نبذة
هو جعفر بن ابی طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف . و من جهت الام فاطمه بنت اسد بنت هاشم
ابن عم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأخو الإمام علي(عليه السلام)، وعم الإمامينِ الحسن والحسين(عليهما السلام).
ولادته وإسلامه رضوان الله عليه وسلامه.
ولد صلوات الله عليه واله بمكة المكرمة بعد عام الفيل بعشرين سنة، وهو ما أجمعت عليه أصدق الكتب، وكان من المسلمين الأوائل، فقد أسلم بعد إسلام أخيه الإمام علي(عليه السلام) بقليل، وهو ثاني مَن صلّى مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) من الرجال في أوّل جماعة عُقدت في الإسلام، وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته الطاهرة أسماء بنت عميس الخثعمية سلام الله عليها.

هجرته وصبره الی ارض الحبشه
هاجر عليه رضوان الله وسلامه الهجرتين الحبشة والمدينة المنورة، وكانت هجرته إلى الحبشة وعمره خمسة وعشرون سنة، وذلك بعد أن خاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه فاختار لهم الهجرة إلى الحبشة، وقال لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد)، فخرج عليه رضوان الله وسلامه وأصحابه إليها. وهناك تصدر عليه رضوان الله وسلامه المسلمين أمام النجاشي ملك الحبشة، فكأول سفير عرفت به الإنسانية معنى السفارة، وأول متحدث رسمي ناب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خارج مكة المكرمة في شرح الإسلام والتعريف بالنبي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم.
فلما علمت قريش بذلك، أرسلت ورائهم عمرو بن العاص و عبدالله بن أبي ربيعة وقيل عمارة بن الوليد وأرسلت معهما هدايا عظيمة إلى النجاشي؛ أملاً في أن يدفع إليهم جعفر وأصحابه، فكان بذلك الموقف من أشد المواقف على سيدنا جعفر عليه رضوان الله وسلامه. وبالرغم من ذلك، فقد أدى أمانة التمثيل حق أدائها، وهو يرى المسلمين يلوذون به وهو الشبيه برسول الهدى صلى الله عليه وآله وسلم خُلقاً وأخلاقاً، والسفير القائم بأمره، فوقف عليه رضوان الله وسلامه بحزم وثبات وعزيمة لم تشهد من قبل لغيره، يوم سأله النجاشي: "يا جعفر، ما يقول هؤلاء؟" فقال عليه رضوان الله وسلامه: "وما يقولون؟" قال النجاشي: "يسألوني أن أردكم إليهم". فقال عليه رضوان الله وسلامه: "أيها الملك، سلهم أعبيد نحن لهم؟" فقال عمرو: "لا، بل أحرار كرام". قال جعفر عليه رضوان الله وسلامه: "فسلهم، ألهم ديون يطالبوننا بها؟" قال عمرو: "لا، ما لنا عليكم ديون". قال عليه رضوان الله وسلامه: "فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا إياها؟" قال عمرو: "لا". فقال جعفر عليه رضوان الله وسلامه: "فما تريدون منا؟! آذيتمونا فخرجنا من بلادكم". ثم وجه حديثه للنجاشي

وألقى خطبته الشهيرة التي سطرها التاريخ، وقال: "أيها الملك، إنا كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى عبادة الله وحده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم. فصدقناه وآمنا به. فعذبنا قومنا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما ظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك، أيها الملك"

ثم قرأ عليه صدراً من سورة مريم. فقال النجاشي: "إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة" ثم قال لعمرو وصاحبه: "انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون". فعاد عمرو في يومه الثاني ليملأ قلب النجاشي على المسلمين. فلما سأل النجاشي عن ذلك، قال له جعفر عليه رضوان الله وسلامه: "هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه". عند ذلك أعلن النجاشي أن هذا هو ما قاله عيسى عن نفسه، ثم قال للمسلمين: "اذهبوا، فأنتم آمنون بأرضي، ومن سبكم أو آذاكم فعليه ما يفعل"، ثم رد إلى قريش هداياهم فعادوا خاسرين.
أخرجه ابن خزيمة في صحيحه و اخرجه الطبري في "الذخائر" وابن هشام في سيرته وابن الجوزي في "المنتظم" والذهبي وغيرهم الكثير

عودت جعفر الطيار وصحبه من الحبشة
لبث صلوت الله عليه وزوجته والمسلمين بالحبشة سنين عدة، رزق خلالها بأولاده الاربعة محمد وعبد الله وعون ونعمى بنت جعفر. ثم عاد بعد ذلك وزوجته وأبناؤه والمسلمون وأهل السفينة الأشعريين معه من الحبشة بعد فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة، ففرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به فرحاً كبيراً وعانقه والتزمه وقبله بين عينيه وهو يقول: "ما أدرى بأيهما أنا أشد فرحاً، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟". ثم أسهم لهم من غنائم خيبر، وبنى له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم داراً بجوار المسجد النبوي ليقيم فيها هو وزوجته أسماء بنت عميس وأولادهما الاربعة.

فكان أناس من الناس يقولون للانصار العائدين من الحبشة الى المدينة -يعني لأهل السفينة- سبقناكم بالهجرة.... ودخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم على حفصة زوج النبي صلَّى الله عليه وسلَّم زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال حين رأى أسماء: «من هذه؟»، قالت: «أسماء ابنة عميس»، قال عمر: «الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟»، قالت أسماء: «نعم»، قال: «سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منكم»، فغضبت وقالت: «كلا والله كنتم مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار -أو في أرض- البعداء والبغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأيم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه»، فلما جاء النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قالت: «يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا»، قال: «فما قلت له؟»، قالت: «قلت كذا وكذا»، قال: «ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان»، قالت: «فلقد رأيت أبا موسى وأهل السفينة يأتوني أرسالاً يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شئ هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم».[40] البداية والنهاية، ج4 ص233-234

واقعة مؤتة التي استشهد فيها .
وفي جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، وقبل أن يتم سيدنا جعفر بن أبي طالب عليه رضوان الله وسلامه عاماً كاملاً في المدينة المنورة، كان للصقر الهاشمي موعد للقاء الله تعالى في أحسن حلة وأعظم حال وأشرف قدوم على رب العزة والجلال. وذاك أن الحبيب الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أرسل الحارث وقيل (الحرث) بن عمير الأزدي رسولاً إلى ملك بُصرى، فلما كان لدى شرحبيل بن عمرو بن جبلة الغساني، والي البلقاء الواقع تحت الحماية الرومانية؛ وثقه رباطاً، وقدمه وضرب عنقه. فنما الخبر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فغضب لذلك وقال: "فإن الرسل لا يُقتلُون ولا يُغدرُ بهم"، ثم أمر بتجهيز جيش من ثلاثة آلاف مقاتل، و لم يجتمع هذا العدد من المقاتلين المسلمين من قبل إلا في غزوة الأحزاب.
وبدأ الهجوم على المشركين بعد صلاه الفجر، وكان اليوم الأول هجوماً قوياً ومن صالح المسلمين بسبب أن الروم والغساسنة لم يتوقعوا من جيش صغير البدء بالهجوم.

استشهاده في موقعة مؤتة بأبي هو وأمي وروحي عليه رضوان الله وسلامه.
وفي اليوم الثاني بادر المسلمين بالهجوم وكان من صالح المسلمين وقتل كثير من الروم وحلفائهم، وأستمر الحال نفسه حتى اليوم السادس والنصر للمسلمين في الأيام الخمس الأولى. فلما كان اليوم السادس بادر الروم بالهجوم، وكان أصعب وأقوى الأيام. وفيه كان استشهاد زيد رضي الله عنه، فأخذ الراية من بعده أمير جند رسول الله جعفر عليه رضوان الله وسلامه، صقر لا يهاب الموت، ولا تتقهقر راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يده، يقود الجيش بكل عزيمة وثبات حتى أشتد البأس، فنزل عليه رضوان الله وسلامه من على فرسه ، وصاح ينادي بأعلى صلوته:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إذا لاقيتها ضرابها

فتكالب القوم أعداء الله عليه، فقطعت يمينه، فأبى أن تسقط راية العز، راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يده، فحمل الراية بيساره، فقطعت يساره، فازدادت العزيمة والإصرار على ثبات الراية خفاقة ولم يبق له سيف ولا درع سوى أن تحمل الراية عالية، فحملها بين عضديه وقد تجرد من سلاحه، فلقاه خصمه (قاتله الله شر قتلة) فشقه نصفين، فسقط الجسد الشريف الطاهر العظيم عليه رضوان الله وسلامه وبركاته بعد أن أبى إلا أن يلقى ربه ممزقاً بين يديه، وفيه بضع وتسعون بين طعنة ورمية ، ومضى مجاهداً في سبيل الله، صابراً محتسباً الجسد والروح لله تعالى. سيرة ابن هشام، ج2 ص378

بكاه النبي ص في شهادته وشم عياله
وقد روت عائشة قالت: "لما أتى وفاة جعفر عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحزن. ثم دخل على زوج جعفر، أسماء بنت عميس وقال لها: "ائتني ببني جعفر". فأتت بهم فشمهم ودمعت عيناه فقالت: "يا رسول الله بأبي وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟). قال: "نعم أصيبوا هذا اليوم". فقامت تصيح. ودخلت فاطمة الزهراء رضي الله عنها وهي تبكي وتقول: "واعماه". فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "على مثل جعفر فلتبك البواكي" وفي رواية "فلتبك الباكية". ورجع إلى أهله فقال: "لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاماً، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم". ودخل عليه من ذلك هم شديد حتى أتاه جبريل عليه السلام فأخبره أن الله تعالى قد جعل لجعفر جناحين مضرجين بالدم، يطير بهما مع الملائكة".
أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الاثير