الخطبة الاولى:

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الحمدلله مالك الملك، مجري الفلك مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها. اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انصار الله، ... سنتطرق للروايات التي تعرضت للظلم من كلمات نبي الله عيسى (ع) ... ((الروايات من كتاب بحار الانوار ج14))

- أمالي الصدوق: الوراق، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه، عن الحسين بن سعيد، عن الأحول، (٢) عن جميل بن صالح، عن الصادق عليه السلام قال: قام عيسى بن مريم عليه السلام في بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل لا تحدثوا بالحكمة الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تعينوا الظالم على ظلمه فيبطل فضلكم. الخبر. (٣) ص٢٨٦

- الخصال: بإسناده، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم عليه السلام: يا معلم الخير علمنا أي الأشياء أشد، فقال: أشد الأشياء غضب الله عز وجل، قالوا: فبم يتقى غضب الله؟ (٣) قال: بأن لا تغضبوا، قالوا: وما بدء الغضب؟ قال: الكبر والتجبر ومحقرة الناس. (٤) ص٢٨٧

- أمالي الصدوق: ... عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: كان عيسى ابن مريم عليه السلام يقول لأصحابه: يا بني آدم اهربوا من الدنيا إلى الله، وأخرجوا قلوبكم عنها، فإنكم لا تصلحون لها ولا تصلح لكم، ولا تبقون فيها ولا تبقى لكم، هي الخداعة الفجاعة، المغرور من اغتر بها، المغبون من اطمأن إليها، الهالك من أحبها وأرادها، فتوبوا إلى بارئكم، (١) واتقوا ربكم، واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، أين آباؤكم؟ أين أمهاتكم؟ أين إخوتكم؟ (٢) أين أخواتكم؟ أين أولادكم؟ دعوا فأجابوا، واستودعوا الثرى، وجاوروا الموتى، وصاروا في الهلكى، و خرجوا عن الدنيا، وفارقوا الأحبة، واحتاجوا إلى ما قدموا واستغنوا عما خلفوا (٣) فكم توعظون وكم تزجرون (٤) وأنتم لاهون ساهون، مثلكم في الدنيا مثل البهائم همتكم بطونكم (٥) وفروجكم، أما تستحيون ممن خلقكم وقد أوعد من عصاه النار، ولستم ممن يقوي على النار؟ ووعد من أطاعه الجنة ومجاورته في الفردوس الاعلى، فتنافسوا فيه، وكونوا من أهله، وأنصفوا من أنفسكم، وتعطفوا على ضعفائكم وأهل الحاجة منكم، وتوبوا إلى الله توبة نصوحا، وكونوا عبيدا أبرارا، ولا تكونوا ملوكا جبابرة، ولا من العتاة الفراعنة المتمردين على من قهرهم بالموت، جبار الجبابرة رب السماوات ورب الأرضين، وإله الأولين والآخرين مالك يوم الدين، (٦) شديد العقاب، أليم العذاب، لا ينجو منه ظالم، ولا يفوته شئ، ولا يعزب عنه شئ، ولا يتوارى منه شئ، أحصى كل شئ علمه وأنزله منزلته في جنة أو نار.
ابن آدم الضعيف! أين تهرب ممن يطلبك في سواد ليلك وبياض نهارك وفي كل حال من حالاتك؟ قد أبلغ من وعظ، وأفلح من اتعظ. ص288،ص٢٨٩

... يا عيسى ما أكثر البشر وأقل عدد من صبر! الأشجار كثيرة وطيبها قليل، فلا يغرنك حسن شجرة حتى تذوق ثمرتها. يا عيسى لا يغرنك المتمرد علي بالعصيان، يأكل رزقي ويعبد غيري، ثم يدعوني عند الكرب فأجيبه، ثم يرجع إلى ما كان، (١) أفعلي يتمرد، أم لسخطي يتعرض؟ (٢) فبي حلفت لآخذنه أخذة ليس له منها منجى، ولا دوني ملتجأ، أين يهرب؟ من سمائي وأرضي؟ يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل لا تدعوني والسحت تحت أحضانكم، والأصنام في بيوتكم، فإني وأيت (٣) أن أجيب من دعاني، وأن أجعل إجابتي إياهم لعنا عليهم حتى يتفرقوا، ... ص٢٩١

... يا عيسى كن رحيما مترحما، وكن للعباد كما تشاء أن يكون العباد لك، وأكثر ذكر الموت ومفارقة الأهلين، ولا تله فإن اللهو يفسد صاحبه، ولا تغفل فإن الغافل مني بعيد، واذكرني بالصالحات حتى أذكرك. يا عيسى تب إلي بعد الذنب، وذكر بي الأوابين، وآمن بي، وتقرب إلي المؤمنين، (١) ومرهم يدعوني معك، وإياك ودعوة المظلوم فإني وأيت (٢) على نفسي أن أفتح لها بابا من السماء، (٣) وأن أجيبه ولو بعد حين. يا عيسى اعلم أن صاحب السوء يغوي، (٤) وأن قرين السوء يردي، فاعلم من تقارن، واختر لنفسك إخوانا من المؤمنين. ص291 ص٢٩٢

...يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي كان ثواب عمله علي، وكنت عنده حين يدعوني، وكفى بي منتقما ممن عصاني، أين يهرب مني الظالمون؟ يا عيسى أطب الكلام، وكن حيثما كنت عالما متعلما. يا عيسى أفض بالحسنات إلي حتى يكون لك ذكرها عندي، و تمسك بوصيتي فإن فيها شفاء للقلوب.] ص293

١٧ - تحف العقول: مواعظ المسيح عليه السلام في الإنجيل وغيره. ومن حكمه: طوبى للمتراحمين، أولئك هم المرحومون يوم القيامة. طوبى للمصلحين بين الناس أولئك هم المقربون يوم القيامة. طوبى للمطهرة قلوبهم أولئك يزورون الله يوم القيامة. طوبى للمتواضعين في الدنيا أولئك يرثون منابر الملك يوم القيامة. طوبى للمساكين لهم ملكوت السماء. طوبى للمحزونين هم الذين يسرون. طوبى للذين يجوعون ويظمؤون خشوعا، هم الذين يسبقون. (٥) طوبى للمسبوبين من أجل الطهارة فإن لهم ملكوت السماء. طوباكم (٦) إذا حسدتم وشتمتم وقيل فيكم كل كلمة قبيحة كاذبة حينئذ فافرحوا وابتهجوا فإن أجركم قد كثر في السماء. ص٣٠٤

...وقال: يا عبيد السوء تلومون الناس على الظن ولا تلومون أنفسكم على اليقين؟ (١) يا عبيد الدنيا تحلقون رؤوسكم وتقصرون قمصكم وتنكسون رؤوسكم ولا تنزعون الغل (٢) من قلوبكم؟! يا عبيد الدنيا مثلكم كمثل القبور المشيدة يعجب الناظر ظهرها، وداخلها عظام الموتى، مملوءة خطايا. يا عبيد الدنيا إنما مثلكم كمثل السراج يضئ للناس ويحرق نفسه! ص٣٠٥

- قال عيسى (ع) : ( بحق أقول لكم: أجزعكم على البلاء لأشدكم حبا للدنيا، وإن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا. ) بحار الانوار ج14 ص312

- قال عيسى (ع) : ( ... بحق أقول لكم: إن كل كلمة سيئة تقولون بها تعطون جوابها يوم القيامة. يا عبيد السوء إذا قرب أحدكم قربانه ليذبحه فذكر أن أخاه واجد عليه (4) فليترك قربانه وليذهب إلى أخيه فليرضه (5) ثم ليرجع إلى قربانه فليذبحه.
يا عبيد السوء إذا أخذ (6) قميص أحدكم فليعط رداءه معه، ومن لطم خده منكم فليمكن من خده الآخر ومن سخر منكم ميلا فليذهب ميلا آخر معه. ... ) بحار الانوار ج14 ص313

نكمل في الخطبة الثانية ان شاء الله...

هذا والحمدلله رب العالمين
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [سورة الناس : 6-1]





***





الخطبة الثانية:
اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَمينِكَ، وَصَفِيِّكَ، وَحَبيبِكَ، وَخِيَرَتِكَ مَنْ خَلْقِكَ، وَحافِظِ سِرِّكَ، وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكَ، اَفْضَلَ وَاَحْسَنَ، وَاَجْمَلَ وَاَكْمَلَ، وَاَزْكى وَاَنْمى، وَاَطْيَبَ وَاَطْهَرَ، وَاَسْنى وَاَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ، وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ عَلى اَحَد مِن عِبادِكَ وَاَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، وَصِفْوَتِكَ وَاَهْلِ الْكَرامَةِ عَلَيْكَ مِن خَلْقِكَ، اَللّـهُمَّ وَصَلِّ عَلى عَليٍّ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ، وَوَصِيِّ رَسُولِ رَبِّ الْعالَمينَ، عَبْدِكَ وَوَليِّكَ، وَاَخي رَسُولِكَ، وَحُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ، وَآيَتِكَ الْكُبْرى، وَالنَّبأِ الْعَظيمِ، وَصَلِّ عَلَى الصِّدّيقَةِ الطّاهِرَةِ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ، وَصَلِّ عَلى سِبْطَيِ الرَّحْمَةِ وَاِمامَيِ الْهُدى، الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَيْ شَبابِ اَهْلِ الْجَّنَةِ، وَصَلِّ عَلى اَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ، عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيٍّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد، وَمُوسَى بْنِ جَعْفَر، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد بن محمد والمهديين من ولده ، حُجَجِكَ عَلى عِبادِكَ، وَاُمَنائِكَ في بِلادِكَ صَلَاةً كَثيرَةً دائِمَةً...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنصار الله، ... (نكمل موضوعنا الذي ابتدأناه في الخطبة الأولى)

- وقال لأصحابه: أرأيتم لو أن أحدا مر بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن عورته أكان كاشفا عنها أم يرد على ما انكشف منها؟ قالوا: بل يرد على ما انكشف منها، قال: كلا بل تكشفون عنها! فعرفوا أنه مثل ضربه لهم، فقالوا: يا روح الله وكيف ذاك؟ قال ذاك الرجل منكم يطلع على العورة من أخيه فلا يسترها. بحق أقول لكم أعلمكم لتعلموا (١) ولا أعلمكم لتعجبوا بأنفسكم، إنكم لن تنالوا ما تريدون إلا بترك ما تشتهون، ولن تظفروا بما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون، إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلوب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم يجعل بصره في نظر عينه (٢) لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب، وانظروا في عيوبهم كهيئة عبيد الناس، إنما الناس رجلان: مبتلى ومعافى، فارحموا المبتلى، واحمدوا الله على العافية. يا بني إسرائيل أما تستحيون من الله؟ إن أحدكم لا يسوغ له شرابه حتى يصفيه من القذى، (٣) ولا يبالي أن يبلغ أمثال الغيلة، (٤) ألم تسمعوا أنه قيل لكم في التوراة صلوا أرحامكم، وكافوا أرحامكم؟ وأنا أقول لكم: صلوا من قطعكم، وأعطوا من منعكم وأحسنوا إلى من أساء إليكم، وسلموا على من سبكم، وأنصفوا من خاصمكم، واعفوا عمن ظلمكم، كما أنكم تحبون أن يعفى عن إساءتكم فاعتبروا بعفو الله عنكم، ألا ترون أن شمسه أشرقت على الأبرار والفجار منكم، وأن مطره ينزل على الصالحين و الخاطئين منكم؟ فإن كنتم لا تحبون إلا من أحبكم ولا تحسنون إلا إلى من أحسن إليكم ولا تكافئون إلا من أعطاكم فما فضلكم إذا على غيركم؟ قد يصنع هذا السفهاء الذين ليست عندهم فضول ولا لهم أحلام، ولكن إن أردتم أن تكونوا أحباء الله وأصفياء الله فأحسنوا إلى من أساء إليكم، واعفوا عمن ظلمكم، وسلموا على من أعرض عنكم، اسمعوا قولي، واحفظوا وصيتي، وارعوا عهدي كيما تكونوا علماء فقهاء. ص305 ص٣٠٦

...بحق أقول لكم: إن الحريق ليقع في البيت الواحد فلا يزال ينتقل من بيت إلى بيت حتى تحترق بيوت كثيرة إلا أن يستدرك البيت الأول فيهدم من قواعده فلا تجد فيه النار محلا، (١) وكذلك الظالم الأول لو أخذ على يديه لم يوجد من بعده إمام ظالم فيأتمون (٢) به كما لو لم تجد النار في البيت الأول خشبا وألواحا لم تحرق شيئا. بحق أقول لكم: من نظر إلى الحية تؤم أخاه لتلدغه ولم يحذره حتى قتلته فلا يأمن أن يكون قد شرك في دمه، وكذلك من نظر إلى أخيه يعمل الخطيئة ولم يحذره عاقبتها حتى أحاطت به فلا يأمن أن يكون قد شرك في إثمه، ومن قدر على أن يغير الظالم ثم لم يغيره فهو كفاعله، وكيف يهاب الظالم وقد أمن بين أظهركم لا ينهى ولا يغير عليه ولا يؤخذ على يديه، فمن أين يقصر الظالمون أم كيف لا يغترون؟ فحسب أحدكم أن يقول: لا أظلم ومن شاء فليظلم، ويرى الظلم فلا يغيره، فلو كان الامر على ما تقولون لم تعاقبوا مع الظالمين الذين لم تعملوا بأعمالهم حين تنزل بهم العثرة في الدنيا، ويلكم يا عبيد السوء كيف ترجون أن يؤمنكم الله من فزع يوم القيامة وأنتم تخافون الناس في طاعة الله، وتطيعونهم في معصيته، وتفون لهم بالعهود الناقضة لعهده؟ بحق أقول لكم: لا يؤمن الله من فزع ذلك اليوم من اتخذ العباد أربابا من دونه. ويلكم يا عبيد السوء من أجل دنيا دنية وشهوة رديئة تفرطون في ملك الجنة و تنسون هول يوم القيامة! ويلكم يا عبيد الدنيا من أجل نعمة زائلة وحياة منقطعة تفرون من الله وتكرهون لقاءه! فكيف يحب الله لقاءكم وأنتم تكرهون لقاءه؟ وإنما يحب الله لقاء من يحب لقاءه، ويكره لقاء من يكره لقاءه، وكيف تزعمون أنكم أولياء الله من دون الناس وأنتم تفرون من الموت وتعتصمون بالدنيا؟ فماذا يغني عن الميت طيب ريح حنوطه وبياض أكفانه وكل ذلك يكون في التراب، كذلك لا يغني عنكم بهجة دنياكم التي زينت لكم، وكل ذلك إلى سلب وزوال، ماذا يغني عنكم نقاء أجسادكم وصفاء ألوانكم وإلى الموت تصيرون، وفي التراب تنسون، وفي ظلمة القبر تغمرون؟! ويلكم يا عبيد الدنيا تحملون السراج في ضوء الشمس وضوؤها كان يكفيكم، وتدعون أن تستضيؤوا بها في الظلم ومن أجل ذلك سخرت لكم! كذلك استضأتم بنور العلم لأمر الدنيا وقد كفيتموه وتركتم أن تستضيؤوا به لأمر الآخرة ومن أجل ذلك أعطيتموه، تقولون: إن الآخرة حق وأنتم تمهدون الدنيا، وتقولون: إن الموت حق وأنتم تفرون منه، وتقولون: إن الله يسمع ويرى ولا تخافون إحصاءه عليكم، فكيف (١) يصدقكم من سمعكم فإن من كذب من غير علم أعذر ممن كذب على علم وإن كان لا عذر في شئ من الكذب. بحق أقول لكم: إن الدابة إذا لم تركب (٢) ولم تمتهن وتستعمل لتصعب ويتغير خلقها، وكذلك القلوب إذا لم ترقق بذكر الموت ويتبعها دؤوب العبادة (٣) تقسو وتغلظ. ماذا يغني عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم؟ كذلك لا يغني عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم وأجوافكم منه وحشة معطلة! فاسرعوا إلى بيوتكم المظلمة فأنيروا فيها، كذلك فاسرعوا إلى قلوبكم القاسية بالحكمة قبل أن ترين عليها الخطايا (٤) فتكون أقسى من الحجارة، كيف يطيق حمل الأثقال من لا يستعين على حملها؟ أم كيف تحط أوزار من لا يستغفر الله منها؟ أم كيف تنقى ثياب من لا يغسلها؟ وكيف يبرأ من الخطايا من لا يكفرها؟ (٥) أم كيف ينجو من غرق البحر من يعبر بغير سفينة؟ وكيف ينجو من فتن الدنيا من لم يداوها بالجد والاجتهاد؟ وكيف يبلغ من يسافر بغير دليل؟ وكيف يصير إلى الجنة من لا يبصر معالم الدين؟ وكيف ينال مرضاة الله من لا يطيعه؟ وكيف يبصر عيب وجهه من لا ينظر في المرآة؟ وكيف يستكمل حب خليله من لا يبذل له بعض ما عنده؟ وكيف يستكمل حب ربه من لا يقرضه بعض ما رزقه؟ بحق أقول لكم: إنه كما لا ينقص البحر أن تغرق فيه السفينة ولا يضره ذلك شيئا كذلك لا تنقصون الله بمعاصيكم شيئا ولا تضرونه بل أنفسكم تضرون، وإياها تنقصون، وكما لا ينقص نور الشمس كثرة من يتقلب فيها بل به يعيش ويحيى كذلك لا ينقص الله كثرة ما يعطيكم ويرزقكم، بل برزقه تعيشون وبه تحيون، يزيد من شكره إنه شاكر عليم.... ص308 - ص٣١٠

نختم بهذا الدعاء...

هي مناجات الزاهدين استشهد بها الامام ع في كتاب التيه أو الطريق إلى الله وقال قبلها [ أورد هنا هذه المناجاة لعل الله يجعل فيها نجاتنا من مكائد الدنيا وخدعها ويوفق البعض لتدبّر معانيها أو لحفظها والدعاء بها على كل حال.]

بسم الله الرحمن الرحيم
( اِلـهي اَسْكَنْتَنا داراً حَفَرَتْ لَنا حُفَرَ مَكْرِها، وَعَلَّقَتْنا بِاَيْدِي الْمَنايا في حَبائِلِ غَدْرِها، فَاِلَيْكَ نَلْتَجِيءُ مِنْ مَكائِدِ خُدَعِها، وَبِكَ نَعْتَصِمُ مِنَ الاْغْتِرارِ بِزَخارِفِ زينَتِها، فَاِنَّهَا الْمُهْلِكَةُ طُلاّبَهَا، الْمُتْلِفَةُ حُلاّلَهَا، الْمحْشُوَّةُ بِالاْفاتِ، الْمَشْحُونَةُ بِالنَّكَباتِ، اِلـهي فَزَهِّدْنا فيها، وَسَلِّمْنا مِنْها بِتَوْفيقِكَ وَعِصْمَتِكَ، وَانْزَعْ عَنّا جَلابيبَ مُخالَفَتِكَ، وَتَوَلَّ اُمُورَنا بِحُسْنِ كِفايَتِكَ، وَاَوْفِرْ مَزيدَنا مِنْ سَعَةِ رَحْمَتِكَ، وَأجْمِلْ صِلاتِنا مِنْ فَيْضِ مَواهِبِكَ، وَاَغْرِسْ في اَفْئِدَتِنا اَشْجارَ مَحَبَّتِكَ، وَاَتْمِمْ لَنا اَنْوارَ مَعْرِفَتِكَ، وَاَذِقْنا حَلاوَةَ عَفْوِكَ، وَلَذَّةَ مَغْفِرَتِكَ، وَاَقْرِرْ اَعْيُنَنا يَوْمَ لِقائِكَ بِرُؤْيَتِكَ، وَاَخْرِجْ حُبَّ الدُّنْيا مِنْ قُلُوبِنا كَما فَعَلْتَ بِالصّالِحينَ مِنْ صَفْوَتِكَ، وَالاْبْرارِ مِنْ خاصَّتِكَ، بِرَحْمَتِكَ يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ وَيا اَكْرَمَ الاْكْرَمينَ . ) مناجات الزاهدين

هذا والحمدلله رب العالمين، وأستغفر الله لي ولكم
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر]