الخطبة الاولى:
اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الحمدلله مالك الملك، مجري الفلك مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها. اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انصار الله، ... (تذكير ما جاء في الخطبتين السابقتين باختصار) ...

[ أمير المؤمنين (ع) قال: لو كان السائل على حق لهلك المسؤول، ... ] مع العبد الصالح ج1 ص101

- ... عن مالك بن عطية عن الثمالي قال صليت مع علي بن الحسين ع الفجر بالمدينة يوم الجمعة فلما فرغ من صلاته و سبحته نهض إلى منزله و أنا معه فدعا مولاة له تسمى سكينة فقال لها لا يعبر على بابي سائل إلا أطعمتموه فإن اليوم يوم الجمعة قلت له ليس كل من يسأل مستحقا فقال يا ثابت أخاف أن يكون بعض من يسألنا محقا فلا نطعمه و نرده فينزل بنا أهل البيت ما نزل بيعقوب و آله أطعموهم أطعموهم إن يعقوب كان يذبح كل يوم كبشا فيتصدق منه و يأكل هو و عياله منه و أن سائلا مؤمنا صواما محقا له عند الله منزلة
و كان مجتازا غريبا اعتر على باب يعقوب عشية جمعه عند أوان إفطاره يهتف على بابه أطعموا السائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم يهتف بذلك على بابه مرارا و هم يسمعونه و قد جهلوا حقه و لم يصدقوا قوله فلما يئس أن يطعموه و غشيه الليل استرجع و استعبر و شكا جوعه إلى الله عز و جل و بات طاويا و أصبح صائما جائعا صابرا حامدا لله
و بات يعقوب و آل يعقوب شباعا بطانا و أصبحوا و عندهم فضلة من طعامهم قال فأوحى الله عز و جل إلى يعقوب في صبيحة تلك الليلة لقد أذللت يا يعقوب عبدي ذلة استجررت بها غضبي و استوجبت بها أدبي و نزول عقوبتي و بلواي عليك و على ولدك يا يعقوب إن أحب أنبيائي إلي و أكرمهم علي من رحم مساكين عبادي و قربهم إليه و أطعمهم و كان لهم مأوى و ملجأ
يا يعقوب أ ما رحمت ذميال عبدي المجتهد في عبادتي القانع باليسير من ظاهر الدنيا عشاء أمس لما اعتر ببابك عند أوان إفطاره و هتف بكم أطعموا السائل الغريب المجتاز القانع فلم تطعموه شيئا فاسترجع و استعبر و شكا ما به إلي و بات طاويا حامدا لي و أصبح لي صائما و أنت يا يعقوب و ولدك شباع و أصبحت و عندكم فضلة من طعامكم أ و ما علمت يا يعقوب أن العقوبة و البلوى إلى أوليائي أسرع منها إلى أعدائي
و ذلك حسن النظر مني لأوليائي و استدراج مني لأعدائي أما و عزتي لأنزل عليك بلواي و لأجعلنك و ولدك عرضا لمصابي و لآذينك بعقوبتي فاستعدوا لبلواي و ارضوا بقضائي و اصبروا للمصائب
فقلت لعلي بن الحسين ع جعلت فداك متى رأى يوسف الرؤيا فقال في تلك الليلة التي بات فيها يعقوب و آل يعقوب شباعا و بات فيها ذميال طاويا جائعا فلما رأى يوسف الرؤيا و أصبح يقصها على أبيه يعقوب فاغتم يعقوب لما سمع من يوسف مع ما أوحى الله عز و جل إليه أن استعد للبلاء فقال يعقوب ليوسف لا تقصص رؤياك هذه على إخوتك فإني أخاف أن يكيدوا لك كيدا فلم يكتم يوسف رؤياه و قصها على إخوته ... ) قصص الأنبياء ص77

مقتطفات من الجواب المنير ج4 من السؤال322 من س5 [ ج خامساً: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ @ وَلَا يَسْتَثْنُونَ @ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ @ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ @ فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ @ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ @ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ @ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ @ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ @ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ @ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ @ ...
... وهذه النتيجة التي وصلوا لها عذاب دنيوي أنزله الله بهم؛ لأنهم بخلوا بما جعله الله قوتاً لمحتاج في أموال خوّلهم الله إدارتها، والحقيقة أن العذاب الدنيوي لا ينزل عبثاً، فالله سبحانه وتعالى يعلم أنهم سينتفعون ويتعظون أو بعضهم بهذا العذاب ولهذا أنزله بهم، واتعاظهم واضح بعد نزول العذاب الدنيوي وهلاك أموالهم ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ @ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ @ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ @ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ @ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ @ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ @ عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ @ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
ففي الآيات بيان أن الزكاة نماء في الرزق، ومنع الزكاة ومنع النفقة على الفقير والمسكين واليتيم ربما كان سبباً لمحق الرزق.
وفيها بيان أن العذاب الدنيوي للناس ربما كان في المال والاقتصاد كإنذار لهم لعلهم يرجعون إلى الحق ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾([54])، بل وربما كان ينزل بصورة يمكن تأويلها بأنها ليست عذاب فيقولون عن العذاب ظاهرة طبيعية، أو أزمة اقتصادية، أو كوكب مر بالصدفة وأهلك الناس، أو وباء غريب لا يعرفونه من قبل جاء وأهلك الناس، أو.. أو .. فمن يريد أن يؤول العذاب بأنه ليس عذاباً لينكر الرسول الذي نزل العذاب بسبب تكذيبه لن يعدم حجة ليعثر بها، ولكن من يريدون الاتعاظ ومعرفة الحق سيقولون إنها عذاب وسينظرون فيما كسبت واكتسبت أيديهم من ظلم، سواء كان ظلم حجة من حجج الله أو كان مخالفة لما جاء به حجج الله من الإنفاق على الفقراء ودفع الزكاة ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ @ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. ]

بخصوص قوله (لَوْلَا تُسَبِّحُونَ) وما علاقتها بالانفاق على المحتاجين...

المتشابهات ج2 [ سؤال/ 37: ما معنى سبح اسم ربك الأعلى؟
الجواب: التسبيح إنما يتحقق من العبد بالثناء على الرب سبحانه وتعالى، والثناء يكون بما علَّمنا هو سبحانه عن طريق أوليائه من الأنبياء والمرسلين والأئمة (ع)، وأقل الثناء والحمد هو الشكر.
فالتسبيح يبدأ بالشكر، وينتهي بالحمد. وشكر الله سبحانه وتعالى يبدأ بشكر خلقه وأداء حقهم، فالخلق عيال الله، وأحبّ الخلق إلى الله أرأفهم بعياله، كما ورد في الحديث عنهم (ع) ([59]). فالعبد يسبح ربه سبحانه وتعالى عندما يكون رحمة بالمؤمنين ورأفة باليتامى والمساكين، وغلظة وشدة على الكافرين المعاندين، وحق يسير على الأرض.
واسم ربك الأعلى هو: علي (ع)؛ لأنه هو الاسم الأعلى والأعظم، وعلي مع الحق والحق مع علي، فيكون معنى سبح اسم ربك الأعلى: كن حقاً يسير على الأرض أي سبحه بالعمل لا بالقول فقط كما يُتوهم. ]
[59]- عن الإمام الصادق (ع) قال: (قال رسول الله (ص): الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيت سروراً ..) الكافي: ج2 ص164.

صفحة الامام في الفيسبوك بتاريخ 12 4 2016 [ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كل عام وأنتم بخير وأقرب الى علي.
أن تعيش حياتك من أجل رفاهك او من أجل عائلتك واقرباءك أو حزبك وجماعتك لا يجعل حياتك تختلف كثيرا عن حياة أي حيوان اخر يشاركنا العيش على هذه الأرض.
ما يجعل لحياتك معنى إنساني وقيمة حقيقية هو أن تعيشها وبإخلاص لأجل آخرين لا تربطك بهم صلة قرابة أو مصلحة.
هكذا عاش علي ابن ابي طالب حياته لهذا نعشق علي وحبه يجري بدمائنا.
يا هـــــند لم أعشق ومثلي لا يرى ..... عــشق النســـــاء ديانـــة وتحرجا
لكـــــن حـــــبي للوصي مخـــــيـــم ..... في الصدر يسرح في الفؤاد تولجا
فهـــــو السراج المستنير ومن به ..... سبـــب النجاة من العذاب لمن نجا ]

هذا والحمدلله رب العالمين
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [سورة الناس : 6-1]





***





الخطبة الثانية:
اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَمينِكَ، وَصَفِيِّكَ، وَحَبيبِكَ، وَخِيَرَتِكَ مَنْ خَلْقِكَ، وَحافِظِ سِرِّكَ، وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكَ، اَفْضَلَ وَاَحْسَنَ، وَاَجْمَلَ وَاَكْمَلَ، وَاَزْكى وَاَنْمى، وَاَطْيَبَ وَاَطْهَرَ، وَاَسْنى وَاَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ، وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ عَلى اَحَد مِن عِبادِكَ وَاَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، وَصِفْوَتِكَ وَاَهْلِ الْكَرامَةِ عَلَيْكَ مِن خَلْقِكَ، اَللّـهُمَّ وَصَلِّ عَلى عَليٍّ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ، وَوَصِيِّ رَسُولِ رَبِّ الْعالَمينَ، عَبْدِكَ وَوَليِّكَ، وَاَخي رَسُولِكَ، وَحُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ، وَآيَتِكَ الْكُبْرى، وَالنَّبأِ الْعَظيمِ، وَصَلِّ عَلَى الصِّدّيقَةِ الطّاهِرَةِ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ، وَصَلِّ عَلى سِبْطَيِ الرَّحْمَةِ وَاِمامَيِ الْهُدى، الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَيْ شَبابِ اَهْلِ الْجَّنَةِ، وَصَلِّ عَلى اَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ، عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيٍّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد، وَمُوسَى بْنِ جَعْفَر، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد بن محمد والمهديين من ولده ، حُجَجِكَ عَلى عِبادِكَ، وَاُمَنائِكَ في بِلادِكَ صَلَاةً كَثيرَةً دائِمَةً...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنصار الله، ... نكمل موضوعنا الذي ابتدأناه في الخطبة الأولى...

[ السؤال/ 341: ما هو تفسير الآية: ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ ... ﴾، وهل تتحقق الآن أم عند ظهور الإمام إذا أردت إعطاء بعض مجوهراتي هبة للإمام ؟ المرسلة: أم بنين – أستراليا
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليماً.
هذه في أموال الزكاة عموماً، سواء من كنز ماله دون دفع زكاته أو من كانت عنده أموال زكاة يكنزها، وفي زمن قيام القائم تنطبق على كل من يملك مالاً فائضاً عن حاجته ويحتفظ به ولا يبذل بعضه للجهاد بين يدي القائم. أما بالنسبة للمجوهرات أو الذهب التي تقتنيها المرأة للزينة فهي ليست من الكنز. أحمد الحسن ] الجواب المنير ج4

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) [سورة التوبة 34 - 35]

المتشابهات ج2 [ سؤال/ 52: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
لماذا قال تعالى في الأولى: (فأنزلنا)، وفي الثانية: (فأرسلنا)، وما الفرق بينهما؟ وقال تعالى في الأولى: (يفسقون)، والأخرى: (يظلمون)، وما الفرق بينهما؟
الجواب: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
في هذه الآيات بيان سبب هذا الرجز أو العذاب، وهو فسق القوم وعدم امتثالهم للأوامر الإلهية التي كان موسى (ع) يأمرهم بها. والحقيقة أنّ هذا الفسق إنما يأتي من شك في نفوسهم بنبوة موسى (ع)، وإنه خليفة الله في أرضه ويجب طاعته. وظهر هذا الشك في كثير من الأحيان في (التيه) عندما اعترضوا على موسى (ع)، وكفروا بقيادته لهم أو بقيادة أخيه هارون (ع). وهذا الكفر بخليفة الله في أرضه هو الظلم، وهو ظلم لأنفسهم؛ لأنهم الخاسر الأول والأخير في الدنيا والآخرة عندما لا يعترفون أنّ الملك لله، وإنّ الله هو الذي يُعيّن خليفته في أرضه، وإنّ عليهم طاعته (ع)؛ لأنّ طاعته هي طاعة الله، وقبول ملكه (ع)؛ لأنّ ملكه هو ملك الله سبحانه وتعالى. وبالنتيجة، فالظلم لخليفة الله في أرضه هو عدم قبول ولايته الإلهية.
أما الفسق: فهو عصيان خليفة الله في أرضه، وعدم قبول الأوامر الإلهية.
ومعنى إنزال العذاب: أي إيقاعه واستقراره على القوم.
أما إرسال العذاب: فهو إرسال الملائكة به، وعندما يأتيهم الأمر الإلهي ينزلونه ويوقعونه بالقوم. فالعذاب المرسل هو عذاب مظل للقوم على وشك أن يوقع بهم، ويمكن أن يوقع بهم بين فترة وأخرى، كما حصل لبني إسرائيـل في (التيه)، فكان يقع فيهم الهلاك كلما آذوا موسى(ع) ورفضوا ولايته عليهم وخلافته لله في أرضه. وهناك معانٍ أخرى لإنزال العذاب وإرسال العذاب لا تخص الآيتين، فلا داعي للتعرض لها. أما معنى الآيتين بالخصوص:
1- ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي عذبناهم، أنزلنا: أوقعنا بهم العذاب، وهم الذين ظلموا أولياء الله موسى وهارون عليهما السلام، ومن باب أولى ظلموا محمد وآل محمد (ص)؛ لأنهم أصل الولاية الإلهية.
وسبب إنزال هذا العذاب هو: فسقهم وتمردهم على الأوامر الإلهية لله في أرضه، مع شك أو كفر كثير منهم بنبوة موسى (ع) وخلافته.
2- ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُون﴾: أي أرسلنا الملائكة يحملون العذاب فوق رؤوسهم، بسبب نفاقهم وعدم إيمانهم إيماناً حقيقياً، فهم ظالمون لأولياء الله وخلفائه في أرضه (ع)، وإلا فالفسق وحده والمعصية وحدها مع قبول أولياء الله وخلفائه في أرضه لا توجب إرسال العذاب فضلاً عن إنزاله بحسب سنة الله سبحانه وتعالى، فلا يوقع العذاب في الأمم المتمردة على أمر الله سبحانه والمنحرفة عن صراطه المستقيم إلا بعد أن يرسل رسولاً، ويكذب ويُستهزأ به. والولاية لولي الله سبحانه حسنة لا تضر معها سيئة، ومعاداة ولي الله سبحانه وخليفته في أرضه سيئة لا تنفع معها حسنة.
ومن الآيتين نفهم أنّ الله سبحانه يُرسل العذاب على الأمة إذا أعرضت عن ولي الله وخليفته في أرضه، ثم إنّ هذا العذاب ينزل بهم إذا استمروا على فسقهم وتمردهم على الأوامر الإلهية المبلغة لهم. وربما يُرسل العذاب وينزل بهم مباشرة إذا حقت عليهم الكلمة بعد أن ظلموا ولي الله وفسقوا عن أمر الله سبحانه، والحمد لله وحده. ]

مع العبد الصالح ج1 [ (... هل تظنون أنّ شغلي فيكم فقط، سيهلك أكثر الناس وهم على ضلال ويذهبون إلى جهنم، وأنتم كل واحد مشغول بنفسه، كل واحد منكم يصيح أنا ؟!
لا أحتاج كلاماً كثيراً، أريد منكم عملاً قليلاً.
أعمالكم تعرض علينا وفيها كل واحد يصرخ أنا، لماذا لا تجاهدون أنفسكم ؟ ألا تستحون من الله، من محمد، من علي، من آل محمد (ع) ؟! الكل، الكل، الكل.
والله الذي سيأتي يشيب الصغير ؟؟ هل تعون ؟؟ أقول لك هلاك أكثر الناس !! أنتم لا تخافون الموت وتصرخون أنا أنا أنا !! من أعطاكم الأمان من الهلاك معهم وأنتم تصرخون أنا أنا أنا ؟! ]

نختم بهذه الرواية وسنختم بالدعاء الذي فيها ... [ ... عن شعيب العقرقوفي، عن أبي عبد الله (ع)، قال: (إن يوسف أتاه جبرائيل فقال له: يا يوسف إن رب العالمين يقرؤك السلام ويقول لك من جعلك في أحسن خِلقة ؟ قال: فصاح ووضع خده على الأرض، ثم قال أنت يا رب، ثم قال له: ويقول لك من حببك إلى أبيك دون إخوتك ؟ قال: فصاح ووضع خده على الأرض وقال أنت يا رب، قال ويقول لك: من أخرجك من الجب بعد أن طرحت فيها وأيقنت بالهلكة ؟ قال: فصاح ووضع خده على الأرض، ثم قال أنت يا رب، قال: فإن ربك قد جعل لك عقوبة في استغاثتك بغيره فلبثت في السجن بضع سنين، قال: فلما انقضت المدة، وأذن الله له في دعاء الفرج، فوضع خده على الأرض، ثم قال: (اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فاني أتوجه إليك بوجه آبائي الصالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب) ففرج الله عنه.
قلت: جعلت فداك أندعو نحن بهذا الدعاء ؟ فقال ادع بمثله: اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فاني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة محمد (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة (ع)) ([95]). ... ] اضاءات من دعوات المرسلين ج٣ ق١
([95]) تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي: ج1 ص344.

هذا والحمدلله رب العالمين، وأستغفر الله لي ولكم
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر]