كان عاموس النبى رجلاً فقيراً ، إذ كان راعى أغنام وجانى جميز ، وكلا العملين لا يؤديهما إلا الفقراء المساكين المحتاجون ، ومع ذلك فقد أرسله اللّه برسالة رهيبة إلى مملكة إسرائيل ، ومن الغريب أن هذه المملكة كانت فى أوج مجدها حين ذهب إليها عاموس ، فى أيام يربعام الثانى ملك إسرائيل ، ولكن عاموس لم ير المجد ، بل رأى الوثنية والشر والفساد والإثم ، فتنبأ عليها بالخراب والضياع والهلاك ، ومع أننا لا نعلم على وجه التحقيق متى ذهب إلى بيت إيل لكننا نرجح أن نبوته كانت عام 760 ق.م. . وها نحن نتابع قصته فيما يلى
عاموس ومن هو


فى قرية تقوع الواقعة على بعد خمسة أميال إلى الجنوب الشرقى من بيت لحم ، أو عشرة أميال إلى الجنوب من أورشليم نشأ عاموس . والكلمة « عاموس » من أصل معناه « يثقل » أو « يحمل » وقد ذهب المفسرون لليهود إلى أنه دعى كذلك لأنه كان ثقيل اللسان ، ولكن المرجح أن اسمه كان يشير إلى الرسالة الثقيلة التى كان عليه أن يحملها إلى إسرائيل ، وما نظن أبداً أن الرجل كان ثقيل النطق ، بل يبدو من لهجته أنه كان إنساناً صريحاً بسيطاً وديعاً ، صافى النفس والروح والمشاعر ، ومع أنه - على الأغلب - لم يكن متعلماً كثيراً ، لكنه كان وافر الاطلاع على أسفار موسى والكتب المقدسة ، .. وإذ لم يذكر الكتاب شيئاً عن أبيه أو عائلته ، يرجح المفسرون أنه كان ينتسب إلى عائلة فقيرة مغمورة ، ولكن هذا الإنسان الفقير المغمور الذى لم يدخل مدرسة الأنبياء ، أو يولد إبناً لأحدهم ، إذ كان راعياً وجانى جميز ، تفتحت نفسه إلى اللّه ، ولم تتلوث بشرور المجتمعات وضجيج المدن ، ولذا فكثيراً ما يشبهونه فى طباعه ومزاياه ، بيوحنا المعمدان ، الذى عاش فى البرية إلى يوم ظهوره لإسرائيل!!..
عاموس ورسالته


سبق لنا فى الحديث عن شخصية أمصيا كاهن بيت إيل ، أن تعرضنا للفارق بينه وبين عاموس ، أو الفارق بين الخادم المزيف والخادم الحقيقى ، وقد حاول أمصيا طرد عاموس من أرض إسرائيل ، بدعوى أنه من المملكة الجنوبية ، وأن رسالته لا يجوز أن تتعدى أرض يهوذا أى المملكة الجنوبية ، وقد رد عليه عاموس بالقول : « لست أنا نبياً ولا أنا بن نبى ، بل أنا راع وجانى جميز . فأخذنى الرب من وراء الضأن وقال لى الرب : اذهب تنبأ لبنى إسرائيل » " عا 7 : 14 و 15 " ولعل هذه العبارة تكشف عن رسالته العظيمة إلى أبعد الحدود !! ..
الدعوة إلى الرسالة


فوق روابى تقوع عاش عاموس يرعى ضأنه ويجنى الجميز ، وأغلب الظن أنه كان سيعيش هكذا ، ويموت هكذا لو لم يأته الصوت الذى دعاه إلى النبوة وأخذه من وراء الأغنام . ويرى بعض شراح الكتاب أن الكلمة « من وراء » تشير فى الأصل العبرانى إلى عنصرى المباغتة والأمر ، اللذين أحس بهما هذا النبى الراعى ، ... وقد تحقق عاموس من دعوته ، واستجاب لها . وما من شك أن أصواتاً كثيرة كان يمكن أن تهتف فى أذنى عاموس ، بأنه ليس كفواً لهذه الخدمة ، كما أن هذه الخدمة ليست له ، فما هو من سلك الأنبياء ، أو من أبنائهم ولم يتدرب فى مدارسهم ، فكيف يمكن أن يكون نبياً ، ولم يتعلم علومهم ؟!! ... أليس هذا هو منطق الكثيرين الذى نسمعه فى القرن العشرين ؟؟، ممن يظنون أن أبناء الخدام لابد أن يكونوا خداماً مثل آبائهم ، يأخذون الخدمة بالوراثة أو ما أشبه ، ... كما يظنون أنه لابد أن يتوافر فى الخادم العلم العالى ، وأنه لا يجوز لضئيل المعرفة أو العلم ، ممن لم يصل إلى الشهادات العالية ، أو لم يأخذ الدراسات الدينية المنظمة أن يكون خادماً ... كلا ، لقد كان عاموس نبياً وخادماً للّه دون أن يكون متعلماً ، ودون أن يأخذ دروساً لاهوتية معينة ... كما أن عاموس كان إنساناً فقيراً مغمور الأصل والنسب ، يمتهن أصغر الأعمال والحرف ، فكيف يجرؤ على أن يرقى عتبات الملوك والرؤساء والعظماء ، ليقرعهم برسائله المرهبة ؟! .. لكن الجهل أو الفقر أو وضاعة النشأة ، لم تمنع هذا النبى من الإحساس العميق بدعوة اللّه !! .. ألا فلنسمع بعضاً من أقوال جوزيف باركر عن عاموس بهذا الصدد : « إن خدام اللّه لا يصنعون أنفسهم ، فليكن المجئ إلى الخدمة مجيئاً ضاغطاً لا يقاوم ، مصحوباً بالإحساس العميق لعدم الكفاية ، ولتكن حياة الخادم ختما وشهادة ومصداقاً للدعوة ، وسيجد اللّه خدامه ، .. وأى رجال يدفعهم الناس للخدمة هم رجال مخطئون ، قد يكونون لطفاء ولطفاء جداً ، وقد يكون بعضهم بهى الطلعة وادع النفس برئ النظرة ، له وداعة الأطفال وحلاوتهم ، لا يحدث ضجيجاً ما فى مجلس ، ولا يؤذى أو يبغض مخلوقاً ، … ومع ذلك ، فاللّه هو الذى يجد خدامه وقد يكون البعض الآخر خشناً عنيفاً ذا قرون ناطحة ، وله تعليم لاهوتى منظم ، ولكن المهم هو كيف يتكلم عندما يعظ ، وكيف يلتهب ويهدد من جانب ، ويرعى ويرفق من الجانب الآخر ؟؟ .. عندما يلتقى بالمتكبرين الذاتيين يشتعل بالغيرة المقدسة والسخط الإلهى ، وعندما يلتقى بالمنبوذين والتعابى والمنفردين والضائعين ، يقول قول السيد للمرأة التى أمسكها اليهود ليرجموها « إذهبى ولا تخطئ أيضاً » .. " يو 8 : 11 " .


مكان الرسالة


«إذهب تنبأ لشعبى إسرائيل » ... " عا 7 : 15 " عندما يرسل اللّه رسولا يقنعه بالمكان الذى سيذهب إليه ، وقد يكون هذا المكان بعيداً عن البيئة والأهل والعشيرة ، وقد يكون مكاناً مرعباً مرهباً بغيضاً ، لكن الواجب الأول علينا هو أن نطيع ونذهب إلى المكان الذى يختاره الرب ، كان عاموس من المملكة الجنوبية مملكة يهوذا ، وكانت تقوع فى الجنوب من أرض فلسطين لكن اللّه أمر عاموس أن يترك بلده وأهله ومملكته ليذهب إلى بيت إيل فى مملكة الشمال ويتنبأ عليها ... إن فشل الكثيرين من الخدام والمرسلين ، يرجع إلى أنهم يريدون أن يختاروا لأنفسهم الأماكن التى فيها يعملون !! ..


ثقل الرسالة


«فأخذنى الرب من وراء الضأن وقال لى الرب إذهب » ... كان اسم « عاموس » - كما ذكرنا - يعنى الحمل أو الثقل ، نسبة للرسالة الثقيلة التى كان عليه أن يحملها ويبلغها : « فقال السيد : ها أنا واضح زيجاً فى وسط شعبى إسرائيل . لا أعود أصفح له بعد ، فتقفر مرتفعات اسحق وتخرب مقادس إسرائيل وأقوم على بيت يربعام بالسيف» .. " عا 7 : 8 و 9 " وما أثقلها من رسالة ، تلك التى يهاجم فيها فرد واحد أمة وملكاً وكهنوتاً وشعباً !! .. كان وراء الضأن وفى ظلال الجميز هادئاً وادعاً ساكناً آمناً ، فما باله يقتحم المخاطر ، ويمضى إلى عرين الأسد ليسمع قــول أمصيا للملك : « وقد فتن عليك عاموس فى وسط بيت إسرائيل . لا تقدر الأرض أن تطيق أقواله » " عا 7 : 10 " كان أمصيا - كما ذكرنا عند تحليل شخصيته - موتورا من الرجل الذى جاء يتهدده ومجده وكهنوته وبيته ومركزه فى وسط الشعب ، وقد توعده وأرهبه ، عساه أن يبتعد ويرجع إلى بيته وأمته ، ... على أن عاموس كان يحس ثقل الرسالة على وجه أشد وأقسى ، لأنها كانت تتناول أمة عزيزة عليه ، أثيرة على قلبه ، ... ولكنه لم يكن يستطيع التحول عنها يمنة أو يسرة ، أو يتراجع عن إبلاغها ، ولو كلفته حياته لأنها صوت الرب الذى تكلم إليه ، أو كما قال : « السيد الرب قد تكلم فمن لا يتنبأ » " عا 3 : 8 " !! ..
غرابة الرسالة


كانت رسالة عاموس غريبة لأنها تحدثت عن خراب إسرائيل ، فى وقت كان إسرائيل يمرح فى حياة المجد والبذخ والقوة ، ... ولو أن كاتباً من كتاب التاريخ طلب إليه أن يتحدث عن عصر يربعام الثانى ، لتحدث عن المجد والثروة العظمة والسلطان والقوة ، وكان آخر ما يفكر فيه كلمة الخراب ، لكن عاموس أبصر هذه ، وأبصر فيها وخلفها الخطية ، فنادى بالسقوط والانهيار ، ولكن التاريخ دائماً يعطى صورة صادقة لفكر عاموس ونبوته ، فإن الخطية هى السوس الذى ينخر فى عظام الأمة ، فى صمت وخفاء ، فإذا جاء الانهيار ، فإنه يأتى مباغتة ودون توقع من أحد !! ..


عاموس والعبادة الكاذبة


كانت العبادة الكاذبة فى إسرائيل أس الداء وأساس البلاء ، وقد وقف منها عاموس موقف التنديد والهجوم الصارخ ، وكان من المستحيل عليه أن يهدأ أو يسكن ، والعبادة الوثنية الشريرة تتفشى فى كل البلاد ، ففى كل إسرائيل من دان إلى بئر سبع أقيمت المرتفعات المحلية والأنصاب لتمجيد البعل والعجل الذهبى ، ويرجح أن بئر سبع والجلجال كانتا المكانين الرئيسيين لعبادة البعل ، بينما كانت السامرة وبيت إيل مخصصتين للعجل الذهبى ، ومما يدعو إلى الأسف والحزن والغرابة معاً ، أن الإسرائيليين أرادوا أن يخلطوا بين النور والظلمة ، والحق والباطل ، واللّه والشيطان ، إذ كانو يحفظون الطقوس ،الفرائض ، الأعياد ، ويقدمون المحرقات والتقدمات والذبائح، ولكن على هذه المذابح الوثنية وبأسلوبها المنحرف الشرير ، وها نحن نرى عاموس يتحدث عنها فى أسلوب تهكمى لاذع فيقول : « هلم إلى بيت إيل وأذنبوا إلى الجلجال وأكثروا الذنوب وأحضروا كل صباح ذبائحكم وكل ثلاثة أيام عشوركم » " عا 4 : 4 " وقد رأى عاموس كذب العبادة من أكثر من وجه :


عبادة من صنع الإنسان


فالعبادة التى أقامها بنو إسرائيل فى دان وبيت إيل والجلجال وبئر سبع ، عبادة من صنع الإنسان وتفكيره ، وما عجول الذهب التى صنعها يربعام بن نباط إلا وليدة فكرة سياسية ، فقد أراد أن يبتعد بالإسرائيلين بعد انقسام المملكة عن أورشليم وعبادتها السماوية ، ولذا أقام فى دان وبيت إيل عجلى الذهب ، ... وأما بعد فهو الصورة التى ابتكرها الخيال الوثنى ، لتعبر للعابدين عن الإله الذى يتخيلونه أو يتصورونه ، وهنا يتم فيهم قول الرسول . « وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء ، وأبدلوا مجد اللّه الذى لا يفنى يشبه صورة الإنسان الذى يفنى والطيور والدواب والزحافات » ... " رو 1 : 22 و 23 " إن كل عبادة كاذبة من أصل بشرى !! ..
عبادة الإغراق فى الطقوس


والملاحظ فى العبادة التى تحدث عنها عاموس ، أنها عبادة طقسية ، بل عبادة عمادها الأول والأخير الإغراق فى الطقوس ، فالتقدمات والمحرقات والنذور كانت هائلة ، وقد سخر النبى من العابدين وهو يقول : « وأحضروا كل صباح ذبائحكم ، وكل ثلاثة أيام عشوركم » ... والعشور سنوية ، وكل ثلاث سنوات ، ولكنهم أكثروا من تقدمتها بكيفية مذهلة عجيبة ، والواقع أن الإغراق فى الطقوس نوع من الخداع النفسى الذى يلجأ إليه الإنسان لإراحة نفسه وتهدئة ضميره فى العبادة ، ... وماذا نقول اليوم عن الطقوس التى تصاحب العبادة والأعياد والأفراح والجنائز ، الطقوس التى غدت ترتد بنا فى بعض المواطن ، إلى ما يشبه الوثنية القديمة التى ندد بها عاموس!!..
العبادة التى لا خير فيها


هذه العبادة لا خير فيها على الإطلاق سواء للأمة أو للأفراد ، ولعل الدليل على هذا هو المصير المفزع الذى سينتهى إليه الجميع ، وما سيصيب أماكن العبادة التى ستدمر تدميراً ، فالجلجال ستسبى سبياً ، وبيت إيل تصير عدماً ، وسيقتحم الرب بيت يوسف كنار تحرق ولا يكون من يطفئها من بيت إيل ، .. " انظر عا 5 : 5 و 6 " ولو أن العبادة كان فيها أدنى خير لغيرت حياة المتعبدين ، الذين ظلوا على ما هم فيه من شرور ، بل أمعنوا فى آثامهم وضلالهم حتى قال لهم النبى : « يا أيها الذين يحولون الحق إفسنتينا ويلقون البر إلى الأرض » !! .. " عا 5 : 7 " .


عاموس والعبادة الصادقة


لم يكتف عاموس بالتنديد بالعبادة الكاذبة ، بل وجه الأنظار إلى العبادة الصادقة ، وكشف عن إتجاهها ومضمونها !! .. وهى :
العبادة التى تطلب اللّه


«اطلبوا " الرب " فتحيوا » "عا 5 : 4 و 6 " ولم يكن هذا الإله مجهولا أو محدوداً أو ضعيفاً أو مصنوعاً وفق الخيال البشرى ، بل هو الإله المتعالى السامى المقتدر « الذى صنع الثريا والجبار ويحول ظل الموت صبحاً ويظلم النهار كالليل الذى يدعو مياه البحر ويصيبها على وجه الأرض يهوه اسمه » " عا 5 : 8 " هو الإله الذى: « السموات تحدث بمجــــده والفلك يخبر بعمـــل يديـــه » " مز 19 : 1 " الذى يستطيع أن يجعل القوى ضعيفاً ، والضعيف قوياً يخرج النور من الظلمة ، ويرسل الظلمة إلى النور ، إله الطبيعة والإنسان ، العارف بكل الأمور ، والقادر على كل شئ..!!


هذا الإله العظيم يقترب إلى الناس ، ويقول : « اطلبونى فتحيوا » . ولعله من اللازم أن نشير دائماً ، إلى أن العبادة ، وإن بدت لأول وهلة طلب الإنسان للّه ، إلا أنها فى الحقيقة هى طلب اللّه للإنسان ، والدليل على ذلك مستمد من القول الإلهى : « اطلبوا الرب » ... وهو قول يجاهد فيه اللّه وراء الإنسان ، ويتجه إلى إرجاعه إلى الوضع الصحيح ، فإذا نظرنا إلى العبادة بهذا المعنى ، أضحى اللّه أسمى هدف يتجه إليه الإنسان ، فهو يتجه إلى الحياة نفسها ، فهنلك علاقة دائمة بين وجه اللّه والحياة ، وبين الشركة مع السيد ، وأفضل ما يمكن أن نصل إليه على الأرض ، ... إذ أن اللّه - فى الواقع - هو الحياة نفسها ، ومن ثم كان الرسول بولس دقيقاً أبلغ الدقة وهو يقول : « لأن لى الحياة هى المسيح » " فى 1 : 21 ".. وكان أوغسطينوس على حق وهو يقول: « قد خلقتنا لنفسك وقلوبنا لن تجد الراحة إلا عندك » ..
العبادة التى تطلب البر


إن العبادة فى إتجاهها إلى اللّه ، لابد تتجه حتما إلى حياة البر والحق والقداسة ، وهنا يقول عاموس : « أطلبوا الخير لا الشر لكى تحيوا فعلى هذا يكون الرب إله الجنود معكم كما قلتم . ابغضوا الشر وأحبوا الخير وثبتوا الحق فى الباب لعل الرب إله الجنود يتراءف على بقية يوسف » .. " عا 5 : 14 و 15 " « وليجر الحق كالمياه والبر كنهر دائم » " عا 5 : 24 " لقد ضاق اللّه بالطقوس والفرائض : « بغضت كرهت أعيادكم ولست ألتذ بأعتكافاتكم . إنى إذا قدمتم لى محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضى وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها . أبعد عنى ضجة أغانيك ونغمة ربابك لا أسمع » " عا 5 : 21 - 23 " هل نعلم أن اللّه يهتم بحياة الحق والخير والبر والأستقامة ، وأن هذا أجمل وأفضل وأقدس أمامه ، من الاهتمام ببناء الكنائس ، ورسومها ، وجوقات الترنيم ، وما أشبه ؟!! ..
عاموس والشرور الاجتماعية


هاجم عاموس الشرور الاجتماعية التى أبصرها فى إسرائيل ، هجوماً عنيفاً صريحاً لاذعاً ، وهذه الشرور الاجتماعية ليست قاصرة على إسرائيل القديمة ، إذ أن جرثومتها تكمن فى أعماق النفس البشرية الخاطئة ، ولذلك ما أكثر ما نراها فى قصة التاريخ فى الشرق والغرب معاً ، وما أكثر ما تراها - على وجه أدق وأخص - قبيل سقوط الدول العظيمة ، فالذين قرأوا تاريخ سقوط الدولة الرومانية القديمة ، أو الثورة الفرنسية ، أو الثورة الشيوعية يعلمون أن جميع هذه الدول سقطت بسبب نفس الشرور التى هاجمها عاموس قديماً .. والتاريخ يعيد نفسه كما يقولون ، ولذا سنرى :


عاموس والشهوات الحسية


إن أقسى مأساة تصاب بها أمة أو أسرة أو فرد ، هى الاستسلام للشهوات الحسية العالمية ، وقد انغمس إسرائيل فى هذه الشهوات إلى آخر مدى ، وليس أدل على ذلك من إنحراف الطبقة الأرستقراطية من النساء والرجال وراء جميع المتع واللذات ، وها عاموس فى الأصحاح الرابع من سفره يدعو النساء « بقرات باشان » إذ أبصرهن يرتعن كالبهائم دون فهم أو عقل أو إدراك ، فى رياض المتعة والشهوة والشرور ، بل كن يحرضن أزواجهن على الطاس والكأس ، وفى الأصحاح السادس يتحدث عما يصحب هذا الإغراق الحسى من آثام ودنايا ... فساسة صهيون والرؤساء فى جبل السامرة ، والنقباء فى أفضل مملكة فى الأرض ، الذين يأتى إليهم بيت إسرائيل ، يلتمسون الرأى والمعونة والإرشاد والمشورة ، هؤلاء قد استكانوا إلى الراحة والأطمئنان والكسل والجمود ، وإهمال الواجب ... ولم ينتهوا إلى هذا فحسب بل نسوا العبرة التى كان يمكن أن تأتى إليهم ممن سلكو ا ذات السبيل قبلهم من الأمم المجاورة ، وخربوا وهلكوا وضاعوا .. « أعبروا إلى كلتة وانظروا واذهبوا من هناك إلى حماة العظمة ثم انزلوا إلى جت الفلسطينيين » " عا 4 : 2 " ثم تأمل رعونتهم وحمقهم وغباوتهم إذ « يبصرون يوم البلية » بمثل ما تفعل النعامة الحمقاء المطاردة الهاربة المعيية ، عندما تدفن فى الرمال رأسها لتبعد عنها سهم الصياد وقوسه ، ... وانظر إليهم وقد أصيبوا بالبطنة ، فهم يتهالكون على الطعام : « الآكلون خرافاً من الغنم وعجولا من وسط الصيرة » " عا 4 : 4 " ومثل هؤلاء ، ليس أمتع إلى نفوسهم أو أحلى من جلسات الغناء الماجنة الخليعة : « الهاذرون مع صوت الرباب المخترعون لأنفسهم آلات الغناء كداود . الشاربون من كؤوس الخمر والذين يدهنون بأفضل الأدهان » " عا 4 : 5 و 6 " مع الجمود التعس عن الإحساس بالمسئولية وآلام الآخرين : « ولا يغتمون على انسحاق يوسف » ... وهل يفعل الإغراق فى الشهوات الحسية فى كل الأجيال والأمم والجماعات والأفراد ، غير ما فعل أيام عاموس ؟ وأليست الشراهة والدعارة ، والبلادة والاستهتار ، والإستباحة والحيوانية ، والضعة والبوهيمية ، وجمود الفكر تبلد الشعور والضمير ، هى الظواهر التى تصاحب عادة وأبداً - عابدى الجسد وأسرى البطن والشهوة واللذة ؟ !! ..
عاموس والظلم


وهل يمكن للشهوات أن تنمو فى تربة دون أن يتبعها الظلـــــم ؟ ، والظلــــم الرهيب الصارخ القاسى ؟؟ ! وقد صدر هذا الظلم أول ما صدر عن المرأة ، المرأة التى كان ينبغى أن تكون شعاراً للحنان والرقة والعطف ، فبقرات باشان يصفهن عاموس بالقول : « الظالمة المساكين الساحقة البائسين » " عا 4 : 1 " وأغلب الظن أن نساء إسرائيل قد ظلمن هؤلاء المساكين البائسين عن طريق أزواجهن وقد قسا الرجال بدورهم حتى كان يبلغ هذا الظلم مرتبة الإفناء : « المتهمون المساكين لكى تبيدوا بائسى الأرض » "عا 8 : 4 " وقد صاحب هذا الظلم الكثير من الآثام والدنايا والشرور ، فالرؤساء قبلوا الرشوة ، ومن ثم تفشى فى القضاء الاعوجاج ، ولم يستطع المسكين البائس أن يقف على قدميه ، فجاع وتعرى ، وبيع بثمن بخس رخيص : « الضعفاء بفضة والبائـــس بنعلين » " عا 8 : 6 " وغمر الغش الأسواق ، لنصغر الإيفة ونكبر الشاقل وتعوج موازين الغش » "عا 8 : 5 " كان ظلمهم الأكبر لنفوسهم وللحياة وللواجب ، هو طرحهم اللّه وراء الظهر ، وضياع العبادة الحية الحيقية الكريمة .
عاموس والعقاب القاسى


وهذا ينتهى بنا آخر الأمر ، إلى ما أعلنه عاموس عن العقاب الإلهى ... فالإله العادل القدوس ، هيهات أن يسكت أو يتغاضى أو يرضى عن آثام الناس وشرورهم ، أو كما قال أحدهم : « قد ينجو الناس من العقاب البشرى كثيراً ، فالعدالة البشرية ، إذ هى بشرية ، بعيدة عن الكمال ، ومع ذلك فإن من لا ينجون من هذا العقاب أكثر كثيراً ممن ينجون ، وقد يتأخر العقاب ، ولكنه سيأتى فى صورة ما ، بهذه الكيفية أو بتلك ، ولنفرض أن الناس نجوا من العقاب البشرى ، فهل يمكن أن ينجوا من مواجهة الضمير؟ ، ... وإذا أمكنهم إسكات الضمير ، فهل يمكنهم أن يخلصوا أولادهم من نتائج ما ارتكبوا من خطايا وشرور ؟؟ .. كلا ، فليس هناك من نجاة .. » ... لأن من يزرع للجسد فمن الجسد يحصد فساداً ، ... وقد زرع الإسرائيليون فحصدوا ، وحصدوا حصاداً قاسياً شديداً ، فقد جاءتهم الساعة التى تحول فيها كل مجدهم وعزهم إلى الهوان والجوع ، والخوف والشقاء ، فأين أيام بقرات باشان !! ؟ . لقد أخذن بخزائم فى الأنوف، وأخذت ذريتهن بشصوص السمك ، ومن الشقوق خرجن إلى السبى والعار والتعاسة والفجاعة ، ... وهكذا أيضاً سادة صهيون ونقباء السامرة الذين ألفوا الناعمات نراهم وقد سيقوا سوق الماشية إلى السبى والعار والتشريد !! ..


جاء تغلث فلاسر ملك آشور وقضى على بيت إيل ، وجاء بعده شلمناصر وأخذ السامرة ، ... وعندما تبدأ أمة حياتها بالأصنام ، كما بدأ يربعام بعجول الذهب ، فإنها - إن آجلا أو عاجلا - ستتحطم هى وأصنامها معاً كما حدث لإسرائيل عام 722 ق. م. وليست إسرائيل وحدها بل كل أمم الأرض كما تشهد وتؤكد فصول التاريخ !! ... أو كما قال أحدهم : عندما لم يبق فى قرطاجنة سوى الغنى الفاحش ، والفقر الذريع ، سقطت قرطاجنة تحت أقدام الرومان ، وعندما نسيت روما هذا الدرس وتلاشت منها الطبقة المتوسطة سقطت عند أقدام الغزاة البرابرة الذين وفدوا إليها من الشمال !! .. هل لنا - كأفراد أو جماعات أو أمم - أن نطلب طلبة أجور ابن متقية مسا : « اثنتين سألت منك فلا تمنعهما عنى قبل أن أموت : أبعد عنى الباطل والكذب لا تعطنى فقراً ولا غنى ، أطعمنى خبز فريضتى لئلا أشبع وأكفر وأقول من هو الرب ، أو لئلا أفتقرو أسرق وأتخذ اسم إلهى باطلا » " أم 30 : 7 - 9 " .


((منقول للامانه ))