جبل الفاية يبوح بأسرار بدايات الجزيرة العربية
المصدر : (الشارقة - “الخليج”

تاريخ النشر: 12/04/2010

كشفت أعمال التنقيب بالقرب من جبل الفاية في المنطقة الوسطى من الشارقة عن معلومات جديدة ومهمة حول البداية المبكرة لتاريخ جنوب شرق الجزيرة العربية وتعود إلى العصر الحجري القديم - حوالي 100 ألف عام .

وينطوي الدليل الجديد على اهتمام عالمي في ما يتعلق بانتشار أوائل الجنس البشري من مراكز تطوره في شرق إفريقيا باتجاه جنوب آسيا وما ورائها، وتؤكد الفرضية القائلة إن المسار الجنوبي إلى خارج إفريقيا كان على امتداد الشواطئ الشرقية لشبه جزيرة العرب، وعبر مضيق هرمز، وبعيداً عن التأكيد العام لهذه الفرضية أضاف الدليل الحديث الكثير من التفاصيل إلى المعلومات المتوفرة حول الفترة الزمنية التي استعمل فيها هذا الطريق من قبل أوائل البشر .

ضم فريق التنقيب د . صاح جاسم من إدارة الآثار في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة رئيساً ود . هانس بيتر إيربمان رئيس البعثة الألمانية، والدكتورة مارجريت إيربمان، من جامعة توبنجن الألمانية عضوين .

وتركز موسم التنقيب الحالي على ثلاثة مواقع بالقرب من مليحة في القاطع الأوسط من الشارقة، اثنان من المواقع أطلق عليهما NE 10-15 يعودان للعصر الحجري الحديث وانتجا دليلاً جديداً حول جوانب الحياة والموت خلال الألفين السادس والخامس ق . م وتبين أن الناس في هذا الزمن كان لديهم حيوانات مدجنة مثل الأغنام والماعز والماشية وعاشوا كرعاة متجولين بين الساحل والرمال والجبال .

وأهم هذه المواقع هو FAYA NE1 الذي كان قيد الاستعمال خلال فترة العصر الحجري الحديث إلا أن فترة استيطانه الرئيسية تمتد عميقاً في القدم إلى فترة الحجري القديم، وأن التاريخ المؤكد الأكثر قدماً الذي تم الحصول عليه حسب الطريقة العلمية المسماة OSL، يعود إلى أكثر من 100 ألف عام وتم قياسه في مختبرات كل من جامعة هالواي الملكية في لندن، وتجدر الإشارة إلى أن هناك طبقات من فترة استيطان العصر الحجري القديم تمتد تحت هذه الطبقة، ويعتقد أن عمر هذه الطبقات يعود إلى حوالي 150 ألف عام وهو تاريخ مقارب إلى الفترة التي نشأ فيها الإنسان الحديث من الناحية التشريعية في شرق افريقيا . ووصل هذا الانسان إلى استراليا قبل حوالي 50 ألف سنة مضت، وبعد ذلك ب 10 آلاف سنة إلى أوروبا وشمال أمريكا .

ويشير ظهور الإنسان الحديث في استراليا إلى أن انتشار هؤلاء الناس كان عبر الطريق من شرق افريقيا إلى جنوب الجزيرة العربية وعلى طول المنطقة الساحلية لبحر العرب باتجاه ما يعرف الآن بعمان والإمارات . ومن هنا ربما تحركوا نحو منطقة الخليج عبر وادي الرافدين باتجاه منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط وأوروبا . وكان عليهم عبور مضيق هرمز إلى جنوب ايران ومن هناك ربما انتشروا على دول سواحل المحيط الهندي إلى جنوب آسيا وعبر ما يسمى الآن اندونيسيا إلى استراليا . وكانت الفروع الأخرى لهذه الحركة وصلت إلى جنوب شرق وشرق آسيا ومن هناك عبروا إلى أمريكا، ويشير الدليل الجديد من جبل الفاية إلى أن التحركات الأولى للأقوام البشرية الحديثة إلى خارج إفريقيا يجب ألا ينظر إليها كتدفق بشري متواصل ولكن على شكل عملية متقطعة بسبب فترات الجفاف الحاصلة في الجزيرة العربية، وكانت تلك الفترات تزامنت مع الفترات الجليدية التي سادت المناطق الشمالية من الكرة الأرضية ما يعد دليلاً على أهمية رئيسية في التاريخ المناخي لجزيرة العرب . وتتميز نهاية فترة العصر الحجري القديم في جبل الفاية بوجود طبقة سميكة من الرمال الصخرية التي تطورت قبل حوالي 35 ألف عام .

وفوق هذه الطبقة الرملية تم العثور على أولى الأدوات الحجرية التي صنعها أقوام العصر الحجري الحديث والذين كانوا انتقلوا إلى هنا من منطقة الهلال الخصيب المحاذية للجزيرة العربية من اطرافها الشمالية الغربية . حدثت هذه الحركة قبل حوالي 10 آلاف سنة مضت وتشير إلى حدوث تغير في المسارات الشرقية عبر شبه الجزيرة العربية .

ومن المتوقع التوصل لنتائج أخرى لعمليات التنقيب المشترك حال ما يتم الانتهاء من التحاليل والفحوص الجارية الآن في مختبرات ألمانيا وبريطانيا، وسوف يتم تحديد العمر الزمني للنماذج التي نقبت هذا العام في مختبرات اكاديمية هايدلبرج للعلوم ومعهد ماكس - بلانك للدراسات التطويرية في لايبزك في ألمانيا ومعهد هاليواي المكيا في لندن .

وفي ما يتعلق بتاريخ التطورات المناخية في جنوب شرق الجزيرة العربية فقد قامت البعثة المشتركة بالتعاون مع فريق جامعة اكسفورد بروك في انجلترا برئاسة أدريان باركر بتحديد موقع بحيرة قديمة بالقرب من مليحة، كانت تمتلئ بالمياه خلال أجزاء من فترة العصر الحجري الحديث وربما كان لها أيضاً تأثير في البيئة المحلية خلال الفترات التاريخية المبكرة عندما كانت مليحة مستوطنة مهمة في فترة ما قبل الإسلام حيث تقوم البعثة الأثرية المحلية في الوقت الحاضر بتنفيذ مشروع واسع للتنقيب الأثري في أجزاء متفرقة منها أسفر حتى الآن عن نتائج في غاية الأهمية .