الكاتب:ا.د. زهير صاحب

24/6/2011 4:36 صباحا

المعتقدات الدينية وأثرها في الفنون السومرية

الواح بابلية: حين ننحت (مفهوماً) عن بنية الفكر الديني لدى السومريين، علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار، إن فكرة (تطور) المفاهيم والمعتقدات والطقوس ذات الصفة الدينية. لم تحدث بشكل(هزات) متتالية وعميقة في الفكر الإنساني . وإنما كانت بمثابة تطور بطيء المسار وتدريجي في وعي الإنسان لوجوده الأول . فَعلّت وجوده، أجيال الأدوار الحضارية، من عصر قبل الكتابة في العراق، وأنضجه السومريون بأن اكسبوه خصائص النظام، ونتيجة ديمومة الممارسة، اكتسب صفة الرسوخ، وبدأ يعمل فعله في الحياة الإجتماعية . مما اكسبه مدلولات روحية هامة جداً في بنية الفكر السومري .



وإذا شئنا دراسة علاقات الحياة الجمالية بالحياة الدينية، أمكننا استخدام الطريقتين الشائعتين في دراسة الفن وفي دراسة الدين على السواء . واولهما الطريقة الاعتقادية، وهي طريقة استنتاجية وشخصية تماماً، تعتبر الفن والدين بمثابة معطيات ثابتة بذاتها، وإن تنوعهما ليس إلا تفاصيل دقيقة عابرة، يستطيع كل إنسان أن يلاحظها بذاتها، كونها ماثلة في كل ضمير فردي. أما الطريقة الأخرى فهي آلية تاريخية تجريبية موضوعية، تنظر إلى هاتين الظاهرتين في تطورهما ضمن الأوساط الاجتماعية التي أنجبتهما. وإنهما وجهتا نظر لا يمكن فصل أحداهما عن الأخرى، فنحن نعتقد إنه إذا لم توجد تجربة دينية وفنية من (طبيعة) تغاير خصوصية سائر التجارب، تجربة هي في آن واحد خارجية وباطنية، ففي الأقل يوجد (وجدان) جمالي ووجدان ديني، يتصف كل منهما بصفة الاستقلال الذاتي، لكنهما يتبادلان التأثر والتأثير، فإذا كنا نبغي الوصول إلى فهم عميق للعقائد والطقوس الدينية السومرية، فعلينا الاهتمام بدراسة المكونات الاجتماعية في بنية هذه العقائد والطقوس . ذلك إن الشعائر الدينية في المجتمع السومري، هي حصيلة الحياة الاجتماعية، والتي حولتها إلى تقاليد روحية قدسية خالدة في بنية حياة الجماعة . فالمعتقد الديني هنا، كان أمراً جمعياً، ولم يشغل حيزاً شخصياً، في أنظمة الشعائر والطقوس .

ويعرف (دوركهايم) الدين: "بأنه منظومة متماسكة من العقائد والطقوس المتصلة بالأشياء المقدسة، أي المتفوقة والمحظورة، عقائد وطقوس تؤلف بين جميع المؤمنين بها، في نطاق طائفة أخلاقية تسمى (معبد) ومن هذه الصفات المختلفة، تنشأ فرص جمة تتحالف فيها الفنون والأديان، بل وتختلط، على الأقل في أدنى أشكالها تطوراً" (لالو، ص282).

ويعتبر (المعتقد) هو الحجر الأساس الذي يقوم عليه الدين الجمعي، ومع المعتقد المترسخ، يظهر (الطقس) المنظم، وهو أقوى أشكال التعبير عن الخبرة الدينية، فمن خلال القربان، والرقص، والحركات الإيمائية . تعمل الجماعة على صهر الأستجابات الانفعالية، في بنية سايكلوجية وسلوكية، ذات طابع مؤسس عام . ومع المعتقد في نفس الآن، تولد (الأسطورة) التي تعمل على إيضاح الاعتقاد وتجذيره باعتباره فكرة نظرية في الأدب الديني، وهي بحاجة الى التجسد والتجسيد . فأذا كان (المعتقد) حالة ذهنية، فأن (الطقس) حالة فعل من شأنها أحداث رابطة . وإذا كان المعتقد منظومة فكرية ترتبط بعالم المقدسات، فأن الطقس منظومة من الأفعال المتعلقة بآليات الأقتراب من ذلك التعالي .أنه أقتحام على المقدس ومواجهته وجهاً لوجه، ولكن على مسافة، وهي سِر القلق الميتافيزيقي الذي عاشه السومريون .

وحين تحول نظام القرية البدائي، الى نظام المدينة عند السومريين . تحول كذلك (مزار) القرية الصغير، إلى أعداد كبيرة من المعابد الضخمة ومن هنا نشأ ما يعرف (بالمؤسسة المعبدية. فقد أصبح (مسكن) الإله الآن، كياناً معقداً، تتوفر فيه عدة مداخل، لتنظيم دخول المتعبدين وخروجهم .الأمر الذي يؤكد ضخامة الطقوس الدينية الجمعية، التي كانت قائمة باستمرار . ومرد هذه الفكرة، هو أن (الإله) يمثل شيئاً خطيراً في الفكر السومري، كالسماء مثلاً، وهذا الإله من حيث وظيفتهِ شديد الأتساع وغير محسوس . فيخصص له مكان في عالمنا يجد فيه الراحة، وفي هذا المعبد قد يتجلى (الإله) بهيئة صورة أو تمثال . ليس (التمثال) بالإله، وإنما هو وسيلة من الحجر أو الخشب أو المعدن، تتيح له المثول للعيان . والتمثال مع تخفيه في (قدس الأقداس) بعيداً عن تطاول أعين الناظرين، هو قشرة جوفاء لوجود (الأله)، ما لم يحل به الأله حلولاً، أي يتجلى فيه تجلياً، ولعله يتجلى ذهنياً، حين يدعوه فعل العبادة .

إن (الكوني) في فكر الإنسان السومري ينتمي إلى الوقع وإلى ما فوق الواقع. وإلى عام (ظاهري) محسوس، وعالم أرواح وقوى وهمية غير منظورة . وقد دخل الآن عالم الوهم، محيطاً معرفياً في وعي الإنسان، بانتصاره في تحويل المدركات إلى رموز، كان قد منحها (طاقة) روحية عظمى وهائلة الحيوية في شعائره الدينية وإبداعاته الفنية . فقد كان الفن السومري في جوهره وماهيته، وسيلة من أهم الوسائل الفكرية، لإحالة فوضى الوهم، إلى صور محسوسة . "فأقام مقترباً بين تلكما الحقيقتين، الحقيقة المادية التي يستشعرها جسمه، والحقيقة الأخرى حيث تأمل الروح" (هويغ،ص104) وفي حالة من صيرورة (النفس) الباحثة عن كل ما هو (مطمئّن) في عالم تسوده فوضى مدمرة لحياته وثرواته المادية.

ولقد أسس (جاكوبسن) فكرة أصيلة وضح بها عِلّية نشوء الفكر الديني عند السومريين . فقد أوضح : "إن الدنيا لاتبدو للإنسان السومري جماداً او فراغاً، بل عامرة بالحياة، وان السومري قد يجابه أي ظاهرة من ظواهر الطبيعة في أية لحظة، (لا كهو بل كأنت) والأنت في هذه المجابهة تكشف عن الفردية والخواص والإرادة" (جاكوبسن، ص 151) . وقد ينجم بفعل (التجريب) المتكرر نوع من العلاقة بين الأنا (الفرد) والأنت (المُغيب) تسودها نظرة شخصانية لا تناقض فيها. فتشخص الأشياء والظواهر المحيطة بالإنسان على درجات متفاوتة. فهي حية بشكل ما، ولها إرادة خاصة، وكل منها شخصية محددة .

ومبدأ (حيوية الطبيعة) الذي تحدث عنه (جاكوبسن) يتجسد في ترتيله جميلة لأحد السومريين حين وقع ضحية السحر، موجهة لمادة جماد، هي مادة أو معدن (الملح) وملخصها:

أيها الملح، يا من خلقت في مكان نظيف، طعاماً للألهة جعلك (أنليل) بدونك لا يُنَشق البخور إله أو ملك أو سيد أو أمير . أيها (الملح) حلَّ عني العقدة، أرفع السحر عني، وكخالقي أرفع المجد والتسبيح لك .

إننا لا نفهم صلات الفن بالدين فهماً جيداً، إلا بدراسة تطور الفن من جهة، وتطور الفكر الديني من جهة أخرى . ذلك إن قانون هذه الصلات، هو بالدرجة الأولى قانون متمايز متزايد وتقييم عمل مستمر . إن الفن كالأخلاق والعلم، يتخذ لدى السومريين فاعلية مختلفة معقدة، نستطيع أن نسميها بفاعلية دينية، ولكنها تضم في الواقع سلفاً، بذرة مبادئ سائر الفعاليات العليا معاً .

فالملح هنا (فتش)، إنه كيان متميز، يتكون من جسم مادي (جزء خاص) ومن مغزى دلالي يختفي وراءه، ومتضمن فيه، وهو المضمون الروحي الاجتماعي . فهو ليس مادة جامدة بحد ذاته، بل فعل سحري، إنه يعيش بفعل عملية تقديسه والخضوع له. ذلك إنه يخفي بين جانبيه تناسباً محدداً، بين الطبيعي ـ الحسي، والاجتماعي ـ الروحي . فقد أعتاد السومريون، على أن ينتقوا، مواد جاهزة من الطبيعة (جمادات) حيث تلقى تقديسها بفعل (مضمون) كلي يعطى لها من خارجها، أي من الوعي الاجتماعي، فتصبح أشكالاً طقوسيه ذات قدرة عليا، حين تحرر، من كينونتها المادية . بأعتبارها (رموزاً) قد توحدت مع القوى العليا، لذلك تعامل على انها تعاويذ، تسكنها الأرواح أو تتجلى فيها .

فكان على الإنسان في (سومر)، إذا أراد فهم الطبيعة، أي فهم الظواهر العديدة المتباينة حوله . أن يفهم الشخصيات الكامنة في هذه الظواهر، وأن يعرف طبائعها واتجاه إراداتها ومدى قواها، وذلك أشبه بفهم الناس الآخرين ومعرفة مدى قوتهم ونفوذهم . فقد راح السومريون مدفوعين بحدوسهم، يطبقون قوانين الطبيعة على تجربتهم في المجتمع الإنساني، مؤولين إياها بشكل مجتمعي . لقد عملوا على (تنظيم) القوى الماورائيه إلى منظومات مجتمعية، ونظموها ونمذجوها، نمذجة لم يعرف لها العالم القديم مثالاً، حتى غدت مؤسسات واضحة المعالم .

ومن هنا يمكن إن نقدم تأويلاً، لرمز الألهة السومرية (أنانا)، بشكل حزمة القصب المعقوفة . وتمظهر أشكال الآلهة بما يعرف (بالتاج المقرن) . أنها عبارة عن أشكال رمزية (لطواطم) أو اختزالاً شكلياً للقوة الجوهرية في كينونة الطوطم. ذلك إن القصبة والثور في الفكر السومري، كانت كيانات قدسية، أي أنها قدرات تسكنها الأرواح وليست جمادات، فهي فاعلة بفعل القوة المتخفية فيها . فصورها أو رموزها، أكثر قدسية من الكائن ألطوطمي ذاته . وهي ذات نجوع سحري ـ ديني، أعظم من الطوطم ذاته في الاحتفالات الطقوسية السومرية . والتي كانت تقام باستمرار .

وكان السومريون، لا يعبدون إلا القوى التي تثير فيهم الرهبة والمهابة، لانها قوى فاعلة في الدولة الكونية . وقد دعوهم (بالآلهة)، ولهم وحدهم الحقوق والقدرة على النفوذ السياسي، ولذا كان المجلس العام في الدولة الكونية مجمعاً للآلهة، فكان مولد فكرة الأيمان بالقوى ذات القدرة المتفوقة على الطبيعة، ذلك إنها فوق متناول ألإدراك الحسي للإنسان، ومع ذلك فهي تتنافس مع القوى (الطبيعة) في ذات الفلك الخاص بالحقيقة . فهي في مظاهرها الحسية المشخصة غير مرئية، ومع ذلك فأنها قوى فعالة مكتنفة بالأسرار، ولعل سرَّ فعاليتها في إنفصالها التام عن عوالم الإنسان. وأن هذا الانفصال هو أساس الطقوس الدينية المقدمة أليها.

وكان (آنو)، أسمى ألآلهة، إله السماء، وكان أسمه الكلمة الشائعة للسماء. ولعله بمعنى المكان والفضاء (في تركيب الكون المرئي)، والمحل العالي الذي تحتله بكونها فوق كل شيء، فقد جعل السومريون (آنو) أهم قوة في الكون. وقد أحسن السومريون التعبير عن ذلك بقولهم :

أنه مهيب كالسماوات النائية، واليَم العريض . ولئن يكن هذا شعوراً بالبعد إلا أنه ليس شعوراً بالانفصال المطلق، ففيه عنصر قوي من التعاطف والقبول التام .

وتجربة الجلال هي تجربة القوة والهول، ولكنها القوة وهي مستقرة هادئة، غير فارضة أرادتها عن وعي وقصد . فالقوة خلف الجلال، هي من الشدة بحيث لا تحتاج إلى فرض نفسها . فهي تحوز على ولاء الإنسان بمجرد وجودها، دونما جهد . ويطيعها الفرد تلقائياً عن طريق الأمر القاطع الصاعد من أعماق الروح . (فآنو) هو شخصية السماء الطاغية، الـ (أنتَ) الحال فيها والمحسوس عن طريقها. أما إذا ذكرت السماء دون (آنو) فهي حينئذ مجرد (شيء) إنها مسكن الأله .

وكان (آنو) مصدر كل سلطة ومبدئها الفعال، والشارات القدسية التي ترمز إلى جوهر الملك، كالصولجان والتاج ورباط الرأس وعصا الراعي هي شاراته ولا تستمد إلا منه . وقد وجدت قبل أن يعين أي ملك بين البشر، ومن هناك هبطت على الأرض مع تشخيص أول ملك . فقد كان (آنو) بفعل جلاله، الطاقة التي تنقذ المجتمع السومري من الفوضى، وتجعل منه كلاً منظم التركيب، وهو(الطاقة) التي تضمن طاعة الناس التلقائية للأوامر والقوانين، وطاعتهم السنن الطبيعية في العالم المادي . فكلمة آنو هي أساس السماء والأرض .

565c-zuherوكان (إنليل) الثاني بين الآلهة، إله العواصف، ومعنى أسمه (السيد العاصفة)، ويمثل جوهر العاصفة . وكل من أختبر (زوبعة) في بطاح العراق الفسيحة، يدرك رهبة هذه القوة الكونية . فالعاصفة سيدة كل ما تحت السماء من فضاء، ولا بد أن تعد العنصر الثاني من عناصر الكون . وأنليل في (العاصفة) يكشف عن نفسه، وما فيها من بطش وفتك مما يحدسه الإنسان هو الإله (أنليل) . فهو قدرة وقوة ألا إنها من نوع آخر، إنها قوة القسر، وكل أرادة تعارضها تسحق وتكره على الخضوع . فأرادته في الواقع، هي الدستور غير المدون للدولة الكونية السومرية .

وحين يدخل البطش على المشهد، إذ تفرض الدولة الكونية أرادتها .يصبح (أنليل) في المركز من المسرح، إنه ينفذ الأحكام، ويقود الآلهة إلى الحروب، وبسبب عظمته يخاطبة الإنسان على النحو الآتي :

يا من تحيط بالسماء والأرض، أيها الإله السريع، يا معلماً حكيماً للشعب، يا من ترى أقاليم الدنيا كلها من عليائك، أيها الأمير الناصح، مسموعةٌ كلماتك، وكل ما تقول به تعجز الآلهة عن تبديله، وألفاظ شفتيك لا إله يزدري بها، يا حاكم الآلهة في السماء، وناصح الآلهة في الأرض، أيها الأمير العادل .

ورغم هذا، فما دام (أنليل) هو البطش . فإن في أعماق نفسه الخفية، عنفاً وتنكيلاً أهوج . فأنليل (السَويّ) يسند الكون، ويحل النظام بدل الفوضى غير إن عنفه الأهوج الدفين قد يندلع فجأة منه دونما توقع . وهذا الجانب منه هو الجانب الشاذ المريع، جانب تبديد الحياة وضرب معانيها شتاتاً، فليس بالوسع الاطمئنان اليه كل الاطمئنان، إنه الخوف الكامن في القدرة الكلية، التي تجمع في صيرورتها النظام والفوضى .

والأرض هي القوة العظيمة الثالثة، وقد عرف السومريون فاعليتها، بتجربتهم المباشرة لها كإرادة داخلية واتجاه باطني . ذلك إنها المصدر الغامض العظيم، الذي لا ينضب، للحياة الجديدة والخصب في كل أنواعه . إن الأرض القاحلة لتخضوضر بين عشية وضحاها، فيخرج الرعاة بأغنامهم إلى المراعي، وتلد النعاج والماعز، الحملان والجديان . كل شيء في ازدهار وتكاثر، وفي حقول (سومر) الطيبة، ترفع الحبوب، تلك الغادة الخضراء، رأسها في الخط الحريث، وسرعان ما تفيض البيادر بغلال الحقول. وإذا ما شبع الناس خبزاً وحليباً، أحسوا بفورة الحياة في أجسادهم. إنه الإحساس العميق بالرخاء وحسن الحال .

والماء هو عنصر الخلق في الفكر السومري (أنكي)، سواءً أكان مصدر الفعل والحركة، كما في نصائحه الحكيمة " أنكي هو الذي يمنح الحكام الفطنة والعقل، ويفتح مصراع الفهم".وهو مصدر الأشياء الجديدة كما في مهارة الصانع "أنكي الذي هو أله أمهر الصناع". والماء يجيء ويذهب، ويجري في الحقل ويرويه، ثم يتناقص ويفيض . فكأن له أرادة وهدفاً، فهو الإنتاجية الفاعلة، الفكر الواعي، الخلق . ثم إن للماء طرقاً ماكرة في الجريان، إنه لا يعلو العوائق بل يتجنبها، ويداور في اتجاهه، غير إنه يبلغ هدفه . ومن هنا تنسب صفات المهارة والذكاء إلى أنكي . ومن يتأمل البحيرات الساكنة المظلمة التي لا ينفذ فيها البصر، يوحى أليه أن الماء يتمتع بالعمق الفكري والحكمة والمعرفة . وإلى القارئ (نشيد سومري) يصف وظيفته خير وصف :

أيها الرب، يا من بعينيك السحريتيين، حتى ولو كنت ساكناً، غارقاً في الفكر، تنفذ إلى القلب من كل شيء. يا أنكي، يا من وعيك لا حد له. يا عميق الفكر، للمهادنة والتقرير، يا سيد اللفظ الحكيم، من الشروق إلى الغروب .



وهكذا تتميز (العلاقة) بين الأشياء والأفكار بطابعها المباشر . فهي مقارنة تشبيه وتداعي بالنسبة لأفكار الفرد السومري .إنها (المفردات) التي تشكل الجزء الخاص من الفكرة بخصوصيتها الطبيعية، والتي تشير إلى مغزى عام، أو صفات كلية تكمن خلفها، في مدلولاتها العامة في بنية الفكر الاجتماعي . ولذلك فأن نظام (الدنيا)، ذلك الترتيب وذلك السياق اللذان يراهما الإنسان في الكون، لم يكن يتمثل في ذهنية السومريين، إلا على نحو واحد هو: نظام من الإرادات، فالكون ككل منسق، إنما هو مجتمع أو دولة .

لقد فهم السومريون، إن مظاهر الخصب في الطبيعة، تنتمي إلى عنصرين، هما العنصر الذكري والأنثوي . ومن إتحادها تتجدد الحياة . فعلى هذا المنوال، سارت دينونة الإنسان في (سومر) لقوى الخصب المولدة في الطبيعة، فتمكن من تصنيف الظواهر، وأدراك ما بينها من علاقات . فجعل لكل قوة رمزاً، وعلى هذا النحو تحولت الأشياء إلى تجريدات ومفاهيم . سرعان ما وجدت لها فهماً اجتماعياً شاملاً وعميقاً، ومدلولات أتفقت الجماعة على عُظم أهميتها .

ولم يكن (المنطق) الأسطوري عند السومريين، ليتحول إلى (فن)، لو لم يكن مرتبطاً بحياتهم العملية وبنائهم الاجتماعي . فقد أقام هذا المنطق علاقات ذهنية بين الأشياء المتشابهة، وعامل هذه العلاقات على إنها حقائق قائمة في الواقع. فنهض في الثقافة السومرية مبدأ القدرة على تحقيق ما هو صعب المنال بإنشاء مثال ذهني لهذه القدرة . أي إن التعميم الرمزي، فعَّل تحويل المفهوم إلى رمز، والتجريد الذهني إلى تعميم فني، أي إنه جعل المنطق الأسطوري، فناً أسطورياً . فكان تحقيقاً لوجود ساعٍ إلى الاكتمال، وجود يتخلق، وجود يصير في الفن، وجود فعلي . ووفقاً لهذا المنطق، يمكننا أن نفسّر طقوس الزواج المقدس، التي يحتفل بها الشعب السومري ربيع كل عام . اذ تستبدل شخصية الإله (دموزي) بالكاهن أو الملك، وينوب عن الآلهة (إنانا) كاهنة المعبد . وقد قدّم أحد الشعراء السومريين وصفاً ساحراً لهذا الاقتران :

حول كتفي عروسهِ المحبوبة كان يضع ذراعيه، حول كتفي (إنانا) المقدسة كان يضع ذراعيه، كانت مثل ضوء النهار وهي تعتلي العرش، والملك كأنه الشمس، وكانت كل مظاهر الفرح تجري أمامها، والطعام الشهي يوضع أمامها، وذوو الرؤوس السود (السومريون) يمرون أمامها، على دقات طبل أعلى من الرعد، وقيثارة تنعش الروح .

إن الجوانب التعبيرية لهذه الطقوس، التي تقوم على ما أسماه (فريزر) : "الشبيه ينتج الشبيه" (فريزر، ص109) . فيها من خصوصية الذات التي بدأت تستفيق الشيء الكثير، إنها القدرة على استمرار التجدد، والطقس الأسطوري الذي يعتمد تفعّيل الإيماءة لبعث الحياة في الطبيعة، يصبح بمثابة (تكنيك) . ذلك إن الصورة هنا، كانت هي التصوير والشيء المصور في آن واحد، وكانت هي الرغبة وتحقيق الرغبة في الوقت نفسه .

565d-zuherوبعدَ أن أخذ الكون شكله، جاءت ضرورة خلق الإنسان. وتقول الأسطورة السومرية : "بأن الإنسان خُلِقَ عبداً للآلهة، يقدم لها طعامها وشرابها، ويزرع أراضيها ويرعى قطعانها" (السواح، 1985، ص37) . ومن هنا ولدت شعائر وطقوس القربان، تقدمة (خيرٌ ما) إلى قدرة عليا، يفترض إنها تسهم في إنتاج الخير، إسهاماً مباشراً إلى حد كبير . ثم إن الاستهلاك الشعائري لهذا الخير،أي الاتحاد بالمبدأ الأعلى، وبسائر الأتباع الذين يشتركون في نفس العبادة. وليس من الضروري، أن يكون هذا الفعل جمالياً، ولكن الإتحاد بالصيغ الشفهية والتعاطفية الشعائرية، يجعل القرابين الدينية تفسح المجال أمام نمو الفنون الدرامية ومشتقاتها نمواً وسيعاً .

لا ريبَ في إن من الطرق الجيدة هنا أن نستخلص من السياقات التاريخية الجوانب المشتركة بين أشكال التطور المختلفة، فيتمثل المرء فكرة أكثر تجدداً عن الدين وعن الفن. وتحظى هذه الفكرة بفائدتها شريطة أن تستخلص من هذه السياقات فعلاً، لا أن تفرض عليها من خارجها . ذلك إن الكهنوت السومري في زمانه ومكانه، لا يريدون أن يعرفوا سوى حدوسهم عن المثل الأعلى الديني أو الفني، ويزعمون تطبيقهُ حتى درجة المطلق، وهذا ما يُدعى الجميل بذاتهِ أو الدين . وعندما يراد إرجاع الفن والتمثيل الفني والجميل إلى مبدأ وحيد فهذا المبدأ يكون هو الدين . وهذان المبدءان يمتزجان في بنية الفكر السومري، ضمن صوفية مختلطة، تخاصم التحليل، وتبرع في خلط كل شيء لتفسير كل شيء .



د. زهير صاحب

بغداد 2009