قال تعالى{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (الأنبياء/22)، هذه الآية الكريمة نص من النصوص الكثيرة التي يحفل بها كتاب الله الكريم توضح للناس كافة وبشكل لا لبس فيه أن ما يصطلح عليه بـ(التعددية الديمقراطية) في الحكم والقيادة هو مدعاة فساد، فتعددية الحكم والقيادة تستلزم التعددية في القرار، والتعددية في الأمر، وهذه التعددية تثمر حالين أيسرهما مر فاسد، وهما؛ إما التشتت في العمل، أو التنازع والتصادم، وكلا الحالين تعيش عليهما الديمقراطية ويشهد عليها فيهما واقعها المؤلم الذي لم تحصد من ورائه الأمم والشعوب التي تراهقها اليوم غير الفساد وهلاك الحرث والنسل.


ولذا فمحاولات سحب الديمقراطية إلى ساحة الإسلام أو بالعكس، أي محاولة أسلمة الديمقراطية أو دمقرطة الإسلام هي محاولة ـ في أعلى حالات حسن الظن بها ـ محاولة بائسة تفضح حقيقة ما انطوت عليه النفوس من تنازع وصراع بين ما هو قيمي أصيل ثابت، وبين ما هو مادي شهواني بهيمي، وما تلك المحاولات في التقريب والتوليف إلا هي من عينة قول الشاعر: (ما أجمل الدين والدنيا لو اجتمعا) وواقع الحال أنهما لا يجتمعان في قلب إنسان أبدا، قال تعالى{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ...}(الأحزاب/4)، وما يشهده واقع الأمة اليوم لهو خير دليل على تهافت وهم أسلمة الديمقراطية، أو دمقرطة الإسلام، لأن هذا الأمر من الاستحالة بمكان، ولذلك نرى في نهاية المطاف الاحزاب المتنافسة على السلطة تكشر عن أنيابها وتبدأ مرحلة التصفيات فيما بينها، وتتدخل البلاد والعباد في أتون صراع يأكل الأخضر واليابس فلا يبقي ولا يذر!!!


إن ما غفل عنه القارئ السياسي الدولي أن ما يسمونه منطقة الشرق الاوسط لها خصوصية تميزها عن كل بقاع الأرض، وخصوصيتها أنها على مر الزمان كانت مهدا لحاكمية الله، وبؤرة الصراع الساخنة التي لا تهدأ بوجه حاكمية الناس بكل أصنافها وتنوعاتها، ولعل من ينظر إلى حال العراق بوصفه البلد الذي أريد له أن يكون منطلق إجهاض لحاكمية الله في المنطقة، يجد أن حاله في الدكتاتورية والديمقراطية لم يتغير ولم يتبدل بل على العكس انحدر وتسافل أكثر وأكثر، ففي زمن طاغوتية الديكتاتور كان القرار فرديا، والناس ليس عليها سوى التطبيق، اما في الديمقراطية اليوم وارتفاع حمى التنافس السلطوي بين الأحزاب والتيارات صنعت تعددية في القرار جعلت البلد يراهق الانقسام والتشرذم، وهذا قطعا ليس هو ما يريده الدين.

إن الدين يعمل على توحيد منظومة الحكم، وجعلها تعمل بنظام التنصيب الإلهي بوصفه سبحانه المالك الحقيقي للوجود، وهو يعلم ما يصلح هذا الكون الذي أوجده بقدرته، ومن ثم فتنصيبه لخلفائه تنصيب لا يعد بتحقيق العدالة النسبية على الأرض، بل يعمل على تطبيق العدالة الحقيقية التي تعطي لكل ذي حق حقه، وبصدق ورحمة لا يمكن لأي حاكمية أن تحققها غير حاكمية الله. لاشك في أن مشروع الديمقراطية هو ثمرة السعي المحموم باتجاه حاكمية الناس، ولكن هذه الثمرة فسادها واضح بين لا يحتاج إلى ثاقب نظر ليدركه القارئ السياسي المتخصص أو حتى القارئ الاعتيادي، وما يعانيه المسلمون اليوم هو (شيزوفرينيا) حقيقية، فهم يؤدون طقوس الإسلام العبادية، ويتعبدون عمليا في محراب الوثنية الديمقراطية، وقد زرعوا في رؤوسهم وهماً يقول: إن رسول الله(ص) غادر هذا العالم ولم يترك دولة أو نظام دولة، بل كل الذي تركه دعوة أخلاقية عقائدية كان عودها أخضر طرياً، أما الحكم وأنظمته ومؤسساته فقد اجتهد في صنعها خلفاء السقيفة الذين جاؤوا بعده!!!


وبغض النظر عن القول: إن هذا التوهم هو إساءة بالغة جداً إلى مقام القدس الإلهي، واتهام واضح وصريح بل وطعن مؤلم بحكمة الحكيم وعلمه، فالحق سبحانه الذي بعث النبي(ص) لكي يؤسس لدولة العدل الإلهي ويضع حجر الأساس لها، هل يُعقل أن يغادر الدنيا من دون أن يتم عمله؟؟!! لو لم يكن هناك نظاما للحكم كان قد أسس له النبي(ص) كيف تسنى لخلفاء السقيفة أن يقودوا الأمة وهم يجهلون أبسط التشريعات فما بالك بالنظام المؤسسي الذي يدبر شؤون الأمة؟؟ فالقاعدة تقول: فاقد الشيء لا يعطيه، فلو لم يترك رسول الله(ص) دولة ذات منظومة مؤسساتية لما تمكن مهندسو السقيفة من إدارة دفة الحكم وسياسة البلاد وقيادة العباد، فكل الذي عملته السقيفة ومهندسوها أنهم تآمروا على السلطة التنفيذية للنظام، لكنهم لم يستطيعوا أن يتلاعبوا بالنظام، لأنهم لو فعلوا لافتضحوا أمام الجميع، وأيضا لو لم يكن هناك نظام، لكان الإسلام اليوم هو دين السقيفة لا دين محمد(ص)!!


إذن ما يتبين للقارئ أن محاولات تزويج الإسلام للديمقراطية هي محاولات بائسة، وعقد قران هزيل فاشل تماما، فالديمقراطية نظام عاقر، والاسلام نظام ولود نامٍ متطور، بينما الديمقراطية نظام جامد استاتيكي لا يستجيب لحالة التطور، وكل ما يشي بالتطور فيه إنما هو خدعة تطور وليس تطورا حقيقيا، فالديمقراطية تلعب على وتر الأغلبية والمعارضة، وكل من الطرفين يتنازعان بساط السلطة، وهذا حالهما منذ بدأت الديمقراطية فكرة ثم استحالت نظرية ثم جثمت على صدر الواقع تطبيقا، ليس هناك من تجديد حقيقي في آلياتها، ولا تطور يكشف عن نمو منظومتها، فهي منظومة مع تقدم عمرها ينخر الفساد في جسدها وتكشف السنين وعوامل التعرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية عن وجهها الحقيقي القبيح، ولذا ما تطرحه حاكمية الله اليوم من مشروع ليس هو حلما طوباويا، بل هو حقيقة راسخة رسوخ اليقين الذي ولدها، وإن الناس صائرة إليها طوعا أو كرها، ولا سبيل أمام البشرية غير حاكمية الله، والتسليم والطاعة لخلفائه الذين نصبهم قادة وساسة للعباد والبلاد، قال تعالى{أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}(آل عمران/83).

والحمد لله وحده وحده وحده.

ــــــــــــــــــــــ
المصدر / الدكتور زكي الصبيحاوي