الخطبة الاولى:
اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الحمدلله مالك الملك، مجري الفلك مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها. اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انصار الله، في مثل هذا التاريخ ال22 من محرم بعد مقتل الحسين، بنات رسول الله (ص) سبايا، ورأس الحسين ع معهم، ورأس الحسين ع يردد على طول الطريق هذه الآيات، ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا منْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾، ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾، ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، الحسين نظره لم يكن على ما جرى، ولذلك لم يذكره، بل الحسين ع ذكر أصحاب الكهف وهم فتية من أنصار الإمام المهدي ع في الكوفة والبصرة وهم [ الذين يأخذون بثأر الحسـين (ع)، وينتقمون من الظالمين، ويقلبون أمر الظالمين رأساً على عقب، ولهذا سُمع رأس الحسين (ع) أيضاً يقرأ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ ]، [ ولهذا سُمع رأس الحسين (ع) يقرأ أيضاً: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ([54])، لأنه لن يأخذ بثأره إلا من كانوا مصداقاً لهذه الآية الكريمة: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. ]المتشابهات ج3 س72 ، فالحسين ع رغم عظم ما جرى لم يكن ناظر له، بل نظره كان متوجها للإمام المهدي ع وأنصاره، وهذا الشيء بينه الإمام أحمد الحسن ع في أكثر من موضع، [ لقد مهد الحسين (ع) الطريق لدولة العدل الإلهي وكأن الحسين (ع) ذبح في كربلاء ليملك القائم (ع) من ولده وكأن الحسين (ع) فداء لدولة العدل الإلهي ولملك الله سبحانه وتعالى (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات:107) ]خطاب إلى طلبة الحوزة ، [ وهذا لأنّ الحسين ع فدى قضية الإمام المهدي ع بدمه الشريف وبنفسه المقدسة، فجعل نفسه فداء لقضية الإمام المهدي ع، فهو ذبيح الله، أي كما أنك عندما تبني بيتاً تفدي له كبشاً، كذلك الله سبحانه وتعالى لما بنى عرشه وسماواته وأرضه جعل فداءها الحسين ع. وقضية الإمام المهدي ع هي قضية الله وخاتمة الإنذار الإلهي، وهي قضية عرش الله سبحانه وملكه وحاكميته في أرضه، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي بالحسين ع، والمفدى هو الإمام المهدي ع... ]المتشابهات ج4 س123، [ ولأنه الجالس على العرش يوم الدين أي يوم القيامة الصغرى، وفي القرآن اليوم المعلوم. ولأنه الحاكم باسم الله بين الأمم في ذلك اليوم، فلابد أن يكون مرآة تعكس الذات الإلهية في الخلق ليكون الحاكم هو الله في الخلق، فيكون كلام الإمام (ع) هو كلام الله، وحكمه هو حكم الله، وملك الإمام (ع) هو ملك الله سبحانه وتعالى، فيصدق في ذلك اليوم قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿ملك يوم الدين﴾، ويكون الإمام (ع) في ذلك اليوم عين الله، ولسان الله الناطق، ويد الله ([7]).]تفسير شيء من سورة الفاتحة

والتمهيد للمهدي ع ليس فقط قام به الحسين (ع)، فهو ليس بدعا من الرسل، ماذا يقول الامام أحمد الحسن ع...

[ صلح الإمام الحسن (ع)، وولاية العهد للإمام الرضا (ع)
... وقد صرح الإمام الحسن (ع) بأنّ صلحه كان استبقاء للشيعة، وهم أهل الحق وببقائهم يبقى الحق. وإذا نظرنا بعين البصيرة وجدنا أنّ صلح الإمام الحسن (ع) كان للتهيئة لثورة الإمام الحسين (ع)، التي هي بدورها تهيئة لثورة الإمام المهدي (ع)، فالإمام الحسن (ع) لما اضطر إلى تنحية السيف بدأ حرباً جديدة مع معاوية، هذه المرّة حرب إعلامية الهدف منها تهيئة الأمة لثورة الحسين (ع)، وعلى أقل تقدير أن تكون الأمة مستعدة لقبول هذه الثورة والتعاطف معها، بل والتفاعل معها ولو بعد قيامها، ومن اطلع على أحوال الأمة في زمن الإمام الحسن (ع) يعلم أن هذا هدف كبير يرجى من أمة نكس أبناؤها وخذلوا قائدهم المعصوم، حتى أصبحوا يرون المنكر معروفاً، وكاد أن لا يبقى للتشيع اسم ولا رسم لولا الحركة الإعلامية للإمام الحسن (ع). فلم يكن صلح الإمام الحسن (ع) صلحاً بهذا المعنى، إنما كان هدنة اضطر لها الإمام الحسن (ع) ليتبعها أخيه الحسين (ع) - الذي هو كنفسه - بثورة لا يزال صداها يهز الدنيا إلى اليوم، فكما أنّ الإمام أمير المؤمنين (ع) كان ينظر إلى المستقبل وإلى دولة لا إله إلاّ الله العالمية، كذلك كان الإمام الحسن (ع)، فجميع المعصومين (ع) كانوا ينظرون إلى اليوم الذي يظهر فيه هذا الدين على الدين كله، فمسيرة الإنسانية هي مسيره تكاملية في الجملة وإن تعرّضت لبعض الانتكاسات، حيث إن نتيجتها هو صلاح معظم أهل الأرض في زمن ظهور الإمام المهدي (ع).
والأئمة (ع) كانوا يفعلون كل ما من شأنه توجيه هذه الأمة لحمل الرسالة الإلهية في يوم من الأيام إلى أهل الأرض جميعاً، فكانوا (ع) يؤثرون رضا الله ومصلحة الإنسانية على أنفسهم، ويتحملون أشدّ أنواع الأذى النفسي والجسدي في سبيل هذا الهدف العظيم، وهو إيمان أهل الأرض بلا إله إلاّ الله محمد رسول الله. ] العجل ج1

الجواب المنير ج4 س327 [ ... وقد تكفل رسول الله محمد (ص) بيان أهمية الحجر الأسود وفضله، بأقواله وأفعاله، ويكفي أن تعرف أن رسول الله (ص) قبّله وسجد عليه ولم يسجد رسول الله (ص) على جزء من الكعبة غير الحجر الأسود وبلغ عظيم هذا الأمر وأهميته أن رسول الله (ص) قال: (استلموا الركن، فإنه يمين الله في خلقه، يصافح بها خلقه مصافحة العبد أو الدخيل، ويشهد لمن استلمه بالموافاة) ([67])، والمراد بالركن أي الحجر الأسود؛ لأنه موضوع فيه. ...

... ورسول الله محمد (ص) دخل بيت الله فبدأ بالحجر وختم بالحجر وأمر أصحابه أن يكون آخر عهدهم بالبيت استلام الحجر، بل ويستحب أن يستلم الحجر في كل طواف، ومس الحجر يسبب غفران الذنوب وحط الخطايا، بل وسجد رسول الله محمد (ص) على الحجر الأسود ووضع جبهته عليه بعد أن قبَّله، فماذا يمكن أن تفهم من هذا غير أن الحجر هو أهم ما في البيت.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): (ذَكَرَ رسول الله (ص) الْحَجَّ فَكَتَبَ إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابُهُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ رسول الله (ص) يُرِيدُ الْحَجَّ يُؤْذِنُهُمْ بِذَلِكَ لِيَحُجَّ مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ ................... فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ وَذَكَرَ ابْنُ سِنَانٍ أَنَّهُ بَابُ بَنِي شَيْبَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ فَلَمَّا طَافَ بِالْبَيْتِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (ع) وَدَخَلَ زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْماً نَافِعاً وَرِزْقاً وَاسِعاً وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَسُقْمٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِكُمْ بِالْكَعْبَةِ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ، فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا) ([70]).
وروى البهيقي عن ابن عباس، قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد على الحجر)([71]).
ولابد من الالتفات إلى أمر مهم جداً وهو أن رسول الله (ص) قد سن ركعتي الطواف عند مقام إبراهيم وكان رسول الله (ص) والأئمة (ع) يصلون عند مقام إبراهيم (ع)، والذي يقف في صلاته عند مقام إبراهيم (ع) يكون الحجر الأسود بين يديه وفي قبلته، وهذا يبين بوضوح تام انطباق هذه الآية على قائم آل محمد أو يوسف آل محمد أو الحجر الأسود: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾([72])، وقد بيَّنت سابقاً ما معنى هذا السجود عندما بيَّنت تأويل هذه الآية في الإمام المهدي (ع)، ولكن السجود هنا عندما تأوّل في القائم يكون لفاطمة والسر المستودع فيها معاً، تماماً كما أن السجود للكعبة والحجر الأسود المودع فيها، فيكون هنا الشمس محمد (ص)، والقمر علي (ع)، والأحد عشر كوكباً هم الأئمة (ع) من ولد علي (ع) وفاطمة (ع)، وهم (الحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن ومحمد)، وسجودهم بمعنى أنهم يمهدون للقائم ولإقامة العدل وإنصاف المظلوم وبالخصوص أخذ حق صاحبة المظلومية الأولى والأعظم منذ خلق الله الخلق وإلى أن تقوم الساعة.
أما سجود بقية الخلق ممن فرض عليهم أن يسجدوا إلى الكعبة وبالتالي إلى الحجر الأسود فهو بمثابة إشارة واضحة وبيان أنهم بأجمعهم يمهدون للقائم سواء شاءوا أم أبوا، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾([73]). فالكل يمهد للوارث أو القائم شاءوا أم أبوا، فالشمس والقمر والنجوم يمهدون للقائم، وأيضاً من حق عليه العذاب يمهد للقائم وكل بحسبه، فحركة الخلق ومسيرتهم العامة هي تمهيد للقائم الذي ينصِفُ المظلومين، وإن كان أكثر الخلق يجهلون هذا، تماماً كطوافهم بالكعبة والحجر الأسود المودع فيها، مع أنهم لا يكادون يفقهون شيئاً من طوافهم. ... ]

[ قال عيسى (ع) : (يا علماء السوء ليس أمر الله على ما تتمنون وتتخيرون , بل للموت تبنون الدار , وللخراب تبنون وتعمرون, وللوارث تمهدون) ] خطاب الحج الصوتي

نتوقف عند هذا القدر ونكمل في الخطبة الثانية ان شاء الله...

هذا والحمدلله رب العالمين
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [سورة الناس : 6-1]





***





الخطبة الثانية:
اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَمينِكَ، وَصَفِيِّكَ، وَحَبيبِكَ، وَخِيَرَتِكَ مَنْ خَلْقِكَ، وَحافِظِ سِرِّكَ، وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكَ، اَفْضَلَ وَاَحْسَنَ، وَاَجْمَلَ وَاَكْمَلَ، وَاَزْكى وَاَنْمى، وَاَطْيَبَ وَاَطْهَرَ، وَاَسْنى وَاَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ، وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ عَلى اَحَد مِن عِبادِكَ وَاَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، وَصِفْوَتِكَ وَاَهْلِ الْكَرامَةِ عَلَيْكَ مِن خَلْقِكَ، اَللّـهُمَّ وَصَلِّ عَلى عَليٍّ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ، وَوَصِيِّ رَسُولِ رَبِّ الْعالَمينَ، عَبْدِكَ وَوَليِّكَ، وَاَخي رَسُولِكَ، وَحُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ، وَآيَتِكَ الْكُبْرى، وَالنَّبأِ الْعَظيمِ، وَصَلِّ عَلَى الصِّدّيقَةِ الطّاهِرَةِ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ، وَصَلِّ عَلى سِبْطَيِ الرَّحْمَةِ وَاِمامَيِ الْهُدى، الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَيْ شَبابِ اَهْلِ الْجَّنَةِ، وَصَلِّ عَلى اَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ، عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيٍّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد، وَمُوسَى بْنِ جَعْفَر، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد بن محمد والمهديين من ولده ، حُجَجِكَ عَلى عِبادِكَ، وَاُمَنائِكَ في بِلادِكَ صَلَاةً كَثيرَةً دائِمَةً...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنصار الله، ... نكمل موضوعنا الذي ابتدأناه في الخطبة الأولى...

الجواب المنير ج4 س327 [ ... أما في الأديان السابقة فقد ذكر الحجر أيضاً في التوراة والإنجيل:
(قال لهم يسوع أما قرأتم قط في الكتب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية ومن قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا لذلك أقول لكم أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى الأمة التي تعمل إثماره ومن سقط عليه هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه) ([74]).
فالحجر الذي تكلم عنه عيسى (ع) هو في أمة أخرى غير الأمة التي كان يخاطبها، فالملكوت ينزع من الأمة التي كان يخاطبها عيسى (ع)، وهم بنو إسرائيل والذين آمنوا بعيسى (ع) - لأنه كان يخاطب بهذا الكلام تلاميذه المؤمنين به وغيرهم من بقية الناس - ويعطى للأمة المرتبطة بالحجر التي تعمل إثمار الملكوت، فكلام عيسى (ع) واضح كل الوضوح؛ أنه في بيان فضل حجر الزاوية، وإن الملكوت سينزع في النهاية ممن يدعون أتباع عيسى ويعطى لأمة الحجر وهم أمة محمد وآل محمد (ص)، فعيسى (ع) ربط بحكمة بين الحجر وبين الأمة التي تعطى الملكوت في النهاية، وأيضاً قابل هذه الأمة ببني إسرائيل ومن يدعون اتباعه وبيَّن أنهم لن يناولوا الملكوت في النهاية، فعيسى (ع) جعل الحجر علة إعطاء الملكوت لأمة أخرى غير الأمة التي تدعي اتباع موسى (ع) وعيسى (ع)، أي إن من يشهد لهم الحجر بأداء العهد والميثاق ومن ينصرونه هم من سيرثون الملكوت سواء كان في هذه الأرض بإقامة حاكمية الله، أم في السماوات عندما يكشف الله لهم عن ملكوته ويجعلهم ينظرون فيه، أم في النهاية عندما يسكنهم الله الجنان في الملكوت. ومن يريد أن يُفسِّر هذا الكلام بصورة أخرى ويقول إن عيسى أراد بهذا الكلام نفسه ويصر على هذا القول فإنه يغالط ولا يطلب معرفة الحقيقة، وإلا فليقرأ أصل القول وهو لداود (ع) في المزامير فأيضاً يمكن أن يقول اليهود إن داود قصد نفسه، وهكذا لا ينتهي الجدل ولكن الحقيقة أن داود (ع) وعيسى (ع) أرادوا المخلص الذي يأتي باسم الرب في آخر الزمان، وقد بشَّر به عيسى (ع) في مواضع أخرى في الإنجيل وسماه المعزي والعبد الحكيم وهنا سماه حجر الزاوية، فيكون السؤال: من هو الذي عرف أو يمكن أن يعرف بأنه حجر الزاوية، هل إن داود أو عيسى (عليهما السلام) عرفوا بأنهم حجر الزاوية في بيت الرب أو ذكروا في موضع آخر على أنهم حجر الزاوية في بيت الرب، وهل هناك حجر موضوع في زاوية بيت الرب أو الهيكل عند اليهود والنصارى يدل على داود أو عيسى (عليهما السلام) ؟ الحقيقة أن هذا غير موجود ولكنه موجود في الأمة الأخرى من ولد إبراهيم (ع)، وفي بيت الرب الذي بناه إبراهيم (ع) وإسماعيل (ع) ابنه، وموجود في الزاوية وبالذات الزاوية التي اسمها الركن العراقي، وكل هذه الأمور تشير إلى أمر واحد هو المخلص الذي يأتي في آخر الزمان أو الذي أشار إليه داود في المزامير أنه حجر الزاوية والآتي باسم الرب.
(...............19 افتحوا لي أبواب البر. أدخل فيها وأحمد الرب. 20 هذا الباب للرب. الصديقون يدخلون فيه. 21 أحمدك لأنك استجبت لي وصرت لي خلاصاً. 22 الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية. 23 من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا 24 هذا هو اليوم الذي صنعه الرب. نبتهج ونفرح فيه. 25 آه يا رب خلص. آه يا رب أنقذ. 26 مبارك الآتي باسم الرب. باركنا كم من بيت الرب .........) ([75]).
وللتأكيد أكثر على أن المراد بحجر الزاوية في التوراة وفي الإنجيل هو المخلص الذي يأتي في آخر الزمان وفي العراق وهو قائم الحق أورد هذه الرؤيا التي رآها ملك العراق في زمن دانيال النبي (ع) وفسرها دانيال النبي (ع) وهي تكاد لا تحتاج إلى توضيح.
وهذا قول دانيال النبي (ع) لملك العراق وهو يخبره برؤياه وتفسيرها كما في التوراة الموجود: (................31 أنت أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم هذا التمثال العظيم البهي جداً وقف قبالتك ومنظره هائل. 32 رأس هذا التمثال من ذهب جيد. صدره وذراعاه من فضة. بطنه وفخذاه من نحاس. 33 ساقاه من حديد. قدماه بعضهما من حديد والبعض من خزف. 34 كنت تنظر إلى أن قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما. 35 فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً وصارت كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان. أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها. 36 هذا هو الحلم. فنخبر بتعبيره قدام الملك 37 أنت أيها الملك ملك ملوك لأن إله السموات أعطاك مملكة واقتداراً وسلطاناً وفخراً. 38 وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور السماء دفعها ليدك وسلطك عليها جميعها. فأنت هذا الرأس من ذهب. 39 وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك ومملكة ثالثة أخرى من نحاس فتتسلط على كل الأرض. 40 وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد لأن الحديد يدق ويسحق كل شيء وكالحديد الذي يكسر تسحق وتكسر كل هؤلاء. 41 وبما رأيت القدمين والأصابع بعضها من خزف والبعض من حديد فالمملكة تكون منقسمة ويكون فيها قوة الحديد من حيث إنك رأيت الحديد مختلطا بخزف الطين. 42 وأصابع القدمين بعضها من حديد والبعض من خزف فبعض المملكة يكون قوياً والبعض قصماً. 43 وبما رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين فإنهم يختلطون بنسل الناس ولكن لا يتلاصق هذا بذاك كما أن الحديد لا يختلط بالخزف. 44 وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفني كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد. 45 لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب. الله العظيم قد غرف الملك ما سيأتي بعد هذا. الحلم حق وتعبيره يقين) ([15]).
إذن فالحجر أو المخلص الذي ينقض هيكل الباطل وحكم الطاغوت والشيطان على هذه الأرض، ويكون في ملكه نشر الحق والعدل في الأرض، يأتي في آخر الزمان ويأتي في العراق كما هو واضح في رؤيا دانيال، وهو الحجر الذي ينسف الصنم أو حكم الطاغوت والأنا، بينما لا عيسى (ع) ولا داود (ع) أرسلوا في العراق وفي آخر الزمان، فلا يمكن أن يكون أي منهما هو حجر الزاوية المذكور، بل تبين بوضوح من كل ما تقدم أن حجر الزاوية في اليهودية والنصرانية هو نفسه الحجر الأسود الموضوع في زاوية بيت الله الحرام في مكة.
فالحجر الأسود الموضوع في ركن بيت الله والذي هو تجلي ورمز للموكل بالعهد والميثاق، هو نفسه حجر الزاوية الذي ذكره داود وعيسى (عليهما السلام)، وهو نفسه الحجر الذي يهدم حكومة الطاغوت في سفر دانيال (ع)، وهو نفسه قائم آل محمد أو المهدي الأول الذي يأتي في آخر الزمان كما روي عن رسول الله محمد وأهل بيته . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحمد الحسن شوال/ 1430 هـ ق ]

نختم بهذا الدعاء، هو دعاء يقرأ في يوم الغدير بعد الصلاة والشكر، ذكره الامام أحمد الحسن ع في كتاب اضاءات، يقول:
[ اللهم إني أسألك بأن لك الحمد وحدك لا شريك لك، وأنك واحد أحد صمد، ولم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا أحد، وأن محمدا عبدك ورسولك صلواتك عليه وآله. يا من هو كل يوم في شأن، كما كان من شأنك أن تفضلت عليَّ بأن جعلتني من أهل أجابتك وأهل دينك وأهل دعوتك، ووفقتني لذلك في مبتدأ خلقي تفضلا منك وكرما وجودا، ثم أردفت الفضل فضلا، والجود جودا، والكرم كرما، رأفة منك ورحمة إلى أن جددت ذلك العهد لي تجديدا بعد تجديدك خلقي، وكنت نسياً منسياً ناسياً ساهياً غافلاً. فأقمت نعمتك بأن ذكرتني ذلك ومننت به على وهديتني له فليكن من شأنك يا الهي وسيدي ومولاي، أن تتم لي ذلك ولا تسلبنيه حتى تتوفاني على ذلك، وأنت عنى راض، فانك أحق المنعمين أن تتم نعمتك علي، ... ] اضاءات من دعوات المرسلين ج3 ق1

هذا والحمدلله رب العالمين، وأستغفر الله لي ولكم
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر]