الخطبة الاولى:

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الحمدلله مالك الملك، مجري الفلك مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها. اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انصار الله، ...

المقتل ( وأقبلوا يجولون حول البيوت فيرون النّار تضطرم في الخندق ، فنادى شمر بأعلى صوته : يا حسين ، تعجّلت بالنّار قبل يوم القيامة ؟ فقال الحسين (ع) ( مَن هذا ؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن )) ، قيل نعم فقال (عليه السّلام) : (( يابن راعية المعزى ، أنت أولى بها منّي صِليّا )) . ورام مسلم بن عوسجة أنْ يرميه بسهم ، فمنعه الحسين و قال : (( أكره أنْ أبدأهم بقتال ))(3) . )

المقتل ( الحملة الاُولى وتقدّم عمر بن سعد نحو عسكر الحسين ورمى بسهم وقال : اشهدوا لي عند الأمير إنّي أول من رمى . ثمّ رمى النّاس(2) ، فلَم يبقَ من أصحاب الحسين أحد إلاّ أصابه من سهامهم(3) ، فقال (عليه السّلام) لأصحابه : (( قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه ، فإنَّ هذه السّهام رسل القوم إليكم )). فحمل أصحابه حملةً واحدةً(4) واقتتلوا ساعة ، فما انجلت الغبرة إلاّ عن خمسين صريعاً(5) . )

[ .... والمعركة هي معركة هداية بالنسبة للمهدي (ع)، وليست معركة قتل وسفك دماء، فإبليس (لعنه الله) يريد أن يأخذ أكبر عدد ممكن معه ليدخلهم إلى جهنم، ويحقق وعده بغوايتهم، أمّا المهدي (ع) فيريد أن يأخذ أكبر عدد ممكن معه إلى الجنة بهدايتهم إلى الحق والتوحيد الخالص له سبحانه وتعالى.
ولذا، فالمعركة ابتداءً هي معركة عقائدية كلامية، فالمهـدي (ع) هو علي (ع) وهو الحسين (ع)، وعلي (ع) لم يبدأ ملحمة قيامه العسكري المقدّس التي انطلقت من معركة الجمل حتى أرسل شاباً يحمل القرآن للقوم الذين جيّشوا الجيوش عليه لقتله، فكان ردّ جند الشيطان هو قتل الشاب وتمزيق القرآن، وكذا الحسين (ع) لم يبدأ ملحمة قيامه العسكري المقدّس حتى كلّم القوم هو وأصحابه ونصحهم، ولكنّهم ردّوا عليه وعلى أصحابه بالنبال. فقال لأصحابه: " قوموا رحمكم الله، فهذه رُسل القوم إليكم " ([116])، فعلي والحسين (ع) يبدأون بالكلام وإلقاء الحجّة لهداية الناس، ولكن جند الشيطان - ولعجزهم - لا يجدون إلاّ الحراب يردّون بها على حكمة علي (ع) والحسين (ع).
وكذا المهدي (ع) ابن علي (ع) وابن الحسين (ع) يبدأ بالكلام والمناظرة العقائدية ليهدي القوم، ولكنّهم لا يجدون لعجزهم عن الرد على الكلمة الحكيمة والحجة البالغة إلاّ الحراب يردّون بها، عندها لا يجد المهدي (ع) إلاّ قول علي (ع): ( نقاتلهم على هذا الدم الذي سفكوه)، ولا يجد إلاّ قول الحسين (ع): (قوموا يرحمكم الله فهذه رُسل القوم إليكم). أحمد الحسن ذو الحجة : 1427هـ.ق والحمد لله رب العالمين ] النبوة الخاتمة

[ ملحمة جلجامش مليئة بالرموز، فيها رؤى مرمزة مع بيان معنى بعض رموزها، فيها كلام واحداث مرمزة فمثلا في خضم معركة دائرة بين جلجامش وانكيدو نجد كل شيء يهدأ ومباشرة يقف انكيدو قائلا لجلجامش بكل احترام:
((انك الرجل الاوحد ،
انت الذي حملتك امك ،
ولدتك امك ننسون .....
ورفع أنليل رأسك عاليا على الناس ،
وقدر اليك الملوكية على البشر)) طه باقر ـ ملحمة جلجامش
والسؤال هنا اذا كان انكيدو يعرف هذا منذ البداية فلماذا قاتله؟!!!.
اذن فمن غير المعقول ان يكون المقصود بتلك المعركة هو صراع بدني بين جلجامش وانكيدو نعم يمكن ان نقول انه صراع عقائدي ادى بأنكيدو ان يعترف في النهاية بأن جلجامش هو ابن ننسون وابن أنليل الذي أوصى أن يكون جلجامش ملكا، ونطق انكيدوا - بعد الصراع - بهذه الكلمات يبين بوضوح ان انكيدوا يقدس ننسون وأنليل ولكنه لم يكن يقر أن جلجامش من سلالتهم والان هو يقر ((انك الرجل الاوحد ، انت الذي حملتك امك، ولدتك امك ننسون ..... ورفع أنليل رأسك عاليا على الناس وقدر اليك الملوكية على البشر)) ... ]. - مراسي مختارة في موانئ سومر وأكاد ص(44 - 45) –

نتوقف عند هذا القدر، ونكمل في الخطبة الثانية ان شاء الله...

هذا والحمدلله رب العالمين
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [سورة الناس]





***





الخطبة الثانية:

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (( نَشْهَدُ اَنْ لا اِلهَ اِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ اَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَنَبِيُّهُ، وَرَسُولُهُ اِلى‏ خَلْقِهِ، وَاَمينُهُ عَلى‏ وَحْيِهِ، قَدْ بَلَّغَ رِسالاتِ رَبِّهِ، وَجاهَدَ في اللَّهِ، الْمُوَلِّينَ عَنْهُ الْعادِلينَ بِهِ، وَعَبَدَ اللَّهَ حَتّى‏ اَتاهُ الْيَقينُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَالِهِ وَسَلَّمَ. ونشهدُ أنَّ خليفتَه علياً والأئمةَ من ولدِه حججُ الله، أئمةُ هُدىً، وسادةُ تُقىً، ونورٌ يُسلك به إلى الرضوان، ويُنال به جنانُ الرحمن. ونشهدُ أنّ المهديَّ والمهديينَ من ولدِه حججُ الله، أئمةٌ أبرارٌ أخيار، وقوّامٌ أطهار، ورعاةٌ صالحون، وقادةٌ منصَّبون، وسادةٌ يُقتدى بهم، ويُستضاءُ بنورِ علمهِم وسمتِهم وهداهُم، صلى الله عليهم ما بقي الليلُ والنهارُ، وما طلعت شمسٌ أو غربت إلى أبد الآبدين. )) خطبة عيد الفطر الموحدة من مكتب السيد أحمد الحسن ع في النجف الأشرف لعام 1439 بتاريخ 15 6 2018

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنصار الله، ... (نكمل الموضوع الذي ابتدأناه في الخطبة الأولى)

المقتل ( ولمّا نظر الحسين (ع) إلى جمعهم كأنّه السيل ، رفع يدَيه بالدعاء وقال : (( اللهمّ ، أنت ثقتي في كلّ كرب ، ورجائي في كلّ شدّة ، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة ، كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ ، أنزلته بك وشكوته إليك ، رغبةً منّي إليك عمَّن سواك فكشفته وفرّجته ، فأنت ولي كلّ نعمة ومنتهى كلّ رغبة ))(4) . )

[ سؤال/ 122: ما معنى كلام الحسين (ع) : (كم من كرب يضعف فيه الفؤاد) ([29]) ؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين
الحسين (ع) في هذا الكلام الذي يناجي به الله سبحانه وتعالى، ويشكو إليه حزنه العميق -فالكرب هو: هم النفس وحزنها - يبيّن عظيم مصابه، بأن يرى بعينيه الباطل يقتل الحق، ويظهر عليه في تلك اللحظات، وتلك المصيبة التي لا يقوى فؤاد إنسان على الاستقلال بها والقيام بها، وهو يمتلئ بذلك الحزن العميق، إلا أن يسدده الله سبحانه ويقويه بحوله وقوته.
فالحسين (ع) كأنه يقول لله سبحانه وتعالى: إلهي لا طاقة لي على حمل هذا الكرب العظيم إلا بحولك وقوتك، فكأنّ الحسين (ع) يقول: (لا قوة إلا بالله). ] المتشابهات ج4 لللإمام أحمد الحسن ع

نختم بهذا الدعاء ان شاء الله...

المقتل ( ولمّا اشتدّ به الحال رفع طرفه إلى السّماء وقال : (( اللهمّ متعال المكان عظيم الجبروت ، شديد المحال غني عن الخلائق ، عريض الكبرياء قادر على ما تشاء ، قريب الرحمة صادق الوعد سابغ النعمة ، حسن البلاء قريب إذا دُعيت محيط بما خَلقت ، قابل التوبة لمَن تاب إليك ، قادر على ما أردت تدرك ما طلبت ، شكور إذا شُكرت ذكور إذا ذُكرت ، أدعوك محتاجاً وأرغب إليك فقيراً ، وأفزع إليك خائفاً وأبكي مكروباً ، واستعين بك ضعيفاً وأتوكّل عليك كافياً ، اللهمّ احكم بيننا وبين قومنا فإنّهم غرّونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا ، ونحن عترة نبيّك وولد حبيبك محمّد (ص) الذي اصطفيته بالرسالة وائتمنته على الوحي ، فاجعل لنا من أمرنا فرَجاً ومخرجاً ، يا أرحم الراحمين ))(3) . )
(3) مصباح المتهجد والاقبال وعنهما في مزار البحار / 107 ، باب زيارته يوم ولادته .

هذا والحمدلله رب العالمين، وأستغفر الله لي ولكم
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر]