الخطبة الاولى:

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الحمدلله مالك الملك، مجري الفلك مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها. اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انصار الله، ... ان شاء الله موضوعنا اليوم سيكون عن الدنيا، وما أثر الارتباط بها ؟ ...

المتشابهات ج2 [ سؤال/ 26: ما معنى الآية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ([38]) ؟ وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ([39]). وهل هذه الآيات تنفي الشفاعة؟
الجواب: هذه الآيات لا تنفي الشفاعة مطلقاً.
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً﴾: أي خافوا يوماً، وهذا اليوم هو يوم الموت، أي ساعة الموت أو لحظات الموت. ومع أنّ شفاعة من له شفاعة تنفع كل ساعة في الدنيا وبعد الموت في القبر والبرزخ والقيامة ولكن لا شفاعة عند الموت لأحد، بل ولا يقبل عند الموت عدل ولا عمل صالح.
وهذا بسبب أنّ الموت هو نزع الروح عن الجسد، وهذا النزع أو الأخذ أو الاستيفاء لابد أن يرافقه تقطيع علائق الروح مع الدنيا، وهذه العلائق بحسب كثافتها وكثرتها يكون اشتباك الروح مع الجسد كثيفاً، فلابد أن يرافق تقطيع هذه العلائق آلام ولا تنفع شفاعة الشافعين لمنعها أو إزالتها، بل ولا ينفع عمل الإنسان في رفع أو إزالة هذه الآلام.
﴿لا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: وذلك لأن تعلق الإنسان بالدنيا (البيت والزوجة والأولاد والمال وغيرها من المتعلقات الدنيوية) هو عبارة عن حبال عقدها الإنسان بنفسه ولا خروج للروح من الدنيا ولا انفصال له عن الجسد دون قطع هذه الحبال والعلائق، ولا ينجو من آلام الموت إلا من رافق الدنيا بجسده وروحه معلقة بالملأ الأعلى، وهؤلاء هم المقربون، قال أمير المؤمنين (ع) ما معناه: (إنما كنت جاراً لكم، جاوركم بدني أياماً) ([40])، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾.
ولا تنفع الشفاعة ولا ينفع العمل الصالح في لحظات الموت، إلا في حالة واحدة وهي حالة خرق القانون التكويني، وذلك بأن يصبح تقطيع هذه الحبال غير مؤلم، كما أصبحت نار إبراهيم (ع) غير محرقة، أو أنها لم تؤثر فيه لمانع ما شاء الله أن يجعله فيه (ع). وهذا الخرق للقانون التكويني لا نرى أنه من الأمور المعتادة، بل لا يحصل إلا في حالات تتعلق بوجود الله سبحانه أو علاقته سبحانه وتعالى بأمر أو شخص ما، وتأييده بهذا الخرق للقوانين التكوينية.
ولذا فإنّ أصحاب اليمين - وهم دون المقربين - ومع أنهم من أصحاب الجنة لا ينجون من عذاب الموت، فقد سكت عن حالهم سبحانه وتعالى في حال الموت، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ ([41])، أي لم يعرض لحالة الشخص عند الموت إن كان من أصحاب اليمين، مع أن الآيات من آخر (سورة الواقعة) كانت لبيان حالة الموت ([42])، ولكنه عرض لحالهم بعد الموت، فقال للنبي سلام لك من أصحاب اليمين.
ومن أعظم الأمثلة التي تتجلى فيها صورة هذه الأصناف الثلاثة أي: (المقربين، وأصحاب اليمين، والمكذبين الضالين) هي امتحان طالوت للجنود الذين معه، فلما مرَّ بأرض قفر وعطشوا ثم عرض لهم النهر في الطريق، قال لهم طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ ([43])، أي من لم يطعمه فإنه من المقربين، ومن اغترف غرفة هو من أصحاب اليمين، ومن شرب فهو من المكذبين الضالين، فلو كان مصدقاً أن طالوت ملكٌ معينٌ من الله سبحانه وتعالى لأتمر بأمره ولم يشرب من الماء.
وهذا التكذيب هو تكذيب لله سبحانه وتعالى لا لطالوت فقط، وهذا النهر هو: الحياة الدنيا فمن لم يطعمها من المقربين الذين قطعوا علائقهم بها فلا يحتاج أخذ أرواحهم إلى قطع أي علائق أو حبال، ومن اغترف منها فهو يحتاج عند استيفاء روحه إلى قطع حباله التي عقدها بنفسه، وكلما زادت زاد ألمه. أما من شرب منها حتى أسكرته وأمسى لا يعي ما يقول، فهذا عند موته يرى أنه كان يعيش على شفا جرف هارٍ، وموته هو : انهيار هذا الجرف به في نار جهنم.
ويبقى السبيل لأنْ يكون الإنسان من المقربين مع أن له زوجة ومال وولد ودار وما لأهل الدنيا هو أن ينهج بماله منهج الأئمة (ع) عندما أنفقوا على الفقراء والمساكين وخصوصاً اليتامى بلا حدود. وأما الأولاد فينذرهم لوجه الله سبحانه مجاهدين يجاهدون لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، لعلَّ الله يتقبلهم بقبول حسن وينبتهم نباتاً حسناً. وأما الزوجة فيجعل صداقها هو السعي بها إلى الله سبحانه وتعالى، ويتحرى أن يوصلها إلى مقامات عالية في طاعة الله سبحانه وتعالى ومعرفة الله سبحانه وتعالى ما أمكنه ذلك. ]

[40]- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج9 ص116.
[42]- قال تعالى: (فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * ترْجِعُونَهَا – أي الروح – إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) الواقعة : 86، وما بعدها.

(فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [سورة الواقعة 83 - 96]
نكمل في الخطبة الثانية ان شاء الله...

هذا والحمدلله رب العالمين
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [سورة الناس]





***





الخطبة الثانية:

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَمينِكَ، وَصَفِيِّكَ، وَحَبيبِكَ، وَخِيَرَتِكَ مَنْ خَلْقِكَ، وَحافِظِ سِرِّكَ، وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكَ، اَفْضَلَ وَاَحْسَنَ، وَاَجْمَلَ وَاَكْمَلَ، وَاَزْكى وَاَنْمى، وَاَطْيَبَ وَاَطْهَرَ، وَاَسْنى وَاَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ، وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ عَلى اَحَد مِن عِبادِكَ وَاَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، وَصِفْوَتِكَ وَاَهْلِ الْكَرامَةِ عَلَيْكَ مِن خَلْقِكَ، اَللّـهُمَّ وَصَلِّ عَلى عَليٍّ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ، وَوَصِيِّ رَسُولِ رَبِّ الْعالَمينَ، عَبْدِكَ وَوَليِّكَ، وَاَخي رَسُولِكَ، وَحُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ، وَآيَتِكَ الْكُبْرى، وَالنَّبأِ الْعَظيمِ، وَصَلِّ عَلَى الصِّدّيقَةِ الطّاهِرَةِ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ، وَصَلِّ عَلى سِبْطَيِ الرَّحْمَةِ وَاِمامَيِ الْهُدى، الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَيْ شَبابِ اَهْلِ الْجَّنَةِ، وَصَلِّ عَلى اَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ، عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيٍّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد، وَمُوسَى بْنِ جَعْفَر، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد بن محمد والمهديين من ولده ، حُجَجِكَ عَلى عِبادِكَ، وَاُمَنائِكَ في بِلادِكَ صَلَاةً كَثيرَةً دائِمَةً...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنصار الله، ... (نكمل موضوعنا الذي ابتدأناه في الخطبة الأولى)

الجواب المنير ج2 [ السؤال/ 95: بسم الله الرحمن الرحيم، السيد أحمد الحسن (ع)، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1- إذا كانت الأنفس في نهاية السماء الدنيا وبداية الأولى وترتبط بالجسد ارتباط تدبير، فما معنى نزع النفس من الجسد عند الموت ؟ ... المرسل: ميثم برزان
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليماً.
ج1: نعم، المفروض أنه لا يوجد نزع للنفس، بل فقط أمرها بالرجوع إلى بارئها وخروج النطفة تبعاً لذلك (والمقصود ليس النطفة المنوية، بل النطفة التي نزلت من عالم الذر وخلق منها الانسان) هذا إذا كان الإنسان على الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾([169]).
لكن الحاصل أنّ أكثر الناس قد اشتغلت أنفسهم بعشق هذا العالم الجسماني، وامتدت من أنفسهم جذور ارتبطت بأوتاد هذا العالم الجسماني، فكيف يمكن أن تفصل هذه الأنفس عن هذا العالم الجسماني إلاّ بتقطيع هذه الجذور، أو الحبال المشدودة بقوة بأوتاد هذا العالم الجسماني؛ ولذا تكون الآم الموت (أي بسبب تقطيع هذه الجذور وهذه الحبال)؛ ولذا أيضاً لا توجد شفاعة للخلاص من الآم الموت؛ لأنّه لا يحصل موت المتعلق بالدنيا إلاّ بها.
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾([170]).
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾([171]).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾([172])، فهذا اليوم الذي تكون الشفاعة فيه ممتنعة هو يوم الموت، فأنت إذا فهمت ما تقدّم تعلم أنّه لا معنى للشفاعة هنا؛ لأنّه لابد من قطع هذه الجذور ليحصل الموت والخلاص من هذا العالم الجسماني، وهذا القطع يرافقه الألم حتماً.
ج2: ... ]

[ ... فإذا كان رسول الله (ص)حي عند الله سبحانه وتعالى، والقرآن أثبت الشفاعة العامّة المطلقة غير المقيدة إلاّ بإذن الله سبحانه، فما الوجه لنفي شفاعة النبي (ص)بإذن الله - وهو حي عند الله - لمن شاء الله من الأحياء أو الأموات؟ بلى هناك شفاعة واحدة نفاها القرآن، وهي الشفاعة عند الموت.
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾([88]).
والآية تحذّر الإنسان وتدعوه إلى الخشية من يوم سيأتي عليه لن يشفع له فيه أحد، وهذا اليوم الآتي، أمّا يوم الموت، أو يوم القيامة، وبما أنّ الشفاعة ثابتة في يوم القيامة، يبقى يوم الموت فقط. وهذا ما ورد عن أئمة أهل البيت (ع) إنّ الشفاعة المنفية هي عند الموت فقط، راجع تفسير الصافي وغيره عن هذه الآية للإطلاع على الروايات ([89]).
وأوّلَ بعض المفسرين الشفاعة في الآية، أنّها الشفاعة الباطلة التي ادعاها المشركون بأصنامهم وأوليائهم أعداء الله لعنهم الله.
وهذا التأويل غير دقيق؛ لأنّ الآية تنفي الشفاعة في وقت معين، بل إنّ الآية تنفي شفاعة من له شفاعة في هذا اليوم، وهو يوم الموت، فسكرات الموت والآلام العظيمة عند خروج الروح من البدن لا ينجو منها إلاّ من صاحبوا الناس بأبدانهم، وأرواحهم معلّقة بالملأ الأعلى، فالإنسان إذا أقحم روحه في الدنيا والمادة إقحاماً شديداً أو كثيفاً وتعلّق بها بعلائق كثيرة، أمسى إخراجه منها يحتاج إلى قطع كل تلك العلائق، أمسى إخراج روحه من بدنه كإخراج الحسكة من الصوف، وهذه الحالة إذا تدبّرناها جيداً علمنا أنّه أصلاً لا تتصور الشفاعة فيها؛ لأنّها تتطلب خرق للنظم الكونية والقوانين الإلهية والتي لم نرَ إنّها خُرقت على طول المسيرة الإنسانية في هذه الأرض، إلاّ في حالات نادرة؛ لإثبات وجود الله ،كعدم إحراق النار لإبراهيم (ع)، مع أنّ هذه الحالة نفسها لو تعمّقنا فيها لم نجدها خرقاً لقانون كوني، فربما كانت نار إبراهيم محرقة، وبدن إبراهيم قابل للاحتراق، ولكنّه عُزل عنها بعازل، وفُصل منها بفاصل، والله أعلم. ... ]

[89]- تفسير الصافي : ج1 ص127، شرح الأسماء الحسنى : ص234.

(٤٨) واتقوا يوما وقت النزع لا تجزي نفس عن نفس شيئا لا تدفع عنها عذابا قد استحقته ولا يقبل وقرئ بالتاء منها شفاعة بتأخير الموت عنها ولا يؤخذ منها عدل أي فداء مكانها تمات وتترك هي ولا هم ينصرون.
أقول: يعني في دفع الموت والعذاب.
وفي تفسير الإمام الصادق (عليه السلام) هذا يوم الموت فان الشفاعة والفداء لا يغني عنه فأما في القيامة فانا وأهلنا نجزي عن شيعتنا كل جزاء لنكونن على الأعراف بين الجنة والنار محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبون من آلهم (ع) فنرى بعض شيعتنا في تلك العرصات فمن كان منهم مقصرا وفي بعض شدائدها فنبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار ونظرائهم في العصر الذي يليهم ثم في كل عصر إلى يوم القيامة فينقضون عليهم كالبزاة والصقور ويتناولونهم كما يتناول البزاة والصقور صيدها فيزفونهم إلى الجنة زفا وانا لنبعث على آخرين من محبينا خيار شيعتنا كالحمام فيلتقطونهم من العرصات كما يلتقط الطير الحب وينقلونهم إلى الجنان بحضرتنا وسيؤتى بالواحد من مقصري شيعتنا في أعماله بعد أن حاز الولاية والتقية وحقوق إخوانه ويوقف بإزائه ما بين ماءة وأكثر من ذلك إلى ماءة ألف من النصاب فيقال له هؤلاء فداؤك من النار فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنة وأولئك النصاب النار وذلك ما قال الله عز وجل * (ربما يود الذين كفروا) * يعني بالولاية لو كانوا مسلمين في الدنيا منقادين للإمامة ليجعل مخالفوهم من النار فداؤهم. تفسير الصافي ج١ ص127 ص١٢٨

نختم بهذا الدعاء... الجواب المنير ج2 من السؤال93 [ ... وطلبت دعاء للهداية والرزق فأوصيك بصلاة الليل، وهذا الدعاء بعدها وهو دعاء زين العابدين علي ابن الحسين (ع): (إلهي غارت نجوم سمائك، ونامت عيون أنامك، وهدأت أصوات عبادك وأنعامك، وغلقت الملوك عليها أبوابها، وطاف عليها حراسها، واحتجبوا عمّن يسألهم حاجة أو ينتجع منهم فائدة، وأنت إلهي حي قيوم لا تأخذك سنة ولا نوم ولا يشغلك شيء، أبواب سمائك لمن دعاك مفتحات، وخزائنك غير مغلقات، وأبواب رحمتك غير محجوبات، وفوائدك لمن سألك غير محظورات، بل هي مبذولات، أنت إلهي الكريم الذي لا ترد سائلاً من المؤمنين سألك، ولا تحتجب عن أحد منهم أرادك، لا وعزّتك وجلالك، ولا تختزل حوائجهم دونك، ولا يقضيها أحد غيرك، وقد تراني ووقوفي وذل مقامي بين يديك، وتعلم سريرتي وتطلع على ما في قلبي، وما يصلح به أمر آخرتي ودنياي.
اللهم إن ذكر الموت وأهوال المطلع والوقوف بين يديك نغصني مطعمي ومشربي وأغصني بريقي، وأقلقني عن وسادي ومنعني رقادي، كيف ينام من يخاف ملك الموت في طوارق الليل وطوارق النهار، بل كيف ينام العاقل وملك الموت لا ينام لا بالليل ولا بالنهار، ويطلب روحه بالبيات وفي آناء الساعات، (وكان (ع)) يسجد بعد هذا الدعاء ويلصق خده بالتراب، (ويقول): أسألك الروح والراحة عند الموت والعفو عني حين ألقاك). ]

هذا والحمدلله رب العالمين، وأستغفر الله لي ولكم
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر]