جداريات الكهوف.. سلف الكتابة!


د. خزعل الماجدي

الرسوم الصخرية الخالية من الألوان (مع استثناءات نادرة) أقدم من لوحات الكهوف الملونة، وتعود أقدم الرسوم الصخرية إلى بدايات الباليوليت الأعلى، ولكنها ظهرت بوفرة في أستراليا وتنزانيا قبل 45 ألف سنة من الآن، رسمت هذه الرسوم على صخور في العراء أو داخل كهوف.

ظهرت عند قبائل البشمان في جنوب أفريقيا للاتصال بعالم الأرواح ومخاطبة الأرواح الشريرة لكي تكفّ الأذى عن مرضاهم. وكانوا يستخدمون المثقاب في النقش والنقر والخدش لصنع الصورة التي كانت من وحي عالمهم اليوميّ.

سجل الفن الصخري في أفريقيا والأميركتين وآسيا وأستراليا وأوروبا، وازدهر هو وجداريات الكهوف في أوروبا بين 36000 إلى 18000 قبل الآن. أي قبل نهاية آخر العصور الجليدية (قبل 19000سنة)، وعندما كانت الظروف المناخية قد بدأت تتحسن، بعد نهاية العصر الجليدي، اختفى العصر الحجري القديم الأعلى والفن الصخري الذي رافقه، فجأة، خلال الفترة الانتقالية بعد العصر الحجري القديم، أي في العصر الحجري الوسيط، منذ حوالي 12000سنة، عندما انتهت الظروف البيئية للعصر الجليدي وتلاشت. تنقسم اللوحات الجدارية للكهوف في العالم حسب قاراته، وتكون الجداريات الأسترالية هي الأقدم ثم الأفريقية ثم الأوربية.

الجداريات الكهفية المذهلة التي اكتشفت في المنطقة الممتدة بين جنوب فرنسا وشمال إسبانيا، والتي وجدت في أكثر من مائة كهف، أثارت فضول العلماء وجعلتهم يخرجون بنظريات متعددة حول طبيعة هذه الكهوف وجدارياتها.

ولعل أقدم النظريات هي التي تقول بأن هذه الرسوم قد أنجزت لغايات فنية وجمالية فقط دون أن تحمل أية تفسيرات دينية، أما النظرية الثانية فقد وجدت فيها أدوات سحرية استخدمها الإنسان للسيطرة على الحيوانات والإيقاع بها انطلاقاً من مبدأ التشابه السحري، فهناك في السحر قانونان، الأول هو قانون التشابه الذي يقضي بأن الشبيه ينتج الشبيه، أو أن المعلول ينتج علته، وأن في استطاعة الساحر تحقيق الأهداف والنتائج التي يريدها عن طريق محاكاتها، أو تقليدها، أما القانون الثاني فهو قانون الاتصال. وقد سيطرت هذه النظرية على تفسير هذه الرسوم لزمن طويل.

أما النظرية الثالثة، فقد وجدت في هذه الرسوم جدلاً بين العنصرين الذكرى والأنثوي، ويتخذ هذا الجدل صفة المركز الأنثوي والمحيط الذكرى، وقد قام لوروا كورهان بدراسة أكثر من ألفي رسم كهفي من رسوم الكهوف الكانتربرية بطريقة إحصائية وتبين له:


1. المناطق المركزية تشغلها دائماً ثلاثة أنواع من الحيوانات هي (الثور، البيسون، الحصان)، بينما تحتل بقية الأنواع الحيوانية الأطراف والمناطق الثانوية.

2. الثور يأخذ قيمة رمزية أنثوية وكذلك البيسون، أما الحصان فله رمزية ذكرية، وإن القيم الأنثوية تساوى الذكرية عدداً.

3. الجروح ذات قيمة رمزية أنثوية، أما السهام والحراب فقيمتها ذكرية.

4. الرمز الأنثوي دائماً في المركز. أما الرمز الذكرى فيتوزع بشكل متساو حول هذا المركز وعلى أطرافه البعيدة والقريبة.



جدلية الذكرى والأنثوي

ويقودنا لورهان إلى استنتاجه الأخير، وهو أن كل هذه النتائج تدل على (قيم أيديولوجية دينية لدى الإنسان العاقل في الباليوليت الأعلى تعتمد على جدلية المبدأين الذكرى والأنثوي في تعارضهما وتكافؤهما).

«تنعكس الممارسات السحرية - الشامانية في هذا الفن أيضاً، خصوصاً في تلك التصويرات التي تمثل طيوراً وحيوانات اخترقت القذائف أجسامها. إن تمثيل الأنثى هو الشائع في النحت ما قبل التاريخي، ورغم أن هذه التمثيلات الأنثوية قد ربطت غالباً بفعاليات خصب الإنسان والطبيعة، إلا أنها تبقى، مع ذلك، مفتوحة على تفسيرات أخرى تبدو على قدر المساواة من المصداقية، فلربما كانت مستقرات للأرواح أو صوراً للأسلاف أو تمثيلات للآلهة المنزلية أو رموزاً للأرواح المتحكمة بالحيوانات أو بأقاليمٍ روحانيةٍ أو مادية، أو رموزاً للقوى الطبيعانية أو وسائط سحرية للسيطرة على حيوان الصيد»، (إداوراتسون 2007: 259).


5. كهوف الرسم كمعابد سحرية باليوليتية: تشكيل المقدّس السحري

نرى أن كهوف الرسومات الجدارية هي تحديداً معابد سحرية وليست دينية، وقد ظهرت «عدّة فرضيات أخرى تحاول تفسير هذا التراث الإنساني الضّخم الذي وصلنا، فقدّم البعض فرضيّة التعبير عن أساطير الخلق، وقدم البعض الآخر فرضيّة التّعبير عن أناشيد رمزية حول الجنس، ومنذ فترة قريبة، نشأت النظرية الشمانية (chamanique)، وقد صاغها، سنة 1967، أندرياس لومال A. Lommel، وطورها، سنة 1996، جون كلوت J. Clottes و دافيد لويس - وليام، D. Lewis - Williams. يقول أصحاب هذه النظرية، إن الرسوم والنحوت التي تغلب عليها صور الحيوانات لا تمثل الحيوانات ذاتها، وإنما تمثل أرواح الحيوانات المنبثقة من الصخور، فقد كان عبدة القوى الخفية (Chamanes)، في عصور ما قبل التاريخ، يستنجدون بها، ويتواصلون معها، عند مناسبات الوجد الطقوسية. إن عديد المعطيات تشهد لفائدة هذه الأطروحة، ومنها خاصة الأوضاع الجغرافية لأكبر مواقع الفنّ الصخري، فأغلبها موجود في مناطق صحراوية غير مؤهلة للصيد أو الجني، مثل صحراء النقب، أو وادي الدهثمي بالجزيرة العربية، أو كلاهاري بأفريقيا الجنوبية، أو أولورو بأستراليا، إلخ .. بعبارة أخرى، تفترض هذه النظرية أن الكهوف التي «زينت» بتلك الرسوم لم تكن كهوفا يسكنها البشر، بل كانت مواقع خصصت لنشاط الرسم، وعلى هذا الأساس، فالأرجح أن هذا النشاط كان مرتبطاً بممارسات طقوسية. من جهة أخرى يمكن أن نجد شبها لهذه الظاهرة لدى آخر المجموعات البشرية التي تعاطت الصيد والجني، وهي مجموعات في طريق الانقراض، لكن أمكن لعقود خلت مشاهدة بعضها في أستراليا، أو أفريقيا، أو منطقة أمازونيا Amazonie. وتجمع شهادات علماء الأجناس (ethnologue) على أن الرسوم على الصخور أو الأخشاب أو العظام قد قدّت في الغالب ، ضمن احتفالات تلقينية (ceremonie d&rsaquoinitiation)، وكان المقصود منها فتح المجال للتواصل مع عالم آخر، عالم غيبي لا يمكن للطقوس أن تنجح دون مشاركته»، (لونوار 2012: 20).

تواصل مع المجال الآخر
أما النظرية الرابعة، التي تفسر وجود اللوحات في الكهوف، وهى الأكثر صموداً ودقةً فيقول بها جوزيف كامبل، حيث يرى أن هذه الكهوف ما هي إلا معابد أو كنائس الإنسان البالبوليتي وضع على جدرانها بكل تبتل وعناية روحية ما كان يضفى علية صفة التقديس ونعنى به الحيوان. ويطور المفكر فراس السواح فكرة كامبل هذه فيرى «إن الإنسان الباليوليت الأعلى في هذه البقع القصية المظلمة يبحث عن تواصل مع المجال الآخر، مع عالم اللاهوت من خلال شارات قدسية تربط بين العالمين. وكما فعل إنسان الباليوليت الأوسط، فقد اختار إنسان الباليوليت الأعلى شارته المقدسة من العالم الحيواني، لا ليعبدها بذاتها، بل ليستحضر من خلالها قوة العالم الموازي. وتحولت كهوف الدب المتواضعة، التي اتخذها النياندرتال مقامات مقدسة، إلى كاتدرائيات نحتتها الطبيعة في الأعماق على حدود أوقيانوس الظلمة، وأقام فيها الإنسان العاقل نقاط تواصل مع المجال الآخر، من خلال هيئات حيوانية تلخصت بشكل رئيسي في الثور والبيسون والحصان» (انظر السواح 1994: 150).
كانت الحيوانات هي الموضوع الرئيس في اللوحات الفنية للكهوف والدمى ومجمل فنون الباليوليت الأعلى، ولم يحضر فيها الإنسان إلا بصورة نادرة، ولو حصل مثل هذا الحضور فسيكون بصفات وأشكالٍ حيوانية أيضاً، ويؤكد هذا المنحى على رسوخ العقيدة الحيوانية بشكل خاص، والتي اتضحت بداياتها العملية منذ الباليوليت الأسفل وتمّ التعبير عنها الآن بشكل واضح تماماً.
«مضت آلاف أخرى من السنين (قطرة ماء في بحر تاريخ إنساني يمتد على مدى ثلاثة ملايين سنة!) ، قبل أن يكتشف الإنسان وسيلة أخرى للتعبير، إنها الفنّ الذي يعتبر سلف الكتابة. تعود أقدم الرّسوم الصخرية التي وجدت في أستراليا وتنزانيا إلى أكثر من 45 ألف سنة. لم يعد الأمر يتعلق بمقاطعات منحوتة على حجارة ذات أشكال غريبة، كما تعوّد أسلافنا عليه منذ ثلاثمائة ألف سنة، بل هي مشاهد حقيقية صغيرة تمثل حيوانات وبشراً. ولم يعد الأمر يتعلق بخصوصيات بعض المجموعات المحصورة في مناطق جغرافية معينة، بل هي عشرات الملايين من الرسوم والنحوت من العصر الحجري القديم اكتشفت إلى حدّ الآن في 160 بلداً موزعاً على القارات الخمس. إنه «أضخم أرشيف تحتفظ به الإنسانية حول تاريخها قبل اختراع الكتابة» كما قال عالم الأجناس الإحائية (Paleoethnologue) إيمانويل آناتي E. Anati الذي اعتبر مواقع الفن الصخري &ndash وهي كهوف غالباً &ndash بمثابة «كاتدرائيات» بالمعنى الديني للكلمة» (لونوار 2012: 20).

احتفالات تلقينية
تجمع شهادات علماء الأجناس (ethnologue) على أن الرسوم على الصخور أو الأخشاب أو العظام قد قدّت في الغالب ضمن احتفالات تلقينية (ceremonie d&rsaquoinitiation)، وكان المقصود منها فتح المجال للتواصل مع عالم آخر، عالم غيبي لا يمكن للطقوس أن تنجح دون مشاركته. (لونوار 2012: 20).

معابد ولكن.. سحرية!
لعل ما يؤكد أن كهوف الجداريات معابد، ولكنها معابد سحرية، مجموعة من الحقائق أهمها أن الآثاريين لم يعثروا في هذه الكهوف على بقايا مدافن أو نار مواقد، أو ما يشير إلى طقوس سحرية، بل وجدوا فيها أدوات رسم وبعض المصابيح الزيتية، وكذلك تحشدت هذه الرسوم بصورة حيوانات معروفة آنذاك، وهي من طرف آخر تشير إلى استمرار الدين النياندرتالي في تقديس الحيوان.
....................................
*. إدواردتسون، ماري: الديانة الباليوليتية، ترجمة عدنان حسن، عن موسوعة تاريخ الأديان، الكتاب الأول، ط2، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، دمشق (2007).
*.السواح، فراس: دين الإنسان (بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني). منشورات دار علاء الدين، دمشق 1994.
*. لونوار، فريدريك: المصنف الوجيز في تاريخ الأديان، ترجمة محمد الحداد، مراجعة حافظ قويعة، دار سيناترا المركز الوطني للترجمة، تونس (2012).