الخطبة الاولى:
اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الحمدلله مالك الملك، مجري الفلك مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها. اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي
السلام عليكم ورجمة الله وبركاته أنصار الله، ... سأقرأ لكم خطبة عيد الأضحى التي أرسلها مكتب النجف الأشرف للسيد أحمد الحسن ع...

خطبة عيد الأضحى الموحدة
1438 هـ - 2017 م
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّه الأَوَّلِ بِلَا أَوَّلٍ كَانَ قَبْلَه، والآخِرِ بِلَا آخِرٍ يَكُونُ بَعْدَه الَّذِي قَصُرَتْ عَنْ رُؤْيَتِه أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ، وعَجَزَتْ عَنْ نَعْتِه أَوْهَامُ الْوَاصِفِينَ. ابْتَدَعَ بِقُدْرَتِه الْخَلْقَ ابْتِدَاعاً، واخْتَرَعَهُمْ عَلَى مَشِيَّتِه اخْتِرَاعاً. ثُمَّ سَلَكَ بِهِمْ طَرِيقَ إِرَادَتِه، وبَعَثَهُمْ فِي سَبِيلِ مَحَبَّتِه، لَا يَمْلِكُونَ تَأْخِيراً عَمَّا قَدَّمَهُمْ إِلَيْه، ولَا يَسْتَطِيعُونَ تَقَدُّماً إِلَى مَا أَخَّرَهُمْ عَنْه.
وأفضل الصلاة والتسليم على خير خلق الله محمد المصطفى وعلى أهل بيته الطاهرين أقلام الحق وألسنة الصدق الميامين.
أخوتي المؤمنين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وعيدٌ مباركٌ عليكم وكل عام وانتم بخير .. نسأل الله سبحانه أن يكتبنا من حجاج بيته الحرام المبرور حجهم المقبول سعيهم إنه سميع مجيب.
في هذه الأيام المباركة يقصدُ المسلمون بيتَ اللهِ الحرام الكعبة المشرفة ليطوفوا به وليقضوا مناسك الحج التي بيَّنها الله سبحان في كتابه الكريم وفصَّلها نبيُهُ المصطفى في السُّنة المطهرة. ومن المعلوم أنَّ لكل عبادة هدفاً وغايةً، وأنَّ الأمر ليس مقتصراً على الحركات والأفعال الظاهرية. ومن أهم غايات حج بيتِ الله تعالى هو الرجوع والانقطاع والخضوع لله سبحانه، وترك الدنيا وزخارفها ومشاغلها والانشداد الى الآخرة، وفتح صفحة جديدة مع الله سبحانه ومع حجج الله ومع الناس أيضاً، والحرص على الاقلاع عن كل مساوئ الماضي وخطاياه.
فالقصد الى بيت الله تعالى والطواف حوله يعني الرجوع واللجوء للخالق سبحانه، وتجديد العهد والتوبة واستئناف الحياة والعلاقة مع الرب من جديد، وكأنَّ المسلم الحاج الى بيت الله قد وُلِدَ من جديد معترفاً لله سبحانه بالوحدانية ووجوب الطاعة والامتثال، وأنَّه هو المالك الحقيقي والمتفرد بالملك والتصرف.
وهذا ما يوحي به ما روي في تلبية الحج:
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: التَّلْبِيَةُ:
(لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ دَاعِياً إِلَى دَارِ السَّلَامِ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ أَهْلَ التَّلْبِيَةِ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ ذَا الْجَلَالِ والإِكْرَامِ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ مَرْهُوباً ومَرْغُوباً إِلَيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ تُبْدِئُ والْمَعَادُ إِلَيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ كَشَّافَ الْكُرَبِ الْعِظَامِ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدَيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ يَا كَرِيمُ) الكافي ج4 ص335.
فالتلبية تعني خُلُوصَ المُلبي لله تعالى من غير أنْ يكون للشيطان (لع) فيه نصيب، فمنه سبحانه البداية واليه النهاية، وله الحمد والشكر في كل آن من آنات الحياة، وعلى كل نعمة من النعم التي لا تحصى.
ولا يمكن أنْ يكون أيُّ معنى للحج والتلبية إنْ لم تكن مقرونةً بموالاة وطاعة خليفة الله في الأرض، فإنْ لم يكن الملبي موالياً وطائعاً لحجة الله في أرضه؛ فمن أين يعرف طاعة الله ليمتثل لها، ومن أين يعرف معصية الله ليجتنبها، ومن أين له التمييز بين الحق والباطل في جميع شؤون الحياة والدين، ومن أين له الوقوف على إرادة الله سبحانه ورضاه من غير هادٍ مهدي مختار من قبل الله جل جلاله ؟!
ولذلك قال الإمام الباقر (ع) عندما نَظَرَ إِلَى النَّاسِ يَطُوفُونَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ:
(هَكَذَا كَانُوا يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهَا ثُمَّ يَنْفِرُوا إِلَيْنَا فَيُعْلِمُونَا وَلَايَتَهُمْ ومَوَدَّتَهُمْ ويَعْرِضُوا عَلَيْنَا نُصْرَتَهُمْ. ثُمَّ قَرَأَ هَذِه الآيَةَ: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}) الكافي ج1 ص392.
وعَنْ سَدِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) وهُوَ دَاخِلٌ وأَنَا خَارِجٌ وأَخَذَ بِيَدِي ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ فَقَالَ:
(يَا سَدِيرُ إِنَّمَا أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَأْتُوا هَذِه الأَحْجَارَ فَيَطُوفُوا بِهَا ثُمَّ يَأْتُونَا فَيُعْلِمُونَا وَلَايَتَهُمْ لَنَا وهُوَ قَوْلُ اللَّه {وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى}).
ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِه إِلَى صَدْرِه (إِلَى وَلَايَتِنَا).
ثُمَّ قَالَ: (يَا سَدِيرُ فَأُرِيكَ الصَّادِّينَ عَنْ دِينِ اللَّه).
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ وسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وهُمْ حَلَقٌ فِي الْمَسْجِدِ.
فَقَالَ: (هَؤُلَاءِ الصَّادُّونَ عَنْ دِينِ اللَّه بِلَا هُدًى مِنَ اللَّه ولَا كِتَابٍ مُبِينٍ إِنَّ هَؤُلَاءِ الأَخَابِثَ لَوْ جَلَسُوا فِي بُيُوتِهِمْ فَجَالَ النَّاسُ فَلَمْ يَجِدُوا أَحَداً يُخْبِرُهُمْ عَنِ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى وعَنْ رَسُولِه (ص) حَتَّى يَأْتُونَا فَنُخْبِرَهُمْ عَنِ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى وعَنْ رَسُولِه (ص)).
إذن فمجرّد الطواف بالبيت الحرام وتأدية أفعال الحج إنَّما هو من أفعالِ أهلِ الجاهلية، فلا تكون أفعال ومناسك الحج مقبولة ومرضية عند الله تعالى إلا إذا كانت مقرونة بطاعة ونصرة وموالاة خليفة الله في الأرض في كل زمان.
فالولاية لحجج الله هي الحسنة التي لا تضر معها سيئة ولا تنفع من دونها حسنة، لأنَّ من يعبد الله تعالى بلا هادٍ ولا إمام عادل من الله لا يمكن انْ يستقيم على إرادة الله ومرضاته، لأنَّه حتماً سيعبد الله بالشك والظن، أما الحق واليقين فهو مع سفراء الله وخلفائه الذين حَبَاهُم الله بوحيه وتسديده وعصمته، فلا يقولون في دين الله بأهوائِهم وآرائِهم ولا بالظن والتخمين، إنَّما يتبعون وحيَ الله ويطبقون إرادته في البلادِ والعبادِ.
عن أَبَي عَبْدِ اللَّه (ع) قال: (مَنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ وأَقَامَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَحْبَطَ اللَّه عَمَلَه إِنَّ حُجَّةَ اللَّه هِيَ الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ) الكافي ج2 ص400.
وحجةُ اللهِ الواضحةُ البعيدةُ عن الشك والظن؛ لا تكون إلا عند الله وحججه وخلفائه في الأرض، ولذلك فإنَّ حضور ووجود الإمام المعصوم ضرورة ورحمة عظيمة لا تدانيها رحمةٌ أبداً.. وإنَّ ابتعاد المعصوم وغيبته عقوبة كبيرة للأمة ولا يمكن أنْ يسد مسد الإمام أحد أبداً.. لأنَّ بفقد الإمام تفقد الأمة الواسطة بين الله وبين خلقه، وتفقد الهادي والرائد والقائد الإلهي الذي يعلم طرق السماوات والأرض، ويفقدون الناصح الذي لا يغش ولا يمكن أن تلتبس عليه الفتن والأهواء، ويفقدون العاصم الذي لا يخرج الناس من حق ولا يدخلهم في باطل أبداً.
عن أبي جعفر (ع): (إنَّ الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم) علل الشرائع ص244.
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: (... فَإِنَّ أَشَدَّ مَا يَكُونُ غَضَبُ اللَّه عَلَى أَعْدَائِه إِذَا افْتَقَدُوا حُجَّتَه ولَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ وقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَوْلِيَاءَه لَا يَرْتَابُونَ ولَوْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَرْتَابُونَ مَا غَيَّبَ حُجَّتَه عَنْهُمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ ولَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى رَأْسِ شِرَارِ النَّاسِ) الكافي ج1 ص333.
فعندما تكون مناسك وأفعال الحج عارية عن موالاة حجة الله وخليفته في أرضه، فهي عارية ومجردة عن المعنى الحقيقي للعبادة، ولذلك وصف الله تعالى عبادة وحج الجاهلية بالمُكاءِ والتَصْدية أي الصفير والتصفيق !
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال:35].
عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}. قال: (التصفير والتصفيق) معاني الأخبار ص297.
بل كل العبادات وكل الشعائر لا تنفع ولا يكون لها فائدة من غير معرفة الإمام وموالاته.. لأنَّ الله سبحان يقول:
{إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد:7].
فكيف يهتدي للحق ويعبد الله وفق رضاه وإرادته من كان لا هادي له من الله تعالى ؟! وكيف يكون المرء مقبولاً عند الله سبحانه وهو معرض عن خليفة الله في أرضه تارك لرسالته وشريعته الإلهية الحقة، فأي معنى للحج والعبادة إنْ كانت في معزل عن خلفاء الله وحججه على خلقه.
نسأل الله سبحان التوفيق لمعرفة حجج الله ومولاتهم ونصرتهم والتسليم لهم، وأنْ يعيذنا من شرور أنفسنا ومن الدنيا وغرورها، ونسأله سبحانه خير الخير رضاه والجنة، ونعوذ به من شر الشر سخطه والنار.
إنَّ أحسنَ الحديث وأبلغ موعظة كتاب الله العزيز الحكيم، أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}
هذه كانت خطبة عيد الأضحى من مكتب السيد أحمد الحسن ع في النجف الأشرف
هذا والحمدلله رب العالمين
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [سورة الناس : 6-1]





***






الخطبة الثانية:
اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَمينِكَ، وَصَفِيِّكَ، وَحَبيبِكَ، وَخِيَرَتِكَ مَنْ خَلْقِكَ، وَحافِظِ سِرِّكَ، وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكَ، اَفْضَلَ وَاَحْسَنَ، وَاَجْمَلَ وَاَكْمَلَ، وَاَزْكى وَاَنْمى، وَاَطْيَبَ وَاَطْهَرَ، وَاَسْنى وَاَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ، وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ عَلى اَحَد مِن عِبادِكَ وَاَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، وَصِفْوَتِكَ وَاَهْلِ الْكَرامَةِ عَلَيْكَ مِن خَلْقِكَ، اَللّـهُمَّ وَصَلِّ عَلى عَليٍّ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ، وَوَصِيِّ رَسُولِ رَبِّ الْعالَمينَ، عَبْدِكَ وَوَليِّكَ، وَاَخي رَسُولِكَ، وَحُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ، وَآيَتِكَ الْكُبْرى، وَالنَّبأِ الْعَظيمِ، وَصَلِّ عَلَى الصِّدّيقَةِ الطّاهِرَةِ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ، وَصَلِّ عَلى سِبْطَيِ الرَّحْمَةِ وَاِمامَيِ الْهُدى، الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَيْ شَبابِ اَهْلِ الْجَّنَةِ، وَصَلِّ عَلى اَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ، عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيٍّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد، وَمُوسَى بْنِ جَعْفَر، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد بن محمد والمهديين من ولده ، حُجَجِكَ عَلى عِبادِكَ، وَاُمَنائِكَ في بِلادِكَ صَلَاةً كَثيرَةً دائِمَةً...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنصار الله، سأقرأ لكم خطبة مكتب النجف الأشرف التي نشرها قبل سنتين... تبدأ الخطبة بدعاء بعدها تقول...

... أيها المؤمنون .. مباركٌ لكم عيد الأضحى ، طوبى لمن استجلى فيه الدروسَ والعبر ، واستزاد فيه لمعادِه عظيمَ الزادِ بعد التأمّلِ والنظر ، فآهٍ آه من قلةِ الزادِ وبعدِ السفر ، آهٍ من وحشةِ الطريقِ وعظمِ الخطر ، فشمّروا - عباد الله - عن سواعدِ الهمّةِ بالجدِّ والعمل ، ولا يشغلنّكم عن آخرتِكم غرورٌ أو خطل ، أو لعبٌ أو هزل ، فاليوم المضمار وغداً السباق والسبقة الجنّة ، فاعترفوا لله سبحانه بالفضلِ والمنّة ، وسلوه التوفيقَ والتسديد ، والنصرَ والتأييد ، ينصركم ويثبت أقدامكم.
أحبتي الكرام .. لا يخفى عليكم ما في هذا الشهرِ الكريم ، ذي الحجة الحرام ، من مواقفَ عظيمة ، وذكرياتِ جليلة ، تستحقُّ منّا الارتحالَ إليها ، والوقوفَ عليها ، لعلّنا نحظى بالاعتبارِ بها ، والسيرِ على خطاها ، رحلةً أحوجُ ما نكونُ إليها ، لتطيبَ القلوبُ والنفوس ، بعد استقائها من معينِ الدروس ..
في ذي الحجة الحرام .. وفي يوم التروية من عام 60 للهجرة ، شاء الله سبحانه أن يسقي أول الهاشميين تضحيةً شجرةَ حاكميةِ الله بدمه المهراق ، إنه سفيرُ الحسين ورسولُه إلى أهل العراق ، ثقتُه وابنُ عمِّه مسلمُ ابن عقيل ، وما جرى عليه من خطبٍ ورزءٍ جليل ، فكم أنت عظيمٌ أيها العبد الصالح وأنت تسطّر للأجيال ملحمةَ العطاءِ والتضحيةِ لدين الله بمهجتك ، ولم يثنك عن ذلك غربتك ووحدتك ، حملت الحقَّ وحدك ، ونهضتَ بأعباء رسالةِ مرسلِك فأدّيتها بأروع ما يكون ، ودافعت عن إمامك وسيدك ، حتى أُثخنت بالجراح ، وسقطت ثناياك ولم يبرد عطشُ قلبِك بالماء القراح ، فتجرّعت كأسَ المنون ، ولم يرف لك جفنٌ أو تطرف لك عين ، نعم .. دمعت عيناك لذكر حسين وآل حسين ، لأنك تعلم أنهم على إثرك قادمون ، وأنت الخبير بما سيلاقون .
سيدي يا ابن عقيل .. كم نحن بحاجة إلى الاقتداء بك في خط الرسالات الإلهية ، وإلى بذل مثل هذا العطاء والتضحيات لإقامة دولة الحق الربانية ، فسلامٌ عليك من قلوب لكم تائقة ، وعلى مصائبكم تئن شاهقة ، وعند الله تحتسب دماءكم الطاهرة ، فهو حسبنا ونعم الوكيل .
في ذي الحجة الحرام .. يحقُّ للمؤمن أن يقف على عطائك مذهولاً يا حسين ، ويتبع ذهولَه بكاءً وأنيناً ، على ما ألمَّ بكَ ودهاك ، وما أصابكَ واعتراك ، حيث قُتلتَ عُطشاناً ، وذهبتَ إلى ربِّك ظمآناً ، تعلوكَ السيوفُ ببواترِها ، وتطأُكَ الخيولُ بحوافرِها ، كلُّ ذلك من أجلِ رضا ربِك وهدايةِ خلقِه ، وتثبيتِ أركانِ دينهِ وحاكميتِه ودولتِه .. كان بوسعك يا سيدَ الشهداء أن تلوذَ ببيتِه الحرام في شهرِه الحرام ، متعلّقاً بأستار قبلتِه ، طائفاً حول بيتِه وكعبتِه ، ساعياً بين صفاه ومروتِه ، متوسلاً به في عرفة ، راجياً إيّاه في منى ، طالباً منه الأمنيات ، رامياً عقب ذلك الجمرات ، فيكتمل حجُّك وفق تصوّر الحجيج ، وما يفتي به كبارُهم من ضجيج ، ولكنّك تركتَ كلَّ ذلك يوم التروية يا سليلَ الهدى ، وآثرت إلّا أن تفارقَ زمزم والصفا ، وعرفةَ ومنى ، منصرفاً عن تمنّي الأمنيات ورمي الجمرات ، والطواف حول بيت الرب وقبلة المعبود ، ميمّماً إلى العراق وجهك ، سائراً بضعنك وأهل بيتك ، زينب والبنين ، يصحبك بدورُ الهاشميين ، وقلةٌ ممّن وفّوا بعهد الله طائعين ملبّين.
أنت بهذا - يا ذبيح الله - وضعتَ الحجيجَ وكلَّ مَن يقدّس أحجار بيت الرب في موضعٍ لا يُحسدون عليه ، تركتهم يطوفون حول أحجار ليس إلّا ، يسعون بين وهمهم وخيالهم ، يقفون في عرفة بجهلهم وجحودهم ، لا يتمنّون غير الطمع والدنيا ، يحسبون أنهم يرمون الشيطان ونفوسهم أولى بأن تُرمى ، فإنّما وضع الله الحج – كما يقول صادق آل محمد – ليَعْرِض المؤمنون على خليفة الله ولايَتَهم ونصرَتَهم ، ليتطهّروا من ذنوبهم ويكونوا حقاً على الله ضيوف ، فعلى مَن يَعْرِض المتخلّفون عنك ولايتَهم بعد انصرافك وارتحالك من بينهم ، وإعراضك عنهم .. هل يكفيهم أن يحسبوا أنفسهم على الرحمن ضيوفاً ، وهل يعقل أن يقابل الرحمن ضيفه بصواعق ورعود ، وقذف بالأحجار والصخور والتراب ، فينتشر الموت والذعر وينزف الدم داخل البيت الحرام !
إذن – وكما يقول ولدك اليماني المظلوم - : "يا حسين ، تركتها يوم التروية ، ولا زالت تصب لعنة غضبها عليهم، فإليك حججت يا قبلة الله".
بهذا نعرف حقيقة ربما جهلها الكثير وهي أنّ القبلةَ الحقيقية والحج الحقيقي هو خليفة الله ، وغايته هي اتباعه والتسليم له وطاعته ونصرته والذود عنه ، عدا ذلك لا يعدو أن يكون الحج صفيراً وتصفيقاً "وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ".
في ذي الحجة الحرام .. نحن والعالم أجمع على موعد مع عيد الله الأكبر ، عيد الغدير الأغر ، يوم اكتمال الدين وتمامه ، بتنصيب أمير المؤمنين خليفة ووصياً لسيد الخلق محمد (ص) ، يتلوه من بعده أبناؤه الميامين ، الذين تجرّعوا كؤوس المرار والألم ؛ من سجون وتشريد ، وقتل وتعذيب ، في سبيل إنقاذ الخلق من الردى ، والأخذ بأيديهم إلى جادة الحق والهدى .
في ذي الحجة الحرام أيضاً .. نحن على موعد مع عطاء إلهي محمدي آخر ، من أجل هداية الخلق وإنقاذهم مرة أخرى ، يتجسّد بإرسال الإمام المهدي (ص) لنفس بريئة ، طاهرة زكية ، من أهل بيته الكرام ، إلى قريشَ آخر الزمان ، فيستقبلوه كاستقبال أسلافهم للأنبياء والرسل ، وليتهم اكتفوا برميه بما رمى به آباؤهم جده محمد في مكة عند بعثته ، إنما زادوا على آبائهم إجراماً ، ولم تكتفِ نفوسهم التوّاقة لدماء الأولياء ما فعله أسلافهم بآل محمد قتلاً ، فيعمدوا إليه فيقتلوه ، فتحزن لمقتله الأرض والسماء ، ويثأر لدمه الملأ الأعلى ، ويوتر آل محمد بعزيز من جديد ، فينقطع العذر ويقترب النصر.
أيها المؤمنون .. يا أنصار الإمام المهدي (ص) :
إنّ المحطات التي وقفنا عليها معاً باختصار خلال رحلتنا هذه في رحاب شهر ذي الحجة الحرام ، لهي محطات إلهية وعَدَ الله سبحانه أنها الأعمال الكبرى التي تبرز للإنسان يوم يقف بين يديه في ساحته ، وبها يمتاز الخلق جميعاً ..
يقول السيد أحمد الحسن (ع) لمن سأله عن معيار التمايز بين الناس في الآخرة :
(( التمايز في الآخرة على أساس الإيمان والعمل الذي قدمه الانسان لآخرته .. "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى* ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى"، "وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورا"، "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ". فالله لا يضيع عمل عامل للآخرة وسيجزيه بأحسن الجزاء، فقط الآية الأخيرة لو تلاحظ ما هي الأعمال الكبرى التي تبرز للإنسان في الساحة الالهية "فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ " .. يُهجّرون بسبب إيمانهم ، يُؤذون بسبب إيمانهم ، يُسجنون بسبب إيمانهم ، يُعذبون بسبب إيمانهم بخليفة الله ، هذه الابتلاءات التي ربما يتذمّر البعض منها هي أفضل الأعمال إذا كانت خالصة وحدثت للمؤمن بسبب نصرته لخليفة الله )) انتهى.
وقد اتضح لنا من خلال عرض المحطات أعلاه أنّ خلفاء الله ومن التحق بركبهم (رحمهم الله) هم أول من خاض غمار هذه الأعمال الكبرى وارتحلوا إلى ربهم الكريم متوّجين بها .
ختاماً نقول : إن عرفنا هذا وعقلناه ، وعاهدنا الله على العمل به حتى اخر نفس ، حق لنا ان نحتسب هذا اليوم عيداً رغم الحزن والألم الذي يعتصر القلوب النقية لذكره ، ولكن ما خلقنا للدنيا والراحة فيها ، وللآخرة خير وأبقى .
السلام على الحسين الذي ذبح عطشاناً ..
السلام على السائرين على نهجه ودربه من الأولين والآخرين ..
السلام على المقتولين والمعذبين والمظلومين والمسجونين من أجل نصرة خليفة الله في زمانهم.
والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
"قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد"
مكتب السيد أحمد الحسن ع
النجف الاشرف
10/ذو الحجة/ 1436

هذا والحمدلله رب العالمين، وأستغفر الله لي ولكم
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر]