بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلّ على محمد وآل محمد الائمة والمهديين وسلم تسليما كثيرا

كتب المؤلف السيد أحمد الحسن:
(فالآن معروف علميا بما لا يقبل الشك أن البشر الموجودون هم هومو سابينس، واصل الهومو سابينس معروف وتاريخ هجرة الهومو سابينس خارج أفريقيا معروف وطريق هجرتهم معروف أيضا).
كتاب وهم الالحاد ص٢٤.

إذاً، دعونا نطلع على ما تُرجم في هذا الصدد:

التنوع البشري للإنسان القديم:

( الإنسان العاقل الأول (هومو سابينس إيدالتو)، هو نوع منقرض شبيه بالإنسان، عاش في أفريقية قبل 160 ألف سنة مضت، ويقصد من اسمه أنه الإنسان العاقل البكر أو أول إنسان عاقل.
عثر على بقاياه في إثيوبيا (الحبشة) عام 1997 لكن لم يكشف عنها حتى 2003. وباستخدام التقنية الإشعاعية لتحديد العمر قدر عمره بما بين (154 و 160) ألف سنة. وقد عثر على ثلاث جماجم، إحداها جيدة الحفظ تعود لذكر بالغ بحجم دماغ قدره 1,450 سم3، وأخرى لذكر غير بالغ والثالثة لطفل يبلغ من العمر 6 سنوات.
يعتقد بأن هذا النوع هو السلف المباشر للإنسان العاقل الذي تطور بعيد ذلك الوقت بقليل. فالتشابه يشير إلى هذا كما أن البيانات التي تقدمها المستحاثات الأخرى استثنت إنسان نياندرتال من أي دور في ظهور الإنسان العاقل).

تيم وايت، مجلة نيتشر.
/الموسوعة الحرة.


-----------------------------------------------

( لم نكن وحدنا فيما مضى(*)

إن النوع هومو سَاپْيَانْس (الإنسان العاقل) هو النوع الوحيد من البشر الذي مازال

يعيش على الأرض. ونحن نعتبر هذا الأمر قضية مُسلَّما بها في الوقت الحاضر.

ومع ذلك فقد تقاسمت أنواع كثيرة من البشر كوكب الأرض

مدة أربعة ملايين سنة على الأقل. تُرى ما الذي يجعلنا مختلفين؟

<I. تتّرسول>

سيطر النوع هومو ساپيانس Homo sapiens (الإنسان العاقل) على الأرض خلال الخمسة والعشرين ألف سنة الماضية بعد أن تخلص من منافسيه من الأنواع الأخرى من الفصيلة البشرية. وكانت هذه المدة طويلة بقدر كاف لكي يتنامى لدينا شعور عميق بأن وجود النوع هومو ساپيانس وحده في العالم أمر طبيعي ومناسب تماما.
تَميّز النوع پارانثروپسْ بوازيي Paranthropus boisei بفكوك كبيرة مزودة بأسنان طاحنة ضخمة تناسب نظاما غذائيا نباتيا مفترضا. وتبعا لذلك فإن جمجمته مبنية بناء قويا، ولكن لم يُعرف ما إذا كان حجم جسمه أكبر كثيرا من حجم جسم الأسترالوپيثات «الرشيقة».
كان النوع هومو رودولفنسز Homo rudolfensis أحد أفراد البشر من ذوي الدماغ الكبير نسبيا الذي تميز بقحف من النمط KNM-ER 1470 المشهور. كانت جمجمته متميزة عن جمجمة النوع هومو هابيليس Homo habilis ذي الدماغ الأصغر، غير أن أبعاد جسمه النسبية غير معروفة فعليا.
تقاسمت أربعة أنواع من البشر عاشوا قبل نحو 1.8 مليون سنة مساحةً واحدة هي الآن جزء من شمال كينيا. وعلى الرغم من أن اختصاصيي علم الإنسان القديم لم يعرفوا ما إذا هذه الأنواع المختلفة قد تآثرت فيما بينها، أو كيف تآثرت، فإنهم يعرفون بالفعل أن الأنواع پارانثروپس بوازيي Paranthropus boisei وهومو رودولفنسِزْ Homo rudolfensis وهومو هابيليس Homo habilis وهومو إرگاستر Homo ergaster كانوا يجوبون في المنطقة نفسها حول بحيرة تُركانا بحثا عن الطعام.
سمي هومو هابيليس Homo habilis (الإنسان الماهر) بهذا الاسم بسبب ما كان يظن من أنه صانع الأدوات الصوانية التي يرجع عمرها إلى 1.8 مليون سنة والمكتشفة في خانق أولدوفاي بتنزانيا. لقد شكل هذا الفرد البشري النصول الحادة بضرب حصاة صخرية بأخرى.
تَميز هومو إرگاستر Homo ergaster، الذي كان يسمى أحيانا هومو إيريكتَسْ الإفريقي African Homo erectus، بقحف مرتفع مستدير وبهيكل عظمي يشابه إلى حد ما هيكل أفراد البشر الحاليين. وعلى الرغم من أنه من الواضح أن النوع هومو إرگاستر كان يأكل اللحم، فإن أسنانه الماضغة كانت صغيرة نسبيا. إن أفضل عيّنة من هذا الفرد من البشر كانت لفتى يرجع وجوده إلى 1.6 مليون سنة مضت وعرف باسم «فتى تُركانا».

لقد كان الأمر طبيعيا ومناسبا بالفعل إلى درجة أنه خلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين برزت مدرسة فكرية ادّعت، بصورة أساسية، أن نوعا واحدا فقط من البشر كان يمكن أن يعمر الأرض في زمن ما، وذلك ـ ببساطة ـ لغياب حيز بيئي على الكوكب يتسع لأكثر من نوع واحد يمتلك ثقافة مميزة له. لم تكن «فرضية النوع الواحد» مقنعة جدا بالمرة، حتى بالنظر إلى سجل الأحافير البشرية النادرة الممتد على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية. ولكن السيناريو المتضمَّن للتحول الهادف والبطيء لأسلاف البشر المطحونين الغارقين في ظلمات الجهل إلى النوع هومو ساپيانس الحديث الموهوب والراقي قد ثبت أنه مضلل إلى حد بعيد، شأنه شأن القصص الخرافية التي تتحدث عن تحول الضفادع إلى أمراء.

والشيء اللافت للنظر أن رفض نظرية «النوع الواحد» تأخر حتى أواخر السبعينات وإلى ما بعد اكتشاف الدليل المؤكد الذي قدّمته الأحافير من أن أنواع البشر كانت تتعايش بعضها مع بعض قبل نحو 1.8 مليون سنة فيما يُعرف الآن بشمال كينيا. ومع هذا، فإنه حتى في ذلك الوقت، استمر اختصاصيو علم الإنسان القديم في التقليل، إلى الحد الأدنى، من أهمية هذا الدليل المبني على سجل الأحافير. ومالوا إلى تخفيض عدد الأنواع وتجميع الأحافير الواضحة الاختلاف معا تحت مسميات واحدة لا تتضمن أية معلومات مثل «الإنسان العاقل القديم» archaic Homo sapiens. وكان من نتيجة ذلك أنهم ابتعدوا عن حقيقة أن الكثير من أنواع البشر قد جَهِدوا بصورة منتظمة في أن يتعايشوا فيما بينهم.

وعلى الرغم من استمرار هذه النزعة الداعية إلى تقليل عدد الأنواع فقد أوضحت المكتشفات الحديثة وإعادة تقييم الأحافير أن التاريخ البيولوجي لأفراد البشر يشابه تاريخ معظم فصائل الحيوانات الناجحة الأخرى؛ فهو يتميّز بالتنوع أكثر من التطور الخطي linear progression. وعلى الرغم من هذا التاريخ الغني الذي تطورت خلاله أنواع البشر وتعايشت وتنافست، وتقدمت وتراجعت، فإن النوع هومو ساپيانس برز في النهاية وحيدا بلا مزاحم. ولم يُعرف بصورة عامة سبب ذلك، غير أن التآثرات المختلفة بين الأفراد المتعايشة الأخيرة لنوعي الإنسان: هومو ساپيانس (الإنسان العاقل) وهومو نياندرثالِنْسِزْ (الإنسان النياندرثالي) Homo neanderthalensis، في منطقتين جغرافيتين مختلفتين قدمت بعض النتائج المحيرة.

سلسلة من الأنواع
منذ البداية كان لدينا الدليل على تنوع البشر، بل منذ اللحظة الأولى تقريبا التي خطا فيها أول فرد من البشر (أي أول فرد من أفراد الجنس أُسترالوپيثيكَسْ Australopithecus الذي كان يمشي منتصبا على قدميه)، الخطوة الأولى المترددة مبتعدا عن أعماق الغابة. إن أقدم فرد بشري محتمل ومعروف هو النوع أرديپيثيكَسْ راميدَسْ Ardipithecus ramidus الممثَّل ببعض الكِسَر الأحفورية التي عُثر عليها في موقع أراميس بأثيوبيا وتعود إلى ما قبل نحو 4.4 مليون سنة [انظر المخطط في الصفحة 28]. والنوع الأحدث قليلا والمعروف بشكل أفضل هو النوع أسترالوپيثيكَسْ أنامِنْسِزْ Australopithecus anamensis الذي عثر عليه في مواقع بشمال كينيا ويعود عمره إلى ما قبل 4.2 مليون سنة تقريبا.

دخل أفراد النوع هومو ساپيانس (الإنسان العاقل) إلى كهف توك دودوبر TUC DصAUDOUBERT في وقت ما يتراوح بين 000 11و 000 13سنة مضت. وعُرف أفراد هذا النوع أيضا بالكرومانيين الذين صنعوا تمثالا من الطين لثور بري صغير bison في كوة تقع على بعد نحو ميل تحت الأرض. ويحتمل أن ظهور البشر ذوي القوام الحديث في إفريقيا كان قبل نحو 000 150سنة، حيث تعايشوا مع غيرهم من البشر مدة من الزمن قبل أن يصبحوا هم النوع الوحيد من فصيلة البشر. وحتى قبل نحو 000 30 سنة استمر تعايشهم مع النوع هومو نياندرثالنسِزْ (الإنسان النياندرثالي) Homo neanderthalensis (في اليسار) في أوروبا وفي بلاد المشرق Levant، وربما كانوا معاصرين للنوع هومو إيريكتَسْ (الإنسان المنتصب) Homo erectus (في اليمين) الذي كان يعيش حينذاك في جاوة.

وعلى الرغم من التأكيد على أن الجنس أرديپيثيكَسْ كان ـ استنادا إلى دليل غير مباشر ـ من الأفراد البشرية التي كانت تمشي منتصبة، فقد كان مشابها للقرود في كثير من النواحي. وبالمقابل فإن النوع أسترالوپيثيكَسْ أنامِنْسِزْ يبدو شديد الشبه بالنوع أسترالوپيثيكس عفارنسِزْ(1) A. afarensis الذي يعود عمره إلى ما قبل 3.0 - 3.8 مليون سنة، وهو أحد الأنواع الصغيرة الدماغ والكبيرة الوجه التي كانت تمشي على قدميها، والتي انتمت إليها «لوسي»(2) الشهيرة. فقد وجد الكثير من بقايا النوع عفارِنْسِزْ في مواقع مختلفة من شرق إفريقيا، غير أن بعض الباحثين أشار إلى أن مجموعة الأحافير الموصوفة التي نسبت إلى النوع عفارِنْسِزْ قد تضم أكثر من نوع واحد، وأن إثارة هذا الموضوع مرة أخرى ما هي إلا مسألة وقت فقط. ومهما يكن من أمر فإن النوع عفارِنْسِزْ لم يكن النوع الوحيد في إفريقيا. فقد عُثر حديثا على فك متميز لأحد أنواع الجنس أُسترالوپيثيكَسْ دعي أسترالوپيثيكس بحر الغزالي(3) Australopithecus bahrelghazali ويحتمل أن عمره يتراوح ما بين 3.5 و 3.0 مليون سنة، وهكذا فهو يقارب عمر لوسي.

في إفريقيا الجنوبية قدّم العلماء لتوّهم دليلا على نوع بشري بدائي آخر يمشي على قدمين(4). إن هذا الشكل المميز الذي لم يُسمّ ولم يوصف بعد، يعود عمره إلى نحو 3.3 مليون سنة مضت. وقبل نحو 3 ملايين سنة، جادت المنطقة نفسها بأحافير من النوع أسترالوپيثيكس أفريكانَسْ Australopithecus africanus الذي هو أول فرد من فصيلة الأسترالوپيثات تم اكتشافه (عام 1924). ويحتمل أن وجود هذا النوع لم يستمر إلى أكثر من مليوني سنة مضت. ويدعي بعضهم أن النوع الذي يعود عمره إلى ما قبل 2.5 مليون سنة وعثر عليه في أثيوبيا وسمّي حديثا أُسترالوپيثيكس گارهي Australopithecus garhi يمثّل نوعا متوسطا بين أسترالوپيثيكس عفارنسز من جهة وبين مجموعة أكبر تتضمن أفرادا أحدث من فصيلة الأسترالوپيثات والإنسان الهومو من جهة أخرى. وإلى العمر نفسه تقريبا ينتمي أول نوع ممثل لمجموعة «روبَسْت» (الأقوياء) robust من الأسترالوپيثات وهو پارانثروپَسْ إثيوپيكَسْ Paranthropus aethiopicus. وأكثر ما يعرف عن هذا الشكل المبكر يعزى إلى «الجمجمة السوداء» black skull التي عثر عليها في شمال كينيا ويعود عمرها إلى نحو 2.5 مليون سنة مضت. أما في الفترة الواقعة بين ما قبل نحو مليوني سنة و1.4 مليون سنة، فكان النوع المألوف پارانثروپَسْ بوازيي Paranthropus boisei يمثل أفراد الإنسان الروبَسْت في جميع شرق إفريقيا. وقد اشتملت مجموعة «الأقوياء» خلال الفترة ما قبل نحو 1.6 مليون سنة في جنوب إفريقيا على النوع المتميز پارانثروپَسْ روبَسْتَسْ P. robustus، ومن المحتمل أيضا أن تكون قد ضمت نوعا آخر قريبا جدا منه هو النوع پارانثروپَسْ كراسيدنس P. crassidens.

إنني أعتذر بسبب الإثقال على القارئ بهذه القائمة الطويلة من الأسماء، مع أنها تخفض في الواقع إلى الحد الأدنى عدد أنواع فصيلة الأسترالوپيثيات التي كانت موجودة. والشيء الأكثر من ذلك هو عدم معرفتنا بمدة بقاء كل نوع. ومع ذلك، فحتى لو كان متوسط مدة بقاء النوع عدة مئات من آلاف السنين فقط، فمن الواضح أن قارة إفريقيا كانت منذ البداية المبكرة ـ بصفة دورية على الأقل وربما بصفة مستمرة غالبا ـ مأوى للكثير من أنواع البشر.

لم يشوّش ظهور الجنس هومو هذا النمط من التطور. إن الأحافير من شرق إفريقيا وجنوبها ـ التي يعود عمرها إلى ما قبل 1.8 - 2.5 مليون سنة وأنبأت بالظهور الأول للجنس هومو ـ هي مجموعة مختلطة بصورة تبعث على الاستغراب، ويحتمل أنها مجموعة أكثر تنوعا مما يشير إليه تصنيفها المتعارف عليه الذي ينسبها إلى النوعين هومو هابيليس (الإنسان الماهر) Homo habilis وهومو رودولفنسِز Homo rudolfensis. ومع ذلك فإن موقع شرق تُركانا في كينيا الذي يعود عمره إلى الفترة بين 1.8 - 1.9 مليون سنة مضت لم يضم ـ إضافة إلى هذين النوعين الأخيرين ـ النوع پارانثروپَسْ بوازيي P. boisei الواسع الانتشار فحسب، ولكنه ضم أيضا النوع هومو إرگاستر H. ergaster، وهو أول نوع من الجنس هومو يتميز بصورة أساسية بقوام حديث. وهنا دليل على تقاسم الأنواع الأربعة من البشر، ليس فقط القارة نفسها، وإنما الموقع نفسه [انظر الشكل في الصفحتين 24 و 25].

إن أول خروج exodus للبشر من إفريقيا الذي يرجح أنه كان في صورة النوع هومو إرگاستر أو قريب حميم له قد فتح المجال واسعا أمام توقع المزيد من التنوع. إننا نتمنى أن نحصل على سجل أفضل عن هذه الهجرة وبصورة خاصة عن وقت حدوثها، إلا أنه توجد أدلة على أن بعض أنواع البشر قد وصل إلى الصين وجاوة قبل نحو 1.8 مليون سنة. وقد عُثر على فك سفلي له العمر نفسه تقريبا في دمانيسي بجورجيا في الاتحاد السوفييتي السابق، وهذا الفك يختلف بصورة متميزة عن فك أي نوع آخر وُجِد حتى الآن. [انظر: "Out of Africa Again®®. and Again?,"by Ian Tattersall; Scientific American, April 1997].

توطّد وجود النوع هومو إيريكتَسْ بعد مليون سنة في كل من جاوة والصين؛ ومن المحتمل أن نوعا آخر من أنواع البشر الأكثر قوة كان موجودا في جاوة أيضا. وعلى الجانب الآخر من القارة الأوراسية كانت أقدم كِسَر أنواع الجنس هومو الأوروبية المعروفة التي تعود إلى ما قبل 800 ألف سنة ذات طابع مميز، وقد أطلق عليها مكتشفوها الأسپان اسم هومو أنتيسِسُور Homo antecessor.

بدأنا بتجميع أدلة عن هومو هايدلبرگِنْسِزْ Homo heidelbergensis من فترة ما قبل 600 ألف سنة تقريبا في إفريقيا، وهو نوع عثر عليه أيضا في مواقع بأوروبا، وربما في الصين، عمره ما بين 500 ألف سنة و200 ألف سنة مضت. وفيما تزداد معلوماتنا عن هومو هايدلبرگِنْسِزْ يحتمل أن نجد أن هذه المجموعة من الأحافير تتمثل في الواقع بأكثر من نوع واحد. فقد كان هومو هايدلبرگِنْسِزْ في أوروبا، أو أحد أقربائه، المصدر الذي نشأت عنه مجموعة مستوطِنة endemic من البشر الذين كان يمثلهم أفضل تمثيل النوع هومو نياندرثالنسِزْ Homo neanderthalensis، وهو نوع أوروبي وغرب آسيوي ازدهر بين 200 ألف سنة و30 ألف سنة مضت. ويوحي السجل المتفرق من إفريقيا أنه في ذلك الوقت كانت تحدث هناك عمليات تطور مستقلة تضمنت ظهور النوع هومو ساپيانس. وفي جاوة، تم مؤخرا تحديد عمر أحافير، يحتمل أن تكون للنوع هومو إيريكتَسْ Homo erectus من نكاندونگ، بنحو 40 ألف سنة مضت، وهذا يشير إلى أن هذه المنطقة كان لها تاريخ تطوري بشري محلي خاص ربما امتد إلى ملايين السنين أيضا.

إن صورة تطور البشر التي جرى رسمها الآن بعيدة كل البعد عن السيناريو القديم الذي يقول بأن «النوع أُسترالوپيثيكَسْ أفريكانَسْ أنتج هومو إيريكتَسْ، وهذا الأخير أنتج هومو ساپيانس». وهذا السيناريو القديم الذي ساد على مدى الأربعين سنة الماضية، استند طبعا ـ إلى حد بعيد ـ إلى الأحافير التي اكتشفت منذ ذلك الحين. ولايزال تأثير تفكير التطور الخطي يلقي بظلاله على علم الإنسان القديم paleoanthropology. وحتى في الوقت الحاضر فإن الكثير من زملائي يجادلونني في أن هذا السيناريو يغالي في تقدير التنوع. وهناك طرائق مختلفة لتبسيط هذه الصورة يتضمن معظمها تجنب حشر جميع متغايرات الجنس هومو التي تنتمي إلى النصف مليون سنة الأخيرة أو حتى خلال المليونين سنة الأخيرة في النوع هومو ساپيانس (الإنسان العاقل).
وبالمقابل، فإن وجهة نظري هي أن الأنواع العشرين أو نحو ذلك من البشر التي سبق الاستشهاد بها (ولو من دون اسم) إنما تمثل تقديرا في حده الأدنى. إن سجل أحافير البشر كما نعرفه ليس مملوءا فقط بأدلة مورفولوجية غير مقبولة على التنوع، ولكنه قد يكون من التهور الادعاء بأن كل نوع وُجِد من البشر يكون ممثلا في مجموعة أو أخرى من مجموعات الأحافير. وحتى لو كانت هذه الفكرة الأخيرة صحيحة فمازال من الواضح أن قصة تطور البشر لم تكن قصة صراع خطي لبطل وحيد.

عوضا عن ذلك كانت قصة الطبيعة التي تمارس عملها من غير إتقان، متمثلة في تجارب تطورية متكررة. كان تاريخنا البيولوجي في الواقع يتمثل في أحداث متقطعة وليس تراكمات تدريجية. فقد ظهرت بانتظام خلال الخمسة الملايين سنة الماضية أنواع جديدة من البشر تنافست فيما بينها وتعايشت واستعمرت بيئات جديدة ونجحت أو فشلت. ولا يتوفر لدينا إلا قدر ضئيل من الإدراك غير الواضح عن كيفية تكشف هذا التاريخ المثير من التجديد والتآثر. ولكن من الواضح تماما أن نوعنا، لا يمثل بالمرة قمة شجرة تطور البشر، وإنما هو مجرد فرع آخر من فروعها الطرفية الكثيرة.

جذور عزلتنا
على الرغم من صحة كل ما ذكر فإن النوع هومو ساپيانس يجسد شيئا ما غير عادي لا يمكن إنكاره ويمكن إدراكه بذكاء من خلال حقيقة أننا وحيدون في العالم في الوقت الحاضر. ومهما يكن من أمر هذا الشيء فإنه يرتبط بكيفية تآثرنا مع العالم الخارجي: فهو تآثر سلوكي بمعنى أنه لا بد من أن ننظر إلى سجلنا الأركيولوجي للعثور على دليل عليه. بدأ هذا السجل قبل نحو 2.5 مليون سنة مع إنتاج أول أداة حجرية أمكن تعرفها، وهي عبارة عن نصول حادة بسيطة قُدّت من «لُب» الصخر الأم parent cores. إننا لا نعرف بالضبط من كان مخترع هذه الأداة، ولكن الاحتمالات تشير إلى أنه (أو أنها) كان أحد أفراد فصيلة الأسترالوپيثات.

لقد مثَّل هذا الابتكار قفزة معرفية رئيسية كانت لها أهمية كبيرة طويلة الأمد للبشر، كما افتتح نمطا من التغيرات التقانية المتقطعة. وانقضى مليون سنة كاملة قبل أن يظهر الابتكار التقاني المهم التالي: ألا وهو صنع البلطة اليدوية قبل نحو 1.5 مليون سنة، وربما يكون الذي صنعها هو النوع هومو إرگاستر. وهذه الأدوات الحجرية المتناظرة المقطوعة من قوالب حجرية كبيرة كانت أول ما توافق مع «النموذج العقلي» الذي كان موجودا في ذهن صانع الأدوات. وبقي هذا النموذج من دون تغيير يُذْكر مليون سنة أخرى أو أكثر إلى أن صنع النوع هومو هايدلبرگِنْسِزْ أو أحد أقربائه أدوات من قوالب صخرية مسبقة الصنع.

ومن أبرز ممارسي تقانة القوالب الصخرية، النياندرثاليون ذوو الأدمغة والوجوه الكبيرة والجماجم المنخفضة الذين سكنوا أوروبا وغرب آسيا حتى نحو 30 ألف سنة مضت. كما أن النياندرثاليين، بسبب ما تركوه من سجل ممتاز عن وجودهم وما تركه أيضا أفراد الإنسان الحديث الذين حلوا محلهم بشكل مفاجئ، زوَّدونا بمقياس مفيد يمكننا من الحكم على مدى تفردنا. كانت مهارات النياندرثاليين في تشكيل الصخر مثيرة للانتباه وإن كانت غير متنوعة إلى حد ما، ولكنهم نادرا ما كانوا يصنعون أدوات من مواد أخرى قابلة للحفظ، وربما لم يستخدموا مثل هذه المواد على الإطلاق. ويشكك الكثير من علماء الآثار القديمة في امتلاكهم مهارات متقدمة في الصيد.

إضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من التقارير المبكرة والمضللة عن «الشعائر الدينية» النياندرثالية الفِجَّة وطقوسهم الأخرى، لا يوجد دليل بيّن على سلوكيات رمزية بين هؤلاء البشر أو على إنتاجهم أشياء رمزية، وبالتأكيد ليس قبل أن يحصل الاتصال بينهم وبين الأفراد الحديثة من البشر. وحتى ممارسة النياندرثاليين العَرَضية لدفن موتاهم يمكن أن تكون مجرد طريقة لصرف الضباع عن الدخول إلى أمكنة معيشتهم أو قد يكون لها تفسير دنيوي مشابه؛ لأن عمليات الدفن النياندرثالية كان ينقصها وضع «لوازم الموتى» معهم التي تؤكد الشعائرَ والاعتقاد في الحياة بعد الموت. وبتعبير آخر، فعلى الرغم من أن النياندرثاليين كانوا رائعين من نواحٍ كثيرة وكانوا ناجحين فترة طويلة من الزمن في الظروف الصعبة التي سادت العصور الجليدية المتأخرة، فإنهم كانوا يفتقرون إلى ومضة الإبداع التي ميزت، في نهاية الأمر، النوع هومو ساپيانس.

وعلى الرغم من أن منشأ النوع هومو ساپيانس ككيانٍ مادي منشأ غامض، فإن معظم الأدلة تشير إلى منشأ إفريقي يعود ربما إلى نحو 000 150 إلى 000 200 سنة مضت. ولم تظهر الأنماط السلوكية الحديثة إلا بعد ذلك بكثير. ويأتي أفضل دليل من فلسطين والمناطق المجاورة؛ حيث عاش النياندرثاليون منذ نحو 000 200 سنة مضت وربما قبل ذلك. ومنذ نحو 000 100 سنة مضت لحق بهم النوع هومو ساپيانس ذو البنية التشريحية الحديثة. والشيء اللافت للنظر هو أن الأدوات والمواقع التي تركها كلا النوعين (القديم والحديث) كانت متماثلة بصورة أساسية. إن كل ما يمكن أن يُستفاد من معلومات هو أن هذين النوعين سلكا سلوكا متماثلا مع اختلافهما من الناحية التشريحية. وخلال هذه الفترة وحتى نهايتها دبَّرا أمرهما معا بشكل ما ليتقاسما البيئة في المشرق Levant.

لم يكن الوضع في أوروبا أكثر اختلافا. وترجع المواقع الأقدم للنوع هومو ساپيانس إلى نحو ما قبل 000 40 سنة فقط. وبعد 000 10 سنة أو نحو ذلك اختفى النياندرثاليون الذين كانوا منتشرين في كل مكان. واللافت للنظر أن أفراد النوع هومو ساپيانس الذين غزوا أوروبا جلبوا معهم أدلة كثيرة عن إدراكٍ حديثٍ غير مسبوق ومتكامل التكوين. فهؤلاء الأفراد لم يمتلكوا فقط تقانة جديدة لتشكيل الصخر تميز العصر الپاليوليثي الأعلى (الحجري القديم)، وتعتمد على إنتاج نصول (أدوات قاطعة) طويلة رقيقة من قوالب حجرية أسطوانية، ولكنهم صنعوا هذه الأدوات من العظام ومن قرون الوعول مع إدراك فائق لخواص هذه المواد.

ومن الأمور الأكثر دلالة، أنهم جلبوا معهم الفن على شكل منحوتات ومحفورات ولوحات جدارية كهفية مدهشة، وحفظوا السجلات على العظام والألواح الحجرية، وعزفوا الموسيقى على آلات النفخ، وبرعوا في صناعة أدوات الزينة الشخصية المتقنة، وجهزوا بعض موتاهم بمراسم دفن متقنة وزودوهم بلوازمهم في القبر (وذلك إلماحا إلى قيام نظام الطبقات الاجتماعية، إضافة إلى الاعتقاد بالحياة بعد الموت؛ لأن مراسم الدفن لم تكن متساوية من حيث البهرج.) وكانت مواقع معيشتهم منظمة إلى حد بعيد مع وجود أدلة على ممارستهم عملياتٍ لصيد البر والبحر تنم عن حذق ومهارة. لقد اختفى نمط الابتكار التقاني المتقطع واستبدل به التحسين المستمر. كان أولئك الناس بكل جلاء ووضوح هم: نحن.

في جميع هذه الأساليب تباين بشرُ العصر الپاليوليثي الأعلى المبكر بصورة مثيرة عن النياندرثاليين. ويبدو أن بعض النياندرثاليين في أوروبا تعلّموا طرائق جديدة في تصنيع الأشياء من أفراد النوع هومو ساپيانس الذين وصلوا إلى أوروبا، غير أنه ليس لدينا دلالات مباشرة على طبيعة التآثر بين أفراد هذين النوعين. ومع ذلك ففي ضوء الاختفاء السريع للنياندرثاليين والسجل المروع اللاحق للنوع هومو ساپيانس يمكننا أن نخمن، بصورة معقولة، أن مثل هذه التآثرات نادرا ما كانت ملائمة بالنسبة إلى النياندرثاليين. وبكل تأكيد يدل شكل الأنماط المتكررة في المواقع الأركيولوجية (الآثارية) على الحلول السريع للنوع هومو ساپيانس محل النياندرثاليين، ولا يوجد أي دليل بيولوجي مقنع على أي اختلاط متبادل بينهما في أوروبا.

أما في المشرق Levant فقد توقف التعايش المشترك بعد 000 60 عام أو نحو ذلك، أي تقريبا في الوقت الذي بدأت أدوات شبيهة بأدوات العصر الپاليوليثي الأعلى بالظهور. ومنذ نحو 000 40 عام مضت خضع نياندرثاليو المشرق لحضارة هومو ساپيانس ذات الثراء الثقافي المفترض، تماما كما فعل نظراؤهم الأوروبيون.

ويكمن تفسير الاختلاف بين السيناريو الأوروبي والسيناريو المشرقي في ظهور الإدراك (المعرفة) cognition الحديث الذي، من المفترض، أن يكون متكافئا مع ظهور الفكر الرمزي. وواصلت الأمور سيرها المعتاد تقريبا حتى ظهور بنية العظام الحديثة. وفيما بعد فقط، ومن خلال اكتساب أنماط سلوكية حديثة تماما، ضاق النوع هومو ساپيانس تماما بالمنافسة من أقرب أقربائه، الذي لم يكن ـ بكل وضوح ـ من أعز أعزائه.

ولفهم كيفية حدوث هذا التغير في الإدراك لا بد من استدعاء بعض الأشياء حول عملية التطور. وكما في هذه الحالة، لا بد أولا من أن تنشأ (بالضرورة) جميع عمليات الابتكار من داخل الأنواع التي كانت موجودة، وإلا فمن أين يمكنها أن تنشأ أصلا؟ وثانيا: نشأ الكثير من الأشياء المبتكرة كمعالم لاتكيفية expatations اكتُسبت في سياقٍ ما قبل أن يتم احتواؤها في سياقٍ آخر (وكان هذا قبل مدة طويلة على الأغلب). والمثال على ذلك هو أن أفراد البشر كانوا يمتلكون أساسا أجهزة صوتية حديثة لمئات الآلاف من السنين قبل أن يزودنا السجل السلوكي بأي سبب للاعتقاد بأنهم كانوا يستخدمون الكلام المنطوق بوضوح الذي يسمح به الشكل المتميز لهذا الجهاز. وأخيرا نحتاج إلى أن نأخذ بالحسبان ظاهرة النشوء التي تقول بأن توافقا تصادفيا قد يعطي شيئا ما غير متوقع تماما. والمثال الكلاسيكي (التقليدي) هنا هو الماء الذي لا يمكن أن نتنبأ بخواصه بمعرفة خواص الهدروجين والأكسجين كل على حدة.

إذا جمَّعنا المشاهدات المختلفة، يمكن أن نستخلص أنه على الرغم من أهمية النتائج التي أدى إليها التفكير الرمزي فإن العملية التي جاء عن طريقها غير استثنائية. ولا يوجد لدينا أية فكرة في الوقت الحاضر عن كيفية تحويل دماغ الإنسان الحديث كتلةَ شحنات كهربائية وكيميائية إلى ما نستشعر أنه الوعي. ومع ذلك فإننا نعلم بالفعل أن سلالتنا مرت بشكل ما إلى حالة التفكير الرمزي من حالة لارمزية سبقتها. والاحتمال الوحيد المعقول هو أن المعالم «اللاتكيفية» التي كانت موجودة مع قُدوم النوع هومو ساپيانس ذي البنية التشريحية الحديثة ارتبطت مصادفة بتجديد جيني صغير نسبيا من أجل إيجاد إمكانية غير مسبوقة.

وحتى من حيث المبدأ فإن ما ذُكِر لا يمكن أن يمثل تسلسلا كاملا للأحداث؛ لأن أفراد البشر من ذوي البنية التشريحية الحديثة سلكوا سلوكا قديما مدة طويلة قبل أن يتبنوا السلوكيات الحديثة. ويمكن أن يكون ذلك الاختلاف ناتجا من الظهور المتأخر لنوع ما من التجديد لم ينعكس على الهيكل العظمي الذي هو كل ما يتحوّل إلى أحفورة. ولكن يبدو أن هذا الأمر غير محتمل لأنه كان يستلزم استبدالا واسع النطاق لجماعات البشر التي سكنت العالم القديم خلال فترة زمنية قصيرة جدا، الأمر الذي لا يوجد دليل عليه.

إن الأمر الأكثر احتمالا هو أن قدرات البشر الحديثة كانت قد نشأت عند، أو قرب، نشوء النوع هومو ساپيانس كمهارات ظلت كامنة حتى نشطت بتحريض ثقافي من نوع ما. فإذا كان هذا التجديد السلوكي مفيدا بصورة كافية ربما انتشر بسرعة فيما بعد عن طريق الاتصال الثقافي بين جماعات البشر الذين كانت لديهم الإمكانية لاكتسابه، ومن ثم ليس من الضروري أن يحصل أي استبدال لجماعات البشر.

إن المستحيل التأكد من طبيعة هذا التجديد، ولكن الرهان الأفضل في الوقت الحالي هو اختراع اللغة؛ ذلك لأن اللغة ليست مجرد الوسيلة التي نعبر بوساطتها عن أفكارنا وخبراتنا في ما بيننا، وإنما هي عنصر أساسي في عملية التفكير نفسها؛ إذ إنها تتدخل في تصنيف وتسمية الأشياء والأحاسيس في عوالمنا الخارجية والداخلية وتقوم بعمليات الربط بين الرموز الذهنية الناتجة. في الواقع ، من المستحيل علينا ن نبدأ بالتفكير (كما نحن معتادون عليه) في غياب اللغة، كما أن القدرة على تشكيل رموز ذهنية هي مصدر قدراتنا الخلاقة، لأنه في اللحظة التي نكوّن مثل هذه الرموز يمكننا إعادة تجميعها ونسأل أسئلة مثل: ماذا لو..؟
إننا لا نعرف بالضبط كيف ظهرت اللغة عند إحدى الجماعات المحلية من النوع هومو ساپيانس على الرغم من التخمينات الكثيرة للغويين. ولكننا نعرف بالتأكيد أن مخلوقا مسلحا بمهارات رمزية يعد منافسا هائلا، وهو ليس بالضرورة منافسا رشيدا، كما تبين ذلك لسائر الأحياء بما فيها النوع هومو نياندرثالنسز، بعد أن أصابه ما أصابه.)

المؤلف والرسام
Ian Tattersall - Jay H. Matternes
/مجلة العلوم المجلد السادس عشر، المنشور سنة ٢٠٠٠.