مجموعة من الأجوبة الفقهية المتعلقة بالربا سواء كان في القروض أو المعاملات، وفق ما أوضحه السيد أحمد الحسن (ع) من إجابات على الأسئلة التي وجهت له، ضمن حوار أجري معه.

الربا في القروض والمعاملات
هذه مجموعة من الأجوبة الفقهية المتعلقة بالربا سواء كان في القروض أو المعاملات، وفق ما أوضحه السيد أحمد الحسن (ع) من إجابات على الأسئلة التي وجهت له، ضمن حوار أجري معه.

س/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسأل الله أن تكون بخير وعافية.
ج/ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله حياك الله.

س/ إنّ الدين - ولا شك - نهى عن الربا بشكل واضح ومؤكد، فهل لنا أن نتعرّف على حدوده الشرعية ؟
ج/ حدود الربا هي:
1- معاملة بين مؤمنين.
2- نوع المعاملة قرض.
3- مدة السداد محددة مع فائدة قيمية.


س/ ماذا تقصد بـ "القيمية"، هل يمكن توضيحها بمثال ؟
ج/ قيمية: بمعنى أنّ لها قيمة فعلية.
يعني مثلاً: لو أنّ شخصاً أعطاك قرضاً مليون دينار عراقي في عام 1980م، فليس من حقك أن تردّه له مليون دينار عام 2018 م؛ لأن القيمة تغيّرت بشكل كبير وملحوظ فعندها تحسب القيمة التقديرية. فمثلاً يكون قيمة المليون دينار المذكورة الآن ثلاثة مليارات دينار عراقي، فالزائد لا يعتبر ربا، لأنه لم تحصل فائدة فعلية وإنما قيمة المليون دينار عراقي عام 1980م هي الآن 3 مليار دينار.


س/ المعاملة الربوية في خصوص القروض كان لديك جواباً، سأنقل الآن نص السؤال وجوابك عليه، ثم أطرح سؤالي:
[ س/ ما يخص سلف الموظفين التي تطرحها بعض المصارف في العراق وهي مبلغ عشرة ملايين دينار بفائدة 9 % هل يجوز أخذها، وهل هذا الحكم عام لجميع الدول التي تسمى بالدول الإسلامية، أم نعمل بالحكم السابق في ربوية هذه القروض ؟ وهل هناك استثناءات مثلاً لبعض الحكومات في جواز الأخذ ؟
ج/ يجوز.].
والسؤال: هل يعني ذلك جواز أخذ القروض بفائدة من البنوك الإسلامية، وعموماً نرغب في توضيح المعاملة الربوية بخصوص القروض، وهل كل قرض فيه فائدة يعدّ قرضاً ربوياً ؟
ج/ في كل الأحوال المعاملة الربوية محرّمة، بمعنى أنّ الشخص المؤمن الذي يأخذ الربا يرتكب حراماً ويتصرف بصورة غير شرعية، أما الشخص المضطر لأخذ القرض فلا إشكال في أخذه القرض الربوي طالما أنه مضطر له وليس لديه حل آخر.
هذا في حال كان القرض ربوياً.
أما في حال كون القرض فيه فائدة ولكنها بنسبة قليلة يأخذها البنك مثلاً لإدارة القرض، فهنا أصلاً لا يمكن اعتبار القرض ربوياً.
أيضاً: أنت تعرف أنه لا ربا بين مؤمن وغير مؤمن، فبإمكان المؤمن الدخول في أي معاملة ربوية طالما طرفها الآخر غير مؤمن.

س/ بخصوص نسبة الفائدة القليلة المسموح بها: مَنْ له صلاحية تحديد تلك النسبة، وكيف يتم تحديدها ؟
ج/ حتى تحدد هذه النسبة في دولة عادلة، لابد أن تحدد ضمن حدود شرعية يضعها الإمام بحيث لا يكون الغرض هو الفائدة وتحصيل البنك للأرباح.
وعموماً، أي فائدة تعادل (أو أكثر من) الأرباح المحتملة للاستثمار تكون فائدة ربوية.
هذا قانون عام يمكن للإمام أن يحدد من خلاله ومن خلال معطيات اقتصادية أخرى الفائدة المقبولة في الدولة العادلة أو في بنوكها بحيث تكون الفائدة لإدارة القرض وديمومة عمل البنك وليس لتحقيق الأرباح فقط على حساب إرهاق المقترض.


س/ لا شك أنّ مساعدة الآخرين ولو بإقراضهم عند الحاجة أمر مرغّب فيه دينياً، فلو أنّ المقترِض - كردٍّ للجميل - أراد طواعية ومن تلقاء نفسه أن يخصص هدية للمقرِض زيادة على المبلغ المقترَض (مع فرض بقاء قيمته السوقية كما هي)، فهل يجوز ذلك ؟
ج/ الهدية لا إشكال فيها.

س/ عودة على مسألة القرض؛ باعتبارها محل ابتلاء كثير من الناس في أيامنا هذه أسأل قائلاً: إنّ المقرِض (سواء كان شخصاً أم بنكاً)، همّه الفائدة - ولا أقل هذا حال أغلب المقرِضين - وإلا فستكون أمواله التي يقرضها للآخرين مجمّدة، فهل يوجد سبيل شرعي يجوّز أخذ هذه الفائدة كأن يعتبرها أجور عمل الموظفين أو إيجاراً للمكان (مكان البنك أو المؤسسة) ونحو ذلك ؟
ج/ قلت لك أعلاه: اعتبار الفائدة أجوراً لإدارة القرض لا إشكال فيها.
لكن يجب أن تحدد الفائدة بقدر محدد بحيث لا يضر بالمقترِض.
وليكون الأمر شرعياً صحيحاً في دولة عادلة يحتاج تطبيق قانون ضمن حدود يضعها الإمام بينت لك أعلاه بعضها، وهي أنّ الفائدة لا يجب أن تكون مساوية أو أعلى من الفائدة التي تتحقق من استثمار نفس المبلغ في سوق العمل، يعني لابد أن تكون أقل، إضافة إلى ضوابط أخرى يضعها الإمام. هذا طبعاً بالنسبة لمؤسسات مالية (كالبنوك أو بيوت المال أو المحافظ المالية) وليس أفراداً.


س/ عطفاً على جواز أخذ المقترِض للفائدة إن كانت أقل: هل تشمل القروض المستلفة من الأفراد ؟
ج/ لا، الفرد عندما يريد الإقراض يعامل شرعاً بصورة مختلفة عن البنك أو المحفظة المالية، فالبنوك والمحافظ المالية عادة أموال عامة أو على الأقل ملك لعدد كبير من الأفراد في المجتمع وليست ملكاً فردياً، وعادة تخضع لقوانين العمل. أما الفرد فلا توجد ضوابط أو قوانين تحكم ماله، لهذا فالإقراض الفردي مقيد أكثر.
الفائدة في الإقراض الفردي عادة تكون فائدة ربوية طالما أنّ القرض بين مؤمنين.
وعموماً الإقراض الفردي تطبّق عليه التعريف أعلاه: (قرض + فائدة قيمية = ربا).


س/ يشتهر على ألسنة البعض مقولة: "كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا"، فهل المقولة صحيحة ؟
ج/ لا، ليس كل نفع. ربما يكون نفعاً مباحاً ومقبولاً، لكن في حالة كون الفائدة والنفع فائدة قيمية صريحة فنعم ربا. يعني يقرضه قرضاً مثلاً بشرط أن يعيّن ابنه في مصنعه، هذا لا إشكال فيه لأن ابنه سيعمل مقابل أجره، توجد منفعة وفائدة ربما ولكن ليست قيمية فوق القرض، يعني المقترِض سيعيد نفس المبلغ ولن يعيد فوقه شيئاً فلا يوجد ربا.

س/ بعد أن عرفنا أنّ الفائدة القيمية أحد ركني الربا في القروض، فهل يشترط أن تكون الفائدة من نفس جنس القرض، وهل يختلف الحال في القروض العينية عنها في القروض المالية ؟
ج/ ليس بالضرورة من جنسه إنما فائدة قيمية تضاف إلى القرض وليس أي منفعة أو فائدة تتحقق بسبب القرض تعتبر ربا.
لو اقرضه مالاً وفرض عليه إعادة المال مع زيادة، الزيادة ربا سواء كانت مالاً أو شيئاً عينياً له قيمة.
أيضاً: الربا في العين تحققه عسير جداً، يعني لو أقرضه حنطة مثلاً وأعاد له حنطة لكن نوعين مختلفين، هنا لا يتحقق الربا إلا إن كانت الفائدة جلية وواضحة.
يعني مثلاً: يقرضه طن حنطة ويفرض عليه إعادة ثلاثة أطنان؛ مع العلم أن كل أنواع الحنطة لا يحصل بينها هذا التفاوت في القيمة أبداً، إنما مثلاً التفاوت بحدود طن من نوع 1 يعادل قيمة طن ونصف من نوع 2.


س7/ سأغادر مسألة القروض، وربما نعود لها لاحقاً إن توفرت أسئلة إبتلائية أخرى وسمح لك الوقت بإجابتها في حينها، وانتقل إلى مسألة هي الأخرى مهمة ومحل ابتلاء لكثير من الناس في عصرنا الحالي، وهي البيع بالتقسيط، والسؤال: هل يندرج البيع بالتقسيط ضمن بنود المعاملة الربوية المحرمة أو أنّ هناك شروطاً معينة يسهم توفرها في جوازه ؟
خصوصاً وأنّ هناك جواباً سابقاً اختلفت فيه الأفهام، وسأنقل لك نص السؤال والجواب:
[ س/ الكثير من المؤمنين وبسبب وضعهم المادي الضعيف يضطرون إلى شراء المواد الكهربائية الضرورية وغيرها لمنازلهم بالأقساط المتعارف بزيادة السعر على السلعة بسبب الاقساط فما هو المخرج في مثل هذه المسألة ؟
ج/ لا إشكال في الأمر طالما أنّ الربح المتحقق في الأقساط ضمن حدود نسبة الربح في ذلك البلد ].
ج/ الفائدة المضافة لا تزيد عن الحد الأعلى للربح المضاف في سوق البلد.
يعني لنفرض أنّ سوق العمل في البلد المعين تحقق عادة فائدة للتاجر بحدود 10 - 30 بالمائة. فالمفروض الفائدة المضافة لا تتجاوز الحد الأعلى للربح (أي 30 %).
في المثال المذكور الفائدة المضافة المقصود بها الفائدة الكلية المضافة على سعر السلعة الأصلي أي السعر الذي دفعه التاجر للحصول عليها.
هل هذا التوضيح كافٍ ؟


س/ نعم، وهل يمكن اعتبار النسبة واحدة في جميع البلدان ؟
ج/ الفائدة التي يحصل عليها العامل (التاجر- الصناعي- الطبيب..... الخ) تختلف نسبتها من بلد إلى بلد آخر بحسب الوضع الاقتصادي لذلك البلد.

س8/ نرغب بتوضيح أكثر بخصوص وضع البائع سعرين للعين: سعر للبيع المباشر وآخر للبيع بالتقسيط، فهل هو أمر جائز ؟
ج/ المفروض هو يضع سعراً كلياً للبيع المباشر، وسعر القسط للبيع بالأقساط.
وعموماً إذا عمل وفق الضوابط التي وضعتها لك أعلاه فلا إشكال في أن يضع سعرين للبيع المباشر والأقساط. هذا طبعاً بالنسبة للبائع والمشتري؛ الاثنين لا إشكال في عملهم.


س/ في سؤالي الأخير، أنقل لك سؤالاً وجواباً سابقاً بخصوص البيع بالتقسيط:
[ البيع بالآجل مع زيادة الثمن ربا، ولكن السؤال: مَن الذي يُحدّد سعر المادة، لأنّ منهم من يقول إني أبيع بيع واحد وهو كلّه بالتقسيط ولكن السعر أعلى من سعر السوق، وسؤالي عن المقياس المأخوذ بنظر الاعتبار، فهل هو سعر السلعة في السوق، أم أنّ صاحب المحل نفسه هو من يحدد السعر ؟
ج/ الذي يُحدّد السعر صاحب المحل، يعني هو إذا قال: أبيع بهذا الثمن الآن وأبيع بثمن أعلى بالآجل فيكون ربا، أما زيادة السعر عن السوق فليس بقياس؛ حيث إنّ التجار يضعون أسعار مختلفة بحسب ما يناسب وضع كل واحد منهم. السعر إذا كان عالٍ بشكل كبير أيضاً إشكال ].
والسؤال: عبارة "يعني هو إذا قال: أبيع بهذا الثمن الآن وأبيع بثمن أعلى بالآجل فيكون ربا"، قد يفهم منها أنّ جواز البيع بالتقسيط عند عدم تجاوز الفائدة الحد الأعلى للربح في سوق البلد كما عرفناه يعد ناسخاً لما في هذا الحكم، وعموماً نود أن تحدثنا ولو باختصار عن مسألة النسخ.
ج/ أي حكم شرعي أطرحه مستقبلاً يتعارض مع حكم سابق يعتبر ناسخاً له فيعمل بالحكم الأخير. كذا أي إمام يضع حكماً يعتبر ناسخاً لحكم الإمام السابق إن تعارض الحكمان.
هذه قاعدة عامة ضعها أمامك في كل الأحوال، سواء وأنتم تدرسون أو أي شيء آخر.
هذه القاعدة أيضاً تنطبق على أحكام الأئمة السابقين، فمثلاً: التعارض بين حكم الإمام الرضا والإمام الصادق لا يحتاج إلى بحث في حال ثبت كلاهما، فحكم الإمام الرضا ينسخ حكم الإمام الصادق (عليهما السلام).
والنسخ له أسباب كثيرة، لكن عندما يكون في حياة نفس الخليفة الإلهي فعادة سببه القابل أو الناس لأنهم طبعوا على أمور كثيرة خاطئة والأحكام الشرعية أهونها، فتترك حتى حين.
مثلاً في العدة في القرآن، فالقرآن جاراهم في حكم الأحناف السابق حتى حين، قال تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة:240].
ثم جاء حكم نسخه في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234].
القبلة: فالقبلة أرادها امتحان لهم فجعلها في وقت باتجاه ثم في وقت آخر اتجاه آخر... الخ.
عموماً بخصوص هذه الدعوة إذا تقرأ في بداية "الشرائع" قلت كلاماً إنّ الأحكام المذكورة مناسبة لوقت محدد، "أن أُبين ما يقال وحضر أهله وحان وقته وأن أحيل ما لم يحن وقته إلى وقته".
نسأل الله أن ييسر الأمور لبيان ما يريد الله سبحانه.

احمد الحسن
8/ شعبان/ 1439هـ


السائل / واثق الحسيني
8/ شعبان/1439هـ