الرغم من أن الساعة الجزيئية المبطأة يمكن أن تجعل قصة التطور البشري أكثر انسجامًا وتآلفًا، كما يقول ديفيد ريتش، باحث الوراثة التطورية بكلية الطب جامعة هارفارد في بوسطون بماساشوستش، إلا أنها تحدث أشياء غريبة عندما يمتد تطبيقها إلى فترات زمنية أقدم، ولذلك لا يمكنك أن تستخدمها في كلا الاتجاهين. وعلى سبيل المثال، يضع أبطأ معدل مقترح للتحورات الجينية الجد أو السلف المشترك للبشر والأورانجوتانز – كما يقول ريتش - عند 40 مليون سنة مضت، أي أكثر من 20 مليون سنة قبل التواريخ المستمدة من الدليل المتوفر للحفريات. وقد جعلت هذه الساعة شديدة البطء كلاً من الجد المشترك للبشر والقردة مع آخر الديناصورات، «مما جعلها بالغة التعقيد».

وقد ألمح بعض الباحثين، ومن بينهم سكالي، إلى أن يكون معدل التحور قد تباطأ عبر الـ15 مليون سنة الماضية، وبذلك يكون هو المسؤول عن مثل هذه الاختلافات. وترجح دلائل الحفريات أن سلف القردة أو أجدادهم كانوا أصغر حجمًا من القردة الموجودين على قيد الحياة الآن، وأن الحيوانات الصغيرة تميل إلى التناسل بشكل أسرع، الأمر الذي يسرع بمعدل التحور. ويقول الباحث ريتش إن هناك أدلة قوية، ولكنها قليلة تدعم هذه الفكرة. وهو يوافق على أن الساعة الجزيئية يجب أن تكون أبطأ مما كان يعتقد، ولكنه يقول إن القضية هي: إلى أي مدى يكون الإبطاء؟ ويضيف بأن وجهة نظره القوية حاليًا هي أن القيمة الحقيقية لمعدل التحور الجيني البشري هي أنه يظل موضوع تساؤل مطروح ينتظر إجابة.

References
Scally, A. & Durbin, R. Nature Rev. Genet. 13, 745–753 (2012).

Langergraber, K. E. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA http://dx.doi.org/10.1073/pnas.1211740109 (2012).
Hawks, J. Proc. Natl Acad. Sci. USA http://dx.doi.org/10.1073/pnas.1212718109 (2012).
Sun, J. X. et al. Nature Genet. http://dx.doi.org/10.1038/ng.2398 (2012).
Kong, A. et al. Nature 488, 471–475 (2012).

الراعي
King Abdulaziz City for Science and Technology (KACST) King Abdulaziz City for Science and Technology (KACST)