علم المناخ: مستويـات سطـح البحـر من أصـداف بحـرية قديمـة

أنباء وآراء

علم المناخ: مستويـات سطـح البحـر من أصـداف بحـرية قديمـة
تركيب نظائر الأكسجين في مياه البحر يرتبط بتغيُّرات المتوسط العالمي لمستوى سطح البحر. ولطالما استُخدِمَت الحفريات الدقيقة الحاملة لإشارات نظائر الأكسجين؛ لتمديد سجلات مستوى سطح البحر لـ5 ملايين سنة مضت.

رالف شنايدر
Nature (2014)
doi:10.1038/nature13328
English article

في عدد الرابع والعشرين من شهر إبريل الماضي من دوريّة Nature، قدَّم رولنج وزملاؤه1 طريقة مُقْنِعة لحساب تقلبات مستوى سطح البحر على مدى الخمسة ملايين سنة الماضية. تعتمد طريقتهم على الاختلافات في تركيب نظير الأكسجين لأصدافٍ كوّنتها كائنات حية وحيدة الخلية تُدعَى المنخربات الهائمة Planktonic Foraminifera (شكل 1). بهذه الطريقة، وفَّر الباحثون معلومات ضرورية، من شأنها أن تساعد على التنبؤ بمعدلات ارتفاع مستوى سطح البحر في المستقبل حال ذوبان القلنسوات الجليدية على جرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، كليًّا أو جزئيًّا، استجابةً لظاهرة الاحتباس الحراري.

الحالات الأكثر حداثة من نمو الأغطية الجليدية وذوبانها، التي ولَّدت تباينًا في مستوى سطح البحر يبلغ عدة أمتار، استغرقت وقتًا أطول من مئات السنين، مما يجعل تحديد آثارها مباشرة من السجلات التاريخية مستحيلًا. ولاستنتاج كيفية تأثير نمو الأغطية الجليدية القارية وذوبانها على مستوى سطح البحر، يجب - على الأقل - النظر إلى الخمسة ملايين سنة الماضية. خلال هذا الوقت، كانت هناك خمس فترات، ارتفع خلالها منسوب سطح البحر حتى وصل إلى 100 متر أو أكثر، تبعًا لنهايات الفترات الجليدية الأخيرة (فترات زمنية في العصر الجليدي الجاري، تتوافق، عامةً، مع درجات حرارة أبرد، ومع تقدم الأنهار الجليدية).

ومع ذلك.. يمكننا أن نجادل بأن هذه النهايات لا تصف بدقة ما يمكن أن يحدث خلال ذوبان تام للقلنسوة الجليدية في جرينلاند وأجزاء من الغطاء الجليدي غرب القارة القطبية الجنوبية. لذا.. الأكثر ملاءمة هو النظر في أزمنة مضت، كان فيها تجلد نصف الكرة الشمالي لا يزال يافعًا – أي عندما هيمنت القلنسوات الجليدية القارِّيّة الصغيرة اليافعة على تقلبات منسوب سطح البحر لأزمنة تراوحت من عشرات إلى مئات الآلاف من السنين (تلك المرتبطة بالتباين في مدار الأرض، الذي يهيمن على توقيت الدورات الجليدية وبين الجليدية، وعلى التغيرات في مستوى سطح البحر). إذن، كيف يمكن تحقيق ذلك؟ أصداف المنخربات تقدِّم حلًّا مُحتملًا، باعتبارها مكوّنة من كربونات الكالسيوم، فهي تحمل سجل تركيب نظائر لأكسجين مياه البحر المحيطة بها أثناء عُمرها.

ومنذ العمل الرائد2 للجيولوجي تشيزاري إميلياني في خمسينات القرن الماضي، صار مقبولًا عامّةً أن الاختلافات الدورية في نسب أكسجين18- إلى أكسجين16- (18O/16O) في المنخربات المحفوظة برواسب أعماق البحار تتبع نسقًا عالميًّا مميزًا لتغير مناخي مدفوع مداريًّا في آخر حقبة البليستوسين (نحو 700000 إلى 11700 سنة مضت). وكلٌّ من درجات الحرارة الباردة وأحجام الجليد الكبيرة نتج عنهما نسب 18O/16O عالية، في حين كان لارتفاع درجات الحرارة وانخفاض أحجام الجليد تأثير معاكس. إذن، إذا أمكن فصل تأثير درجة الحرارة عن سجل النظائر هذا، فإن الإشارة المتبقية تمثل التغيرات النسبية في حجم الجليد القارِّي. وإذا أمكن بعد ذلك تكبير هذه الإشارة إلى رحابة ارتفاع مستوى سطح البحر بين الفترات الجليدية وبين الجليدية (كما جرى لحقبة ما بعد العصر الجليدي الأخير عن طريق ربط ارتفاعات مستوى سطح البحر بتركيب نظير الأكسجين في عينات جوفية مأخوذة من مصاطب مرجانية3)، فإنه يمكن حساب التقلبات في المستوى العالمي لسطح البحر مع مرور الوقت، طالما وفّرت رواسب المحيطات سجلات 18O/16O متصلة وغير مضطربة.

وبالعودة إلى الماضي الأبعد من ذلك، نجد أن سجلًّا4 عمره خمسة ملايين سنة مُركبًا من نسب 18O/16O في المنخربات التي عاشت في رواسب أعماق البحار، كان يُعَدّ - حتى الآن - أفضل تأريخ لحجم الغطاء الجليدي عندما تحولت الأرض من مناخ دافئ ساخن (منذ نحو 55 مليون سنة) إلى ظروف ثلجية أبرد (منذ نحو 2.6 مليون سنة). ومع ذلك.. ثمة مشكلتان بهذا السجل. الأولى: أن نسب درجات الحرارة وآثار حجم الجليد فيه غير واضحة، لأن درجات حرارة أعماق المحيطات ربما تكون قد تغيرت بشكل كبير خلال هذه الفترة الطويلة من التحول المناخي. الثانية: أنه من الصعب تكبير تباين نظائر الأكسجين بأعماق البحار عند المقاييس الزمنية المدارية، إلى تقديرات قوية (بما في ذلك هوامش الخطأ) لرحابة ارتفاع مستوى سطح البحر وانخفاضه على مدار الخمسة ملايين سنة الماضية.

تغلَّب رولنج وزملاؤه على هذه المشكلات عن طريق تحويل نسب 18O/16O في المنخربات الهائمة المتحجرة، التي انتشرت في المياه السطحية بشرق البحر المتوسط، مباشرة إلى اختلافات في مستوى سطح البحر، وهو نهج سبق أن طوّرته دراسة5 عن البحر الأحمر، لا تتطلب فصل آثار درجة الحرارة وحجم الجليد ابتداءً. تعتمد تلك الطريقة على نموذج هيدروليكي لتبادل المياه عبر مضيق جبل طارق، الذي يربط شمال المحيط الأطلسي بالمتوسط. وآلِيّة التبادل هذه لا تهيمن فقط على توازن التبخُّر وتجديد المياه في المتوسط، بل تؤثر أيضًا بقوة على نسب نظائر الأكسجين بمياه البحر المسجَلة في المنخربات الهائمة.

وعلى افتراض أنه لم تكن هناك حركات تكتونية كبرى في مضيق جبل طارق خلال الخمسة ملايين سنة الماضية لتؤثر على عمقه وعرضه، فإن إشارة نظائر الأكسجين من هذه المنخربات تمثل ـ ببساطة ـ دالة في الاختلافات العالمية لمستوى سطح البحر نسبة إلى الحالة الهيدروليكية المعاصرة الخاصة بالبحر المتوسط. وجد الباحثون أن تقديرات مستويات البحر القديمة، نسبة إلى مستوياتها الحديثة المحسوبة باستخدام طريقتهم، تشبه كميًّا تلك التي تم الحصول عليها باستخدام أساليب أخرى، إلا أن لديها إحصاءات محددة الخطأ على نحو أفضل بكثير. وتباعًا، فإنهم يؤكدون أن مستوى سطح البحر كان أعلى بقرابة 10 – 30 مترًا في الفترة الدافئة التي سبقت العصر الجليدي الحالي، مما كان عليه عندما توسعت الأغطية الجليدية في وقتٍ لاحق.

يُقِرّ رولنج وزملاؤه بأن طريقتهم يشوبها عديد من أوجه القصور، مما يتطلب مزيدًا من الدراسة والتجويد. فثمة عدم توافق واضح موجود بين نتائجهم ونتائج النماذج الهيدروليكية التي تم تطبيقها على البحر الأحمر5، وخاصة لفترات مقابلة لأقصى حجم من الجليد إبان نهاية ثلاث من الفترات الجليدية الأربع الأخيرة. قد يكون هذا بسبب أن نموذج الباحثين لتحويل بيانات نظائر أكسجين الهوائم لمستويات سطح البحر ربما لم يشتمل بشكل كامل على مدخلات المياه العذبة من الأنهار، أو التشويشات في إشارة نظائر الأكسجين لهطْل الأمطار والأنهار على مر الزمن. ومع ذلك.. فإن التشابه الكبير بين نتائج رولنج وزملائه مع دراستين مستقلتين استخدمتا بيانات من البحر الأحمر5 وجنوب غرب المحيط الهادئ6 للتنبؤ بمستويات سطح البحر خلال نصف مليون إلى مليون ونصف سنة مضت - على التوالي - تشير بقوة إلى أن استنتاجاتهم لفترات قديمة صحيحة.

وكما هو متوقَّع لأي نهج جديد، تركت النتائج عديدًا من الأسئلة المفتوحة. فاستنتاج أن أول انخفاض كبير في مستوى سطح البحر قد وقع بعد أكثر من نصف مليون سنة على بداية برودة عالمية كبيرة منذ 2.75 مليون سنة، يتحدى الفرضيات الشائعة (ومن بينها فرضيّتا7) المستدَلّ عليها من السجل4 المركب لنسب 18O/16O بالمنخربّات التي عاشت في رواسب أعماق البحار. غير أنه لقي الكثير من الدعم من دراسات أخرى عن الاتجاهات المناخية الإقليمية القديمة للفترة المقتربة من العصر الجليدي في حقبة البليستوسين (نحو 2.6 مليون سنة إلى 11700 سنة مضت؛ انظر جدول البيانات رقم 2 المطول بالبحث1).

استنتج رولنج وزملاؤه أيضًا أن حجم الجليد خلال الحد الجليدي الأقصى الأخير ـ ذروة العصر الجليدي الأخير ـ كان أكبر مما كان خلال فترات جليدية سابقة. وهذا يتناقض مع الدليل القاري لتمدد الأغطية الجليدية في أمريكا الشمالية وأوراسيا8، ولكن إذا كان هذا صحيحًا، فسيكون بمنزلة مؤشر بالغ الأهمية لتحسين نمذجة أحجام الأغطية الجليدية وارتفاعاتها. وأخيرًا، يجب أن تؤدي نتائج الباحثين كذلك إلى تحسين التنبؤات بمصير القلنسوات الجليدية الموجودة في ظل الاحتباس الحراري.

Affiliations
Institute of Geosciences, University of Kiel, Kiel 24118, Germany
رالف شنايدر