الخطبة الاولي :
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين مالك الملك مجري الفلك مسخر الرياح فالق الإصباح ديّان الدين رب العالمين الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمّارها وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها . اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة يأمن من ركبها ويغرق من تركها المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق .
عباد الله اوصيكم و نفسي بتقوي الله و لزوم طاعته و نصرة قائم آل محمد عليه السلام .


الصراط المستقيم:


قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ .
هو الحق أو الطريق الذي يريد الله سبحانه من عباده سلوكه، أو هو الطريق الموصل إلى الحي القيوم سبحانه، وبعبارة أخرى هو الاعتقادات والأحكام الشرعية الصحيحة الصادرة منه سبحانه والواصلة لعبادة بواسطة أنبيائه ورسله و أوصيائهم ، ولا بد للعاقل من البحث عن الحق ليدفع عن نفسه العذاب وليتخذ إلى ربه المآب، سالكاً صراطه المستقيم، فالرضا بهذه الحياة المادية والاستغراق فيها أشد من الممات، بل هو شبه العدم، بل هو جهنم، قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ، كما أن معرفة الحق والسير به وعليه وإليه هو الحياة الحقيقية؛ لأنّ في نهايته الوصول إلى عالم العقل والعودة إلى الحي الذي لا يموت، وهذه غاية فوق الجنة، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
فالعاقل لا يضيع حظه من السير على هذا الطريق، فإن وصل فبرحمة الله، وإلاّ فهو يتقلب في الجنان بفضل الله وببركة إجابة دعاء الحي الذي لا يموت: (أقبِل).


قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ، أي إنّ الله خلقكم رجاء أن تصلوا إلى عالم العقل كما وصل الأنبياء والأئمة ، بل إنّ المطلوب الوصول إلى أعلى درجة في هذا العالم، وهي درجة المس بعالم اللاهوت أو درجة ألقاب قوسين أو أدنى. وصاحب هذا المقام المحمود من خُلقَ لأجلهِ الوجود (محمد وعلي نفسه). ومع أني اخترت الاختصار والإشارة، ولكن لا بأس من التوضيح قليلاً لعل الله يرزقني دعاء من يقرأ هذه الكلمات.


اعلموا أيها الأحبة من المؤمنين والمؤمنات إنّ المخلوق الأول هو العقل، وهو العالم الأول الروحاني وهو عالم كلي، الموجودات فيه مستغرقة بعضها في بعض ولا تنافي بينها. وأهله على درجات أعلاها المس بعالم اللاهوت سبحانه، وهي درجه خاصة بمحمد وعلي ع .


فمحمد ﴿دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾وعلي ع نفسه، قال تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُم﴾ ، وعلي ممسوس بذات الله كما ورد عنه ، ودونهما درجات، فهما (عليهما السلام) محيطان ويعلمان بكل من دونهما، ومن دونهما يعلم منهما بقدر درجته ولا يعرفهما أحد بتمام معرفتهما غير خالقهما، كما لا يعرف الله سبحانه أحد غيرهما بتمام معرفته الممكنة للإنسان.
ورد عن صاحب المقام المحمود ما معناه: (يا علي ما عرف الله إلاّ أنا وأنت، وما عرفني إلاّ الله وأنت، وما عرفك إلاّ الله وأنا) .


أمّا العالم الثاني فهو عالم الملكوت، وهو عالم مثالي صوري، وهو عالم الأنفس شبيه بما يراه النائم. وذلك أن النائم غفل عن وجوده المادي فالتفت إلى وجوده الملكوتي، ولك أن تقول المثالي أو النفسي.


أمّا العالم الثالث فهو العالم المادي، وهو عالم شبيه بالعدم ليس له حظ من الوجود إلا قابليته للوجود، وهو آخر درجات التنـزل. فإذا أفيضت الصورة على المادة تكوّن الجسم، وهو أول درجات الصعود أو العودة، ثم إن الأجسام تنقسم بحسب درجاتها الوجودية إلى جماد ونبات وحيوان وإنسان، والإنسان إما يرتقي ويعود إلى مبدئه سبحانه، فيسبح في عالم العقل والقرب من الحي الذي لا يموت، وإما يزري بنفسه ويدبر عن ربه، فلا يرى إلاّ المادة التي لا تكاد تدرك أو يحصل العلم بها إلا عند إفاضة الصورة المثالية عليها، وهكذا يصبح كالأنعام بل أضل سبيلاً؛ لأنه خُلق ليقبل فأدبر، وخُلق ليعقل فأبى إلا الجهل، وخُلق ليحيا فأبى إلا الموت.
قال أبو عبد الله ع : (إنّ الله عز وجل خلق العقل وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره، فقال أدبر فأدبر ثم قال له أقبل فأقبل. فقال الله تبارك وتعالى خلقتك خلقاً عظيماً وكرمتك على جميع خلقي، قال: ثم خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانياً، فقال له أدبر فأدبر، ثم قال له أقبل فلم يقبل، فقال له استكبرت فلعنه …) .
أما العقل كل العقل فهو محمد ووصيه علي ع ؛ لأنه نفسه كما في الآية وأنفسنا وأنفسكم . وأمّا الجهل كل الجهل فهو الثاني (لعنه الله)، وهو مبدأ التكبر، وهو الذي أضل إبليس وأرداه في الهاوية. قال إبليس (لعنه الله): ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ، أي بالذي أغويتني به، أو بالنكرة التي تسببت بإغوائي. وهو في الآية النكرة الموصوفة؛ لأنه ظلماني لا هوية له، و (ما) التي تستعمل لـ (غير العاقل)؛ لأنه لا عقل له لعنه الله وأخزاه.
وهكذا فمن بني آدم ع من ارتقى بالعبادة والكمالات الأخلاقية، حتى وصل إلى القاب قوسين أو أدنى، فهو معلم الروحانيين والملائكة المقربين، وهو الإنسان الكامل أي محمد ،كما أن آدم ع علم الملائكة ما لم يكونوا يعلمون، قال أمير المؤمنين: (خلق الإنسان ذا نفس ناطقة، إن زكاها بالعلم والعمل فقد شابهت جواهر أوائل عللها، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك السبع الشداد).
ومن بني آدم من أردى نفسه في الهاوية، فهو يسبح في بحر أجاج ظلمات بعضها فوق بعض، إذا اخرج يده لم يكد يراها، حتى أمسى ظلمانياً لا نور فيه، وجهلاً لا عقل معه، واضطراباً لا استقرار له، وخوفاً لا طمأنينة فيه، ولا سكينة تنـزل عليه. فلا يطمع في رحمة الله ويائس من روح الله مع أنّ إبليس (لعنه الله)، إذا قامت القيامة يطمع في رحمة الله كما ورد في الحديث، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
وهؤلاء يوحون لشياطين الجن زخرف القول بأنفسهم الخبيثة المستكبرة. فشياطين الجن من شياطين الأنس تأخذ ومنهم تتعلم، قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ .
وقال الحروري :
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى بي الأمر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدي .
وبقي شيء ... ولسائل أن يسأل، فالذي عند الكفرة أليس بعقل فهم يخترعون به الطائرة وأجهزة الاتصال المتطورة ؟!

والجواب: سئل أبو عبد الله ع عن الذي كان عند معاوية لع فقال : (تلك النكراء تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل). فكل إنسان له نصيب في عالم الملكوت، ونصيبه نفسه وهي صورة مثالية وظل للعقل، وهذا الظل هو قوة الإدراك أو الناطقة المغروسة في الجنان. والحيوان الصامت يشاركنا فيها ولكن مرآة الإنسان أصفى، فإشراق العقل على نفسه أبهى وأوضح، فحظه من هذا الظل أكبر. ومن تتبع عالم الحيوان سيعلم أنّه لبعض الحيوانات القدرة على اختراع بعض الآلات، كما ورد عن بعض علماء الأحياء. وكمثال القنادس تنصب السدود لترفع منسوب الماء، فليس للإنسان فضل على الحيوان إلا أن ينظر في هذا الظل ليرى الحقيقة والعقل، ويسير نحوها للتكامل بالعبادة والشكر والأخلاق الحميدة، وإلاّ فان اكتفى بهذا الظل فهو كالأنعام، أي كالحيوان الصامت، وإن أزرى بنفسه بالأخلاق الذميمة فهو أضل سبيلاً . والحمد لله وحده، وما أوتينا من العلم إلاّ قليلاً، ربي أدخلني والمؤمنين والمؤمنات في رحمتك أنت ولي في الدنيا والآخرة فنعم المولى ونعم النصير.


الخطبة الثانية
اللهم صل علي محمد و آل محمد الأئمة و المهديين و سلم تسليما


العقائد والأحكام
وتشمل:
العقائد الصحيحة:

الإيمان بوجود خالق و توحيده، والتصديق بأنبيائه ورسله وأوصيائهم ، والعدل والقضاء والقدر والبداء والجنة والنار، وعصمة خلفاء الله في أرضه ، والملائكة والغيب وكل ما أخبر به الأنبياء والمرسلون وأوصياؤهم ، ومالنا إلاّ التمسك بأذيالهم والاقتداء بآثارهم، قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ .

وعن زرارة، قال: سُئل أبو عبد الله ع من بدء النسل من آدم كيف كان، وعند بدء النسل من ذرية آدم، فإن أناساً عندنا يقولون: إن الله عز وجل أوحى إلى آدم أن يزوج بناته ببنيه، وأن هذا الخلق كله أصله من الأخوة والأخوات.
فقال أبو عبد الله ع : (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، يقول: من قال هذا ... بأنّ الله عز وجل خلق صفوة خلقه وأحباءه وأنبياءه ورسله والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام؟!!! ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من حلال!!! وقد أخذ ميثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطيب، فوالله لقد تبينت أن بعض البهائم نُكرت له أخته، فلما نزا عليها ونزل كُشف له عنها، فلما علم أنها أخته أخرج عزموله ثم قبض عليه بأسنانه حتى قطعه فخر ميتاً. وآخر نُكرت له أمه ففعل هذا بعينه فكيف الإنسان في أنسيته وفضله وعلمه، غير أن جيلاً من هذا الخلق - الذي ترون - رغبوا عن علم أهل بيوتات أنبيائهم، وأخذوا من حيث لم يأمروا بأخذه، فصاروا إلى ما ترون من الضلال والجهل بالعلم، كيف كانت الأشياء الماضية من بدء أن خلق الله ما خلق، وما هو كائن أبداً.
ثم قال: ويح هؤلاء أين هم عما لم يختلف فيه فقهاء أهل الحجاز ولا فقهاء أهل العراق، أن الله عز وجل أمر القلم فجرى على اللوح المحفوظ بما هو كائن إلى يوم القيامة قبل خلق آدم بألفي عام، وأن كُتب الله كلها فيما جرى فيه القلم في كلها تحريم الأخوات على الأخوة مع ما حرم. وهذا نحن قد نرى هذه الكتب الأربعة المشهورة في هذا العالم: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، أنزلها الله عن اللوح المحفوظ على رسله منها التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد، وعلى النبيين وليس فيها تحليل شيء من ذلك حقاً. أقول ما أراد من يقـول هذا وشبهه إلا تقويـة حجج المجوس، فما لهم قـاتلهم الله …).


فالحمد لله الذي فضحهم وأخزاهم بجهلهم وعنادهم للصادقين من آل محمد حيث جعلوا الأنبياء أولاد زنا، حاشاهم عن ذلك فسود الله وجه كل من تصدّى أمام الصادقين من آل محمد ، وادعى أنّه يعلم بسنة الرسول وبمحكم الكتاب ومتشابهه، ونصب نفسه إماماً يدعو إلى النار في أمور الدين، كما فعل الأمويون والعباسيون ومن تبعهم في أمور الدنيا ولم يبق عذر اليوم لأتباعهم إلاّ العناد والتكبر، وإلاّ أن يقولوا عنـزة ولو طارت!
وعمدة العقائد التي يجب الإيمان بها هي ما جاءت في آخر سـورة البقرة، وهي التي آمن بها النبي ، وهي:


الأيمان بالله و بالملائكة و بالكتب السماوية و بالرسل ، سواء كانوا أنبياء أو أوصياء أو أي مرسل من الله سبحانه ، حتى و لو كان مرسل للقيادة الدنيوية فقط كطالوت ع .
فعلى كل مسلم أن يؤمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، وأن يؤمن بنبوة محمد ، وأن يؤمن بالملائكة والكتب والأنبياء السابقين وأوصيائهم وشرائعهم، وأن يحترمها وإن نسخت؛ لأنها كانت شريعة الله في يوم من الأيام على هذه الأرض. وعلى المسلم أن يؤمن بأوصياء النبي محمد الاثني عشر ، وأن يقبل كل ما صح من الأخبار عنهم ، كما على المسلم أن يؤمن أن الوصي الثاني عشر من أوصياء محمد هو الإمام محمد بن الحسن المهدي ع ، وهو حي يرزق إلى اليوم وسيقوم بالسيف كما قام جدّه ، وعلى المسلم موالاته والنصح له، وتقديمه على النفس والمال والولد، والعمل لإعلاء كلمته وإظهار أمره ومظلوميته، والتهيئة لدولته ع ، ومعاداة عدوه من أئمة الجور المتسلطين على هذه الأمة، وأعوانهم وجنودهم الكافرين الخارجين من ولاية الله إلى ولاية إبليس (اللعين). وعلى المؤمن أن لا يخشى عددهم وعدتهم.
قال تعالى: ﴿وَمكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.


الأحكام:


أمّا الأحكام ، فهي مجموع التشريعات التي يأتي بها الأنبياء والمرسلون منه سبحانه، والتي يكلف بها العباد وربما نسخ بعضها، أو زيدت تشريعات أخرى خلال مرور الزمن وفق علم الحكيم الخبير بما يصلح حال العباد والبلاد في كل زمن، ولا يصح النسخ والتغير والزيادة إلاّ ببعث نذير معصوم ناطق عن الله وعامل بأمره، ومن ابتغى وراء ذلك فقد ضل ضلالاً بعيداً، ولو نظرنا في الشرائع السماوية والأحكام الإلهية لوجدنا تطبيقها هو، وهو فقط المصلح للأرواح والأبدان والبلاد والاقتصاد، فمن شرّع أو غيّر ونسخ أو زاد في الشريعة من غير أولئك المعصومين الناطقين عن الله فقد ادّعى أنّه إله وعلى الخلق أن يعبدوه، وإن لم يصرح بهذا في قوله، فقد صرح القرآن أن اليهود كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم من دون الله؛ لأنّهم كانوا يحلّون لهم الحرام ويحرمون الحلال فيطيعونهم، عن أبي جعفر ع في تفسير قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ، قال ع : (وأمّا أحبارهم ورهبانهم فإنّهم أطاعوهم وأخذوا بقولهم واتبعوا ما أمروهم به، ودانوا بما دعوهم إليه، فاتخذوهم أرباباً بطاعتهم لهم، وتركهم ما أمر الله وكتبه ورسله فنبذوه وراء ظهورهم، وما أمرهم به الأحبار والرهبان اتبعوه وأطاعوهم وعصوا الله، وإنّما ذكر هذا في كتابنا لكي نتعظ بهم … ).

إذن فكل عقيدة يعتقدها الإنسان إن لم يأخذها من معصوم جاء بها من الله فهي عبادة من دون الله، وكل حكم شرعي يتعبد به الإنسان إن لم يأخذه من معصوم جاء به من الله فهو عبادة لذلك الشخص الذي أفتى وشرّع؛ لأنّه ادعى أنه إله، حيث إن المعصومين أنفسهم ليس لهم إلاّ نقل الحكم الشرعي عن الله.


قال الإمام الصادق ع في رسالته المشهورة إلى الشيعة: (أيتها العصابة المرحومة المفلحة، أن الله أتم لكم ما أتاكم من الخير، واعلموا أنّه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس، قد أنزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شيء. وجعل للقرآن ولتعلم القرآن أهلاً، لا يسع أهل علم القرآن الذين أتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى ولا رأي ولا مقائيس، أغناهم الله عن ذلك بما أتاهم من علمه أخصهم به، ووضعه عندهم كرامة من الله أكرمهم بها، وهم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الأمة بسؤالهم، وهم الذين من سألهم - وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم - أرشدوه، أعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلى الله بإذنه، وإلى جميع سبل الحق، وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم - الذي أكرمهم الله به وجعله عندهم - ألا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق، تحت الأظلة، فأولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم، وأولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان؛ لأنهم جعلوا أهل الإيمان في علم القرآن عند الله كافرين، وجعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين، وحتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الأمر حراماً، وجعلوا ما حرّم الله في كثير من الأمر حلالاً.
فذلك أصل ثمرة أهوائهم، وقد عهد إليهم رسول الله قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض الله عزّ وجل رسوله يسعنا أن نأخذ بما أجتمع عليه رأى الناس، بعدما قبض الله عزّ وجل رسوله ، وبعد عهده الذي عهده إلينا وأمرنا به. مخالفاً لله ولرسوله ، فما أحد أجرأ على الله، ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك، وزعم أن ذلك يسعه.
والله إنّ لله على خلقه أن يطيعوه ويتبعوا أمره في حياة محمد ، وبعد موته. هل يستطيع أولئك أعداء الله أن يزعموا أن أحداً ممن أسلم مع محمد أخذ بقوله ورأيه ومقائيسه؟ فإن قال: نعم، فقد كذب على الله وضل ضلالاً بعيداً. وإن قال: لا، لم يكن لأحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقائيسه، فقد أقر بالحجة على نفسه. وهو ممن يزعم أن الله يطاع ويتبع أمره بعد قبض رسول الله ، وقد قال الله وقوله الحق: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾، وذلك لتعلموا أن الله يطاع ويتبع أمره في حياة محمد ، وبعد قبض الله محمداً ، وكما لم يكن لأحد من الناس مع محمد أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه، خلافاً لأمر محمد ، فكذلك لم يكن لأحد من الناس بعد محمد أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه) .


فإذا كان الأئمة مع تمام عقولهم وعلمهم بمحكم الكتاب ومتشابهه، وتنـزيله وتأويله، ليس لهم الفتوى، بل ينقلون عن الله وعن رسوله ، فكيف يكون لغيرهم مع نقصان عقولهم وجهلهم بالمحكم والمتشابه، والتنـزيل والتأويل.
قال الإمام الصادق ع لأبي حنيفة عندما دخل عليه: (يا أبا حنيفة، تعرف كتاب الله حق معرفته؟!!! وتعرف الناسخ والمنسوخ؟!!! قال: نعم، قال ع : يا أبا حنيفة، لقد ادعيت علماً، ويلك ما جعل الله ذلك إلاّ عند أهل الكتاب الذين أنزل الله عليهم. ويلك ولا هو إلاّ عند الخاص من ذرية نبينا ، ما ورثك الله من كتابه حرفاً، فإن كنت كما تقول ولست كما تقول، فأخبرني … ).


الحمدلله وحده وحده وحده