في أن الحاج هم الموالون لمحمد وعلي (عليهما الصلاة والسلام )

قال علي بن الحسين عليهما السلام : وهو واقف بعرفات للزهري:
كم تقدر ههنا من الناس؟ ..
قال: أقدر أربعة آلاف ألف وخمسمائة ألف كلهم حجاج قصدوا الله بآمالهم ويدعونه بضجيج أصواتهم ..
فقال له: يا زهري ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج ! ..
فقال الزهري: كلهم حجاج، أفهم قليل ؟ ..
فقال له: يا زهري أدن لي وجهك فأدناه إليه، فمسح بيده وجهه، ثم قال : انظر
فنظر إلى الناس، قال الزهري: فرأيت أولئك الخلق كلهم قردة ، لا أرى فيهم إنسانا إلا في كل عشرة آلاف واحدا من الناس ..
ثم قال لي: ادن مني يا زهري ..
فدنوت منه، فمسح بيده وجهي ثم قال: أنظر. فنظرت إلى الناس، قال الزهري:
فرأيت أولئك الخلق كلهم خنازير، ثم قال لي: ادن لي وجهك فأدنيت منه، فمسح بيده وجهي، فإذا هم كلهم ذئبة إلا تلك الخصائص من الناس نفرا يسيرا.
فقلت: بأبي وأمي يا بن رسول الله قد أدهشتني آياتك، وحيرتني عجائبك !
قال: يا زهري ما الحجيج من هؤلاء إلا النفر اليسير الذين رأيتهم بين هذا الخلق الجم الغفير.
ثم قال لي: امسح يدك على وجهك
ففعلت، فعاد أولئك الخلق في عيني ناسا كما كانوا أولا.
ثم قال لي: من حج ووالى موالينا، وهجر معادينا، ووطن نفسه على طاعتنا، ثم حضر هذا الموقف مسلما إلى الحجر الأسود ما قلده الله من أماناتنا، ووفيا بما ألزمه من عهودنا، فذلك هو الحاج، والباقون هم من قد رأيتهم.
يا زهري حدثني أبي عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:
ليس الحاج المنافقين المعادين لمحمد وعلي ومحبيهما الموالين لشانئهما.
وإنما الحاج المؤمنون المخلصون الموالون لمحمد وعلي ومحبيهما، المعادون لشانئهما، إن هؤلاء المؤمنين الموالين لنا، المعادين لأعدائنا لتسطع أنوارهم في عرصات القيامة على قدر موالاتهم لنا.
فمنهم من يسطع نوره مسيرة ألف سنة.
ومنهم من يسطع نوره مسيرة ثلاثمائة ألف سنة وهو جميع مسافة تلك العرصات.
ومنهم من يسطع نوره إلى مسافات بين ذلك يزيد بعضها على بعض على قدر مراتبهم في موالاتنا ومعاداة أعدائنا، يعرفهم أهل العرصات من المسلمين والكافرين بأنهم الموالون المتولون والمتبرؤون.
يقال لكل واحد منهم: يا ولي الله انظر في هذه العرصات إلى كل من أسدى إليك في الدنيا معروفا، أو نفس عنك كربا، أو أغاثك إذ كنت ملهوفا، أو كف عنك عدوا، أو أحسن إليك في معاملته، فأنت شفيعه.
فإن كان من المؤمنين المحقين زيد بشفاعته في نعم الله عليه، وإن كان من المقصرين كفى تقصيره بشفاعته، وإن كان من الكافرين خفف من عذابه بقدر إحسانه إليه.
وكأني بشيعتنا هؤلاء يطيرون في تلك العرصات كالبزاة والصقور، فينقضون على من أحسن في الدنيا إليهم انقضاض البزاة والصقور على اللحوم تتلقفها وتحفظها فكذلك يلتقطون من شدائد العرصات من كان أحسن إليهم في الدنيا فيرفعونهم إلى جنات النعيم.
وقال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام : يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله إنا إذا وقفنا بعرفات وبمنى ، ذكرنا الله ومجدناه، وصلينا على محمد وآله الطيبين الطاهرين، وذكرنا آباءنا أيضا بمآثرهم ومناقبهم وشريف أعمالهم , نريد بذلك قضاء حقوقهم فقال علي بن الحسين عليهما السلام: أولا أنبئكم بما هو أبلغ في قضاء الحقوق من ذلك؟
قالوا: بلى يا بن رسول الله. قال: أفضل من ذلك أن تجدّدوا على أنفسكم ذكر توحيد الله والشهادة به، وذكر محمد صلى الله عليه وآله رسول الله، والشهادة له بأنه سيد النبيين ، وذكر علي عليه السلام وليّ الله، والشهادة له بأنه سيد الوصيّين، وذكر الأئمة الطاهرين من آل محمد الطيبين بأنهم عباد الله المخلصين.

تفسير الإمام العسكري (ع) - المنسوب إلى الإمام العسكري (ع) - الصفحة ٦٠٨