كيف ظهرت اللغة ومن أين جاءت؟ الأمر يتعلق بالصناعة في العصر الحجري

نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية تقريرًا للكاتب بِن جيمس يناقش فيه كيفية نشأة اللغة، وتحدث عن نظرية تربط صناعة الأدوات في العصر الحجري بتكوين اللغة، مستعرضًا آراء علماء اللغة في الأمر.

يتحدث الكاتب عن التقائه بشاب عمره 38 عامًا يعمل في تشذيب الحجارة لنحو 20 عامًا، يُدعى نيل بوفيرد. يستخدم بوفيرد أساليب العصر الحجري في صناعة الأدوات الحجرية، ويُدرِّس مهارات البقاء في الحياة البرية في غرب ماساشوستس بالولايات المتحدة، حيث ذهب إليه الكاتب من أجل أن يفهم النظريات الأخيرة عن ظهور اللغة بشكل أفضل، خصوصًا الأبحاث الجديدة التي تشير إلى أن اللغة بالشكل الحالي الذي نعرفه لم تكن لتتطور على الإطلاق ما لم يعمل أسلافنا بجِد لاكتساب القدرة على إنتاج أدوات معقدة.

يتم هذا البحث من خلال تداخل علم الأحياء التطوريّ، وعلم الآثار التجريبي، وعلم الأعصاب، وعلم اللغة، ومن أهم الأسباب الدافعة لهذا البحث هو السؤال القديم: من أين جاءت اللغات؟

الفضل يعود لصناعة الأدوات
يطرح عالم الأحياء في جامعة ستانفورد، أورين كولودني، هذا السؤال بطريقة أكثر علمية قائلًا: «ما نوع الضغوط التطورية التي قد تكون أدّت إلى هذه الظاهرة الغريبة والمدهشة، والتي تعدّ بالغة الأهمية لكوننا بشرًا؟» واقترح كولودني إجابة مثيرة وغريبة لهذا التساؤل. يناقش كولودني في بحثه الذي نُشر في دورية «المعاملات الفلسفية للجمعية الملكية (ب)» فكرة أن البشر الأوائل قد اكتسبوا القدرة على استيعاب اللغة من أنفسهم أثناء تعليمهم بعضهم البعض كيفية صنع أدوات معقدة.

لفهم ما قاله كولودني، طلب الكاتب من بوفيرد أن يحكي له عن تاريخ الأدوات في العصر الحجري. يمسك بوفيرد حجرًا غير منتظم بحجم ثمرة الليمون الهندي، ويحطمه بين صخرتين أكبر حجمًا، ثم يبحث عبر الشظايا الناتجة ليختار قطعة ذات حافة قطع ممتازة، ثم يقول إن هذه التقنية البسيطة كانت مستخدمة في حضارة «أولدوان»، والتي شهدت استخدام أشباه البشر «Hominini» للأدوات الحجرية الأولى منذ قرابة مليوني ونصف مليون سنة.

بعد ذلك، ينتقل بوفيرد مليون سنة إلى الأمام إلى الثورات التكنولوجية للإنسان العامل «Homo ergaster»، إذ لم يعد صانعو الأدوات يطرقون الحجارة ببعضها ليروا ما يمكن أن يحصلوا عليه. يمسك بوفيرد بفأس حجري يعود للحضارة «الأشولية» ليستكمل عمله، وقد استُخدم هذا الفأس لأغراض متعددة في العصر الحجرى القديم الأسفل والأوسط، إذ يمكن استخدامه لقطع اللحوم، وحفر التربة، وتحطيم العظام. تحتوي شفرة هذا الفأس على حافة متعرجة، مع إزالة رقائق صغيرة من كل جانب من السطح القاطع، والذي تحتاج صناعته فهمًا دقيقًا لكيفية عمل الحجر، والتخطيط لعدة خطوات مسبقًا، وفقًا لما قاله بوفيرد.

فأس حجري

في نقطة ما على الخط الزمني بين حضارة أولدوان والحضارة الأشولية، من المرجّح أن اللغة البدائية سجّلت أول ظهور لها. يرى أورين كولودني وزميله الباحث شيمون إدلمان، أستاذ علم النفس في جامعة كورنيل، أن هذا التزامن ليس مصادفة، إذ إن ظهور اللغة هو نتيجة قدرة أسلافنا على تنفيذ عمليات تعتمد على التسلسل، مثل إنتاج الأدوات المعقدة.

بنى ديتريش ستاوت، عالم الأنثروبولوجيا «علم الإنسان» بجامعة إيموري في الولايات المتحدة، تجاربه الرائدة على حجج كولودني. قام ستاوت، والذي يستطيع تشذيب الحجارة، بتدريس مئات الطلاب كيفية صنع أدوات العصر الأشولي، وتتبع نشاط الدماغ خلال عملية التعلُّم. لاحظ ستاوت ازدياد المادة البيضاء في الدماغ –أي ازدياد الاتصال العصبي في الدماغ- مع نمو مهارتهم في تشذيب الحجارة. يعتقد ستاوت في بحثه أن صنع الأدوات المعقدة يحفّز زيادة حجم الدماغ، وتطور أشباه البشر في جوانب أخرى، والتي قد تتضمن ظهور اللغة.

تطور تدريجيّ
لكن اللغة لم تكن لتنشأ كاملة فجأة، إذ يقول كولودني: «كل عملية تطورية، بما في ذلك تطور اللغة، يجب أن تكون تدريجية، وتتألف من خطوات صغيرة، على أن كلًّا منها تكون مفيدة بذاتها». ويضيف كولودني إن التدريس كان جزءًا مهمًا من العملية، فعندما علّم الإنسان العامل والإنسان المنتصب «Homo erectus» أقرباءه صناعة الأدوات المعقدة، حصلوا على ميزة تطورية لتمكنهم من التواصل –إلى جانب مهارتهم في صنع واستخدام الأدوات المعقدة- بطرق أكثر تطورًا.


الإنسان العامل «Homo ergaster»

يشير كولودني إلى ما قد يبدو وكأنه تناقض في هذه الفكرة، فيقول إن العديد من الأنواع من فصيلة القرود صنعت أدوات بطرق تعتمد على التسلسل، وطورت التواصل بينها بدرجة عالية، لكن الترتيب الذي تُصدِر به هذه القرود الكلام لا يغير كثيرًا من معناه. ويضيف كولودني: «السؤال لم يعد لماذا نشأت اللغة عند البشر فقط، بل لماذا لم تنشأ عند القرود؟»، ويجيب بأن الفرق النوعي بيننا وبين القرود هو أنهم لا يمتلكون نظام تواصل مقترنًا بتلك القدارت الإنشائية التي تعتمد على التسلل.

هذا «الاقتران» هو حيث حصل الإنسان على اللغة، في ما يسمى بـ«التكيف المسبق»، وهو مصطلح أطلقه المتخصص في الأحياء القديمة ستيفن جاي جولد لوصف حدث تطوري يتم فيه إعادة توظيف وظيفة بيولوجية لاستخدام آخر. يرى كولودني وإدلمان أن الشبكات العصبية اللازمة لإنتاج أدوات معقدة تعتمد على التسلسل حدث لها تكيف مسبق في الدماغ، لذلك فإن ترتيب الكلمات وبنية الجملة يصنعان فرقًا كبيرًا في المعنى.

استطاعت اللغة البدائية، التي تطورت في سياق صناعة الأدوات والتدريس، الانفصال في نهاية المطاف عن سياقاتها المباشرة المكتسبة، واستخدمت تلك المسارات المعرفية الأصلية لأغراض أخرى فريدة من نوعها، إلى أن تم إنشاء مدارس لتعليم اللغة.

اللغة ليست تطورية
من أجل الاتفاق مع نظرية كولودني وإدلمان، يجب الموافقة على أن التراكيب المرتبطة باللغة مثل بناء الجملة، والتراكيب المرتبطة بالعمل المتمثلة في الخطوات المتسلسلة لصنع أداة، متشابهة لدرجة أنها تتحرك نتيجة الآليات العصبية نفسها. لكن العديد من العلماء مثل نعوم تشومسكي، وهو الأكثر تأثيرًا بين علماء اللسانيات المعاصرين، لا يوافق على ذلك


يقول الكاتب إن تشومسكي كان متحفظًا بشكل خاص في ما يتعلق بتطور اللغة، فكان يجيب في مناسبات عديدة بأن السؤال إما ليس ذا صلة، أو غير قابل للحل، أو كليهما. وجاءت المفاجأة في عام 2014، عندما قرر تشومسكي، إلى جانب البعض من رواد المجال مثل روبرت بيرويك، المشاركة في ما يتعلق بالتطور لأول مرة، فنشروا سلسلة من الأبحاث المدهشة التي تشير إلى أن اللغة ظهرت بشكل كامل بتراكيبها مرة واحدة. وكتب تشومسكي وزملاؤه الباحثون أن تدريس اللغة هي عملية اكتسبناها حديثًا، ولم نكتسبها في سياق التغيير التدريجي البطيء للأنظمة الموجودة مسبقًا تحت الانتقاء الطبيعي، لكنه نشأ منفردًا وسريعًا.

يرى بيرويك، أستاذ علوم اللغة الحاسوبية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والمؤلف المشارك مع تشومسكي كتاب «لماذا نحن فقط: اللغة والتطور»، أن النظريات القائمة على الأدوات الحجرية التي اقترحها باحثون مثل ستاوت وكولوديني ضعيفة، وأخبر بيرويك الكاتب عبر بريد إلكتروني أن النتائج التجريبية لستاوت تُظهر -على عكس ما يقترحه ستاوت- أن اللغة الشفهية لا تسهّل صنع الأدوات، وأن العلاقة المزعومة بين صناعة الأدوات واللغة هي مجرد مجاز في أحسن الأحوال.


يقول الكاتب إن موقف تشومسكي يُعدّ دحضًا قويًّا لعمليات تطورية معروفة لا يعلم كولودني وستاوت والعديد من زملائهم كيفية التعامل معها. ويرى ستاوت أن تفنيد بيرويك لأبحاثه خاطئ، ويقول بأنه يتوقع من بيرويك وتشومسكي وغيرهما من المتخصصين في علم اللغة العثور على نوع من التوافق مع وجهات نظره المتعلقة باللغة، لكنه لا يرى احتمالية حدوث أي اتفاق في وقت قريب.

يستكمل بوفيرد حديثه إلى الكاتب، ويقارن عملية، ويلتقط أداة مدورة مصنوعة من قرن الوعل يستخدمها كمطرقة، ويشبه عملية تشذيب الحجارة بلعبة الشطرنج؛ إذ إن ترتيب كل حركة له أهمية قصوى. يقول الكاتب إن هذه الملاحظة إما أن لها علاقة بكل ما وصلت إليه اللغة، وإما لا علاقة لها بتطور اللغة على الإطلاق.