الخطبة الاولي :
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين مالك الملك مجري الفلك مسخر الرياح فالق الإصباح ديّان الدين رب العالمين الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمّارها وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة يأمن من ركبها ويغرق من تركها المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق .
عباد الله اوصيكم و نفسي بتقوي الله و لزوم طاعته و نصرة قائم آل محمد عليه السلام


عظم الله اجوركم بذكري استشهاد صادق آل محمد نهر الحياة و العلم في الجنة ، السلام عليه يوم ولد و يوم استشهد و يوم يبعث حيا .


وقال فيه الإمام احمد الحسن ( ع) بأنه سلام الله عليه هو [ ص ] في القرآن


قال تعالى : ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ . [ ص ] : هو حرف من الحروف المقطعة ، و هو يشير إلى أحد الأئمة ، و هو أنّ كل حرف من حروف المقطعة يشير إلى أحد المعصومين عليهم السلام . و [ ص ] : هو اسم نهر في الجنة و هو نهر ماء الحياة والعلم الذي يُحيي القلوب والأرواح و إذا شاء الله له التجلي والظهور والنبع في هذا العالم يكون سبباً أيضاً لحياة الأجساد الميتة كما حصل لحوت موسى و يوشع عليهما السلام عندما نسياه بقرب العبد الصالح , فكان نبع الحياة أو العلم الذي ظهر بقرب الحوت في تلك اللحظة سبباً في حياته واتخاذه سبيلاً في البحر سرباً , وكانت هذه إشارة وآية أيضاً لموسى (ع) يعرف من خلالها العبد الصالح الذي يُحيي القلوب بنبع ونهر الحياة والعلم .


وتجلي هذا النهر ــ نهر العلم والحياة ــ بوضوح في الإمام الصادق (ع) بالخصوص وشاء الله أن يُيسِّر من خلاله عليه السلام نشر علم آل محمد وبثِّه بين الناس .


فهذا الحرف [ ص ] يُشير إلى الإمام الصادق عليه السلام .و العلم والمعرفة هي ثمرة اليقين والصبر بالخصوص قال تعالى : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) السجدة .
فهذا الحرف يشير إلى الصبر أيضاً . احمد الحسن
الجواب المنير سؤال 522


هو أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق بن محمد بن علي، وقد نص على إمامته أبوه محمد الباقر، ولقبه النبي (ص) بالصادق. ولدبالمدينة في 17 من ربيع الأول وقيل في مطلع رجب من سنة 83 للهجرة وقيل 80 للهجرة. واستشهد في 25 شوال سنة 148 للهجرة. ودفن في البقيع بالمدينة المنورة مع أبيه وجده. وكان أعلم أهل زمانه لا يضاهيه أحد فيه لأنه ورث العلوم عن لآبائه وجده رسول الله (ص) ولقد نقل العلماء عنه من العلوم ما لم ينقلوه من غيره ولا روي من الأحاديث عن أحد بكثرة ما روي عنه. ولقد أحصى أصحاب الحديث أسماء الثقاة من الرواة الذين رووا عنه فكانوا أربعة آلاف. وروي عنه راوٍ واحد ثلاثين ألف حديث، وروى عنه جل العلماء الذين كانوا في عصره ومنهم المذاهب الأربعة ( مالك بن أنس، أحمد بن حنبل، محمد بن إدريس الشافعي، وأبو حنيفة) وكلهم رووا عنه ولم يروِ هو عن أحد، ولأجل ذلك صارت مدرسته مذهبا للشيعة لأنهم رووا عنه أكثر من غيره من الأئمة. وأن جابر بن حيان مؤسس علم الكيمياء تلميذه وعنه أخذ هذا العلم، فقد أملى الصادقخمسمائة رسالة في علم الكيمياء.


وقد أجمع واصفوه بأنه لُقب بالصادق لأنه عُرِفَ بصدق الحديث والقول والعمل حتى أصبح حديث الناس في عصره. وقد اختلف المؤرخون في السنة التي وُلد فيها الإمام الصادق (عليه السلام) فمن قائل إنه وُلد بالمدينة المنورة سنة ( 80 هـ ) .


خصائص الامام الصادق (ع) : جــوده وكرمــه :
قال سعيد بن بيان : مرَّ بنا المفضل بن عمر - أنا وأخت لي - ونحن نتشاجر في ميراث فوقف علينا ساعة ثم قال لنا : تعالوا إلى المنزل ، أتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم دفعها إلينا من عنده حتى إذا استوثق كل واحد منا صاحبه قال المفضل : أما إنها ليست من مالي ولكن أبا عبد اللـه الصادق أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا أن أصلح وأفتد بها من ماله – فهذا مال أبي عبد اللـه .


حلمــه ورأفتــه : كان (عليه السلام ) إذا بلغه من أحد نيلاً منه أو وقيعة فيه قام إلى مصلاّه فأكثر من ركوعه وسجوده وبالغ في ابتهاله وضراعته وهو يسأل اللـه أن يغفر لمن ظلمه بالسب ونال منه . و إن كان من أقربائه الأدنين فكان يوصله بمال ويزيد في بره قائلاً : إني لأحب أن يعلم اللـه أني أذللت رقبتي في رحمي ، وأني لأبادر أهل بيتي أصلهم قبل أن يستغنوا عني .


صبــره وأمانتــه : 1- كان للإمام ولداً يدعى ( إسماعيل ) وكان أكبر أولاده ، فلما شبَّ كان جمَّاع الفضائل والمكارم حتى حسب أنه خليفة أبيه والإمام من بعده ، ولما اكتمل نبوغه صرعته المنية ، فلم يخرج لوفاته بل دعا أصحابه إلى داره لمراسم الدفن وأتى إليهم بأفخر الأطعمة وحثهم على الأكل الهنيء ، فسألوه عن حزنه على الفقيد الفتي الذي اختطفه الموت في ربيعه ولما يكمل من الحياة نصيبه ، قال لهم : ومالي لا أكون كما ترون في خير أصدق الصادقين - أي الرسول (ص) - : { إنك ميت وإنهم ميتون }


2 - وكان له ولد آخر كان في بعض طرقات المدينة يمشي أمامه غضاً طرياً ، اعترضته غصة في حلقه فشرق بها ومات أمامه ، فبكى (ع) ولم يجزع بل اكتفى بقوله مخاطباً لجثمان


عبادتــه وطاعتــه : كل من وصف جعفر بن محمد الصادق (ع) بالعمل شفعه بالزهد والطاعة وإليك بعض كلماتهم في ذلك : قال مالك - إمام المذهب - : “ كان جعفـر لا يخلو مـن إحـدى ثلاث خصـال ، إما مصلٍّ وإما صائم وإما يقرأ القرآن “ وقال : “ ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق (ع) علماً وعبادةً وورعاً .


تأسيس جامعة أهل البيت (عليهم السلام) :


1- لقد عُزلت الاُمة عن تبني أفكار الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) وفقههم أكثر من قرن وبقيت تتناقله الخواصّ في هذه الفترة عن طريق الكتابة والحفظ شفاهاً وبالطرق السرّية.


2 ـ في هذه الفترة طرحت على العالم الإسلامي تساؤلات فكريّة ومستجدّات كثيرة لم تمتلك الاُمة لها حلاّ بسبب اتّساع البلاد الإسلامية وتبدّل الظروف وحاجات المسلمين.


3 ـ شعر المسلمون في هذا الظرف بأهمية البحث عن مبدأ فكري يتكفّل حلّ مشكلاتهم; لأنّ النصّ المحرّف واجتهادات الصحابة أصبح متخلّفاً عن المواكبة بل أصبح بنفسه مشكلة أمام المسلم لتعارضه مع العقل والحياة.


4 ـ في هذا العصر ظهرت مدارس فكرية متطرّفة مثل مدرسة الرأي القائلة بالقياس و الاستحسان. زاعمة أنّ للنصوص التي نقلت عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قليلة لا تفي بالغرض .


5- غياب القدوة الحسنة والجماعة الصالحة التي تشكل مناخاً لنمو الفضيلة وزرع الأمل في نفوس الاُمة باتّجاه الأهداف الربّانيّة .


قام الإمام الباقر (عليه السلام) بتشكيل حلقاته العلمية في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان وجوده (عليه السلام) مركز جذب لقلوب طلاب الحقيقة فالتفّ حوله صحابة أبيه الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وبدأ منذ ذلك الحين بالتركيز على بناء الكادر العلمي آملا أن يواجه به المشكلات الفكرية التي بدأت تغزو الاُمة المسلمة. وكان يشكّل هذا الكادر فيما بعد الأرضية اللازمة لمشروع الإمام الصادق (عليه السلام) المرتقب فتناول الإمام (عليه السلام)


أهمّ المشكلات الفكرية التي كان لها ارتباط وثيق بحياة الناس العقائدية والأخلاقية والسياسية.


وزجّ الإمام بكادره العلمي وسط الاُمة بعد أن عبّأه بكـل المؤهّلات التي تمكــنهُ من خوض المعركة الفكرية حينما قال لأبان بن تغلب: «إجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإنّي اُحبّ أن أرى في شيعتي مثلك .




الخطبة الثانية :


اللهم صل علي محمد و آل محمد الأئمة و المهديين و سلم تسليما


الإمام الصادق يهيّء الخط الشيعي للمواصلة :


لقد كانت الفترة الأخيرة من حياة الإمام الصادق (عليه السلام) مع حكومة المنصور فترة تشدّد ومراقبة لحركة الإمام، تخللتها محاولات اغتيال عديدة، لكن الإمام(عليه السلام) علم أن المنصور قد صمّم على قتله، ولهذا مارس جملة من الانشطة ليهيّء فيها الخط الشيعي لمواصلة الطريق من بعده.


النشاط الأول :


حاول الإمام الصادق (عليه السلام) أن يجعل من الصف الشيعي صفّاً متماسكاً في عمله ونشاطه ، وركّز على قيادة الإمام الكاظم (عليه السلام) من بعده فيما لو تعرّض لعملية قتل من قبل المنصور .


التأكيد على ضرورة المعرفة :


وهكذا نرى الإمام الصادق(ع) يؤكّد على المعرفة من خلال أن تكون الإنسان الذي يملك المعرفة التي تمنحك الوعي لحركتك، وعنه(ع) يقول: "لا يقبل الله عزَّ وجلَّ عملاً إلا بمعرفة"، فهل تريد أن يقبل الله صلاتك؟ ادرس ما هو وعيك لصلاتك، وما هو فهمك ومعرفتك لما تقرأ من سور، وما تذكر من أذكار، وما تفعل من ركوعٍ وسجود ووقوف بين يديّ الله؟ "لا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة ـ لأنَّ مسألة العبادة كالصلاة ليست حركاتٍ رياضيّة، إنَّها حركة روحيّة. لذا، لا بدَّ أن تنطلق صلاتُك لتهدي روحك، ولتجعل إحساسك وشعورك في حالة صفاء ونقاء، ولتفتح أمامك كلّ مواقع الصراع، لتنهاك عن الفحشاء والمنكر.


وهكذا بالنسبة إلى الصوم، ألاّ يظمأ أو يجوع جسدك وحسب مما تحرمه من طعام وشراب، ولكن أن يظمأ جسدك ويجوع من أكل الحرام وشرب الحرام وشهوة الحرام.. إنّ عليك أن تحوِّل هذا الظمأ إلى ريٍّ للروح عندما تصوم عمّا أراده لك أن تصومه في العمر كلِّه، وهو الصوم الكبير، الصوم عن الحرام ـ ومَنْ لم يعمل فلا معرفة له ـ لأنَّ المعرفة هي التي تقود إلى العمل ـ إنَّ الإيمان بعضه من بعض.."، فالإيمان الحقّ هو الذي يقوِّي فيه جانبُ الفكر جانبَ العمل، والذي يتحرّك فيه الفكر والعمل ليحددا لك الطريق والأهداف في الدنيا والآخرة..


وصايا الإمام الصادق (ع) إلى شيعته :


عندما نقف مع ذكرى الإمام الصادق، فلا بد أن نستمع إلى بعض وصاياه إلى شيعته، ونحن شيعته السائرون في خط الإسلام الأصيل في خط أهل البيت(ع).


قال لبعض أصحابه: "اقرأ على من ترى أنّه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام. وأوصيكم بتقوي الله والورع في دينكم ـ الورع عن الحرام ـ والاجتهاد لله ـ أن تبذلوا جهدكم في طاعة الله ـ وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحُسن الجوار، فبهذا جاء محمد(ص). أدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها براً كان أو فاجراً، فإن رسول الله(ص) كان يأمر بأداء الخيط والمخيط. صِلوا عشائركم ـ الذين تختلفون معهم في المذهب ـ واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق الحديث، وأدّى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا جعفري، فيسرّني ذلك، ويدخل عليَّ منه السرور، وقيل: هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير ذلك دخل عليّ بلاؤه وعاره".


وكان أحد أصحابه قد عاد من بلاد أخرى فسأله الإمام(ع): "كيف مَن خلّفت من إخوانك؟" فأجاب الرجل وأحسن الثناء، فسأله الإمام(ع): "كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم؟" فقال: قليلة، قال: "وكيف مشاهدة أغنيائهم لفقرائهم؟" قال: قليلة، قال: "فكيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم؟" فقال الرجل: إنك لتذكر أخلاقاً قلّما هي فيمن عندنا، فقال(ع): "فكيف تزعم هؤلاء أنهم شيعة".


وورد في خطاب الإمام الصادق(ع)، وكان الناس يجتمعون في بيته، والبيت غاصٌ بأهله من جميع البلدان، فقال: "يا شيعة آل محمد، أنه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه، ومن لم يُحسن صحبة من صحبه، ومخالقة من خالقه، ومرافقة من رافقه... يا شيعة آل محمد، اتقوا الله ما استطعتم، ولا حول ولا قوة إلا بالله". وكان(ع) يقول لأصحابه: "اجعلوا أمركم لله، ولا تجعلوه للناس، فإنه ما كان لله فهو لله، وما كان للناس فلا يصعد إلى الله". ويحدد(ع) شخصية المؤمن فيقول: "المؤمن حسن المعونة، خفيف المؤونة، جيد التدبير لأمر معيشته، لا يُلدغ من جُحر مرتين".


وكان الإمام الصادق(ع) يؤكد مسألة الحرية؛ أن تكون حراً في ذاتك، أن يكون عقلك حراً فلا يخضع لعقول الآخرين إلا إذا اقتنع بها، وأن يكون قلبك حراً وإرادتك حرة وحياتك حرة. والحرية لا تنطلق من الآخرين، بل إنها تنبع من ذاتك، حتى لو أُدخلت في الزنزانة وبقيت إرادتك حراً فأنت حر، بينما إذا لم تكن إرادتك حرة، فأنت عبد حتى لو انطلقت في الفضاء. القضية هي حرية الإرادة لا حرية الموقع. يقول(ع): "إن الحر حرٌ على جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكّت عليه المصائب لم تكسره وإن أُسر وقهر". لقد أراد الإمام(ع) أن يربط بين الصبر والحرية، لأن الكثيرين من الظلمة يضغطون على الناس في طعامهم وشرابهم وأموالهم وأوضاعهم، حتى يتنازلوا عن مواقفهم ومبادئهم، فإذا كنت حراً، فلا تسقط مهما واجهك الظالمون بالحرمان، بل اصبر وصلّب إرادتك وقف مع مبادئك، ولا تجعل الحرمان يضغط عليك لتقدّم التنازلات للظالمين، وهذا ما أكده الله تعالى في قوله: {واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} (لقمان:17)، فالصبر لا يمثل ضعفاً، بل قوة.


وقد أكد الإمام الصادق(ع) في تفسيره قوله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} (المنافقون:8)، قال: "إن الله فوّض إلى المؤمن أموره كلها، ولم يفوّض إليه أن يكون ذليلاً". كن عزيزاً في كل المواقع، كن عزيزاً أمام التحديات وأمام كل الظلمة. وفي حديث آخر عنه(ع) قال: "إن المؤمن أعز من الجبل. إنّ الجبل يُستقل منه بالمعاول، والمؤمن لا يُستقل من دينه شيء"، بل يبقى قوياً، ولا يستطيع أحد أن يهدّم دينه. وينطلق الإمام(ع) ليطلب من المؤمنين أن يعيشوا الخوف من الله في كل أمورهم، يقول(ع): "خف الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك، وإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت إليه بالمعصية، فقد جعلته من أهون الناظرين إليك".

والحمدلله وحده وحده وحده