لماذا خلقنا الله وأين نحن؟
منشور السيد احمد الحسن (ع) في صفحته المباركة
بتاريخ 12/ يوليو/2017 - 17/ شوال/1438 هـ.ق


[ لماذا خلقنا الله وأين نحن؟
مجموع الطاقة في الكون وكون من لاشيء:
فيما تقدم عندما بحثنا في الطاقة المظلمة تبين كيف تمكن الفيزيائيون من البرهنة وبدرجة لا بأس بها من الثقة أنّ شكل الكون مسطح، وإذا كان الكون مسطحاً فعلى هذا الأساس يطرح بعض الفيزيائيين مثل د. لورانس كراوس أنّ مجموع الطاقة في كون مسطح تساوي صفراً والسبب: إنّ للجاذبية طاقة سالبة تواجه طاقة المادة الموجبة والكون المسطح طاقته الموجبة تكفي فقط للإفلات أي إنّ الطاقة الموجبة هي بالضبط تساوي الطاقة السالبة، وهكذا تكون الطاقة الكلية للكون تساوي صفراً، وكون طاقته الكلية تساوي صفراً يمكن أن يأتي من لا شيء بحسب لورانس كرواس والذين يلتزمون هذا الرأي، حيث لم تدخل للكون طاقة من خارجه وبالتالي فطاقة الكون ومادته إنما هي نتاج داخلي فقط والتفاوتات الكمومية في الفراغ تضمن ذلك بحسب مبدأ اللايقين وميكانيك الكم.

وهكذا تكون التفاوتات الكمومية قد أوجدت الكون من لا شيء، فلا يوجد تدخل في الكون من خارجه؛ لأنه ليس بحاجة لهذا التدخل، فالكون بدأ نفسه بنفسه بواسطة التفاوتات الكمومية للفراغ التي لا يخلو منها الفراغ بحسب ميكانيك الكم، وهكذا فلا داعي لفرض وجود إله ابتدأ الكون من خارجه، وهذا كله بغض النظر عن الفضاء الذي تحدث فيه التفاوتات الكمية للفراغ حيث إنه نفسه يحتاج لتفسير مهما كان متناهياً في الصغر وقد ناقشنا هذا الأمر سابقاً.

إذن، فما لدينا هنا هو فضاء وتفاوتات كمومية تظهر فيه بحسب قوانين ميكانيك الكم أو بالخصوص مبدأ الريبة أو اللايقين، وهنا لابد من الانتباه إلى أنّ مبدأ اللايقين يقول إنه لابد أن تكون هناك تفاوتات كمومية في الفضاء ولكنه لا يعلل وجودها، فعلة وسبب ظهور هذه التفاوتات تبقى مجهولة وميكانيك الكم هنا يتنازل عن التعليل بإلغاء مبدأ السببية المضطرد في كل الأحداث داخل الكون على مستوى أكبر من المستوى الكمي، فالسببية مبدأ لم يتخلف في حادثة كونية واحدة فكيف يفرض تخلفه هنا؟! لماذا لا تكون قدراتنا - وهي قطعاً غير مطلقة - لا تؤهلنا لإيجاد السبب؟
أعتقد أنّ إلغاء السببية يمثل هروباً من الحل وليس حلاً، ونحن ببساطة يمكننا المحاججة بما طرحه هيو افرت وهو وجود أكوان أخرى يمكن أن يؤثر بعضها ببعض، وبهذا تكون التفاوتات الكمومية عبارة عن آثار من كون مجاور لكوننا أو عابرة للأكوان.

أما كون الطاقة الكلية للكون تساوي صفراً أو مجموع القوى فيه تساوي صفراً، فهذا لا يعني بحال نفي وجود الإله، هم يريدون القول: إنه لا يوجد شيء دخل للكون من الخارج فلماذا نحتاج فرض وجود الإله، ولكن من قال: إنه يجب أن يدخل شيء من الخارج للكون لنتمكن من فرض وجود إله أو لنحتاج فرض وجود إله، هذا الأمر قيد الاثبات والدليل وقد بينت الأدلة العلمية على ذلك ومنها ضبط الثابت الكوني.

وبالنسبة لي شخصياً أقول:
إنه لا يجوز أصلاً أن يدخل شيء من خارج الأكوان إليها ويجب أن تكون مجموع القوى فيها يساوي صفراً؛ لأن الوجود المخلوق ككل يجب أن لا يكون شيئاً آخر غير العدم نفسه، فلو كان الوجود المخلوق ككل ليس عدماً لكانت له مقابلة مع الذات الإلهية ولوقعنا في أكبر إشكال فلسفي كلامي ممتنع على الحل وهو: أين هو الوجود المخلوق من الإله؟ أو هل أن الخلق خلقوا في الذات أو خارج الذات؟ أو يمكن أن نضع السؤال أيضاً بهذه الصيغة: هل أنّ الإله داخل في الخلق أو أنه خارج عنهم؟

فلو لم يكن الوجود المخلوق ككل مجرد عدم لكان أي جواب يلزم منه أحد أمرين: إما أنّ الإله حادث، أو أنّ الوجود المخلوق قديم، وهذا يعني إما نقض ألوهيته المطلقة أو نفي وحدانيته سبحانه وتعالى.
ومع أنّ القول: إنّ الله لا داخل في الأشياء ولا خارج عنها أو أنّ الخلق ليسوا في الذات ولا خارج الذات لا يعتبر جواباً، بل هو فقط إنكار لكلا الجوابين المتقدمين، ولكنه أفضل في كل حال من الجوابين المتقدمين وما يلزم منهما من نقض ألوهيته ووحدانيته سبحانه وتعالى.

الحقيقة، إنّ وجود الخلق هو مجرد وجود اعتباري في مقابل وجود الله الحقيقي وحالنا كحال التفاوتات الكمية في الفضاء والتي تعج بها أجسامنا، فنحن في مقابله سبحانه وتعالى مجرد أعدام؛ لأننا أصلاً لم نخرج من العدم، إنما نحن في العدم ونحمل عدمنا معنا، فحقاً لا يوجد سواه سبحانه ربما يصعب على بعض المتدينين فهم هذه العبارات والتي عرضت برهانها العلمي قبل أن أطلقها، ولكن هناك كثير من الحقائق العلمية المبرهنة يصعب فهمها كميكانيك الكم والنسبية العامة، فهل من السهل فهم واستيعاب أن الكتروناً واحداً وهو جسيم مادي يدخل من شقين في صفحة واحدة في نفس الوقت، أم هل من السهل فهم أن الزمان بعد كوني رابع كأبعاد المكان الثلاثة وأن كتلة الأرض تؤثر في الزمان وتحنيه في نسيج الزمان.

أين نحن؟!
هذا السؤال الذي أجبته في الموضوع السابق يعتبر من أهم الأسئلة العقائدية الملحة على الإنسان إن لم نقل إنه أول وأهم سؤال عقائدي يمر على الإنسان باعتبار أنه واقع في أول طريق البحث عن الحقيقة، فكل إنسان يسأل هذا السؤال ويردده في فكره: أين نحن، أو أين نحن من الله؟ أين خلقنا الله؛ هل خلقنا في ذاته أم خارج ذاته، وإذا كان خارج ذاته فأين هذا الخارج؟ هل هو خلق هذا الخارج ثم خلقنا فيه، أم أنّ هذا الخارج قديم أزلي؟

واضح أنه لا يمكن أن يكون قديماً أزلياً؛ لأن معناه تعدد القدماء أو اللاهوت المطلق، ولكن إذا كان قد خلق هذا الخارج فأين خلقه؟! هل خلقه في خارج آخر أقدم منه؟! هكذا سيتسلسل الأمر حتى ينتهي إلى خارج قديم أزلي! وإذا كان الخارج الذي خلقنا فيه قديم أزلي أو ينتهي إلى قديم أزلي فقد تعدد القدماء! وتعدد اللاهوت المطلق! وهذا بلا شك باطل وشرك، والوهابيون يقولون بهذا القول أي أن الخلق خارج الذات ويعتقدون بهذه العقيدة الفاسدة، وهذا الاعتقاد أسوأ بكثير من قول المسيحيين بالأقانيم الثلاثة.

أما القول إننا خلقنا في ذاته فهو يعني حدوث ذاته؛ لأنها أصبحت محلاً للحوادث، وبهذا نقض قدمه ونقض لاهوته المطلق.
والجواب بالخارج القديم الأزلي أو الجواب الذي يرجع لخارج قديم أزلي لو افترضناه فهو إضافة إلى كونه يعني تعدد القدماء، فهو سيكون محلاً للحوادث إذا كان الخلق فيه، وهذا يعني إنه حادث له بداية وقديم أزلي في نفس الوقت، وهذا الأمر محال فلا يمكن أن يكون الشيء حادثاً وقديماً.

إضافة إنّ القول بوجود خارج عن الذات بائن عنها ينقض لاهوته المطلق سبحانه؛ لأنه ينقض كونه مطلقاً، فهذا الخارج أصبح حداً له سبحانه وتعالى؛ لأنه ليس في هذا الخارج.
فالمسألة كما نرى مربكة جداً، ولهذا اختار من كتبوا في العقائد تجنبها في الغالب وبعض المسلمين اختاروا جواباً مفاده أنه ليس في الأشياء ولا خارج عنها، وهذا الجواب أقرب إلى اللاجواب منه إلى أن يكون جواباً على السؤال أو حلاً لهذه المعضلة، وهو عملية اجترار لكلمة منسوبة للإمام علي (عليه السلام): [قريب من الأشياء من غير ملامسة، بعيد منها من غير مباينة] .

وهذا ليس جواباً مفصلاً للمعضلة إنما فقط إنكار على كلا الجوابين الخاطئين (أي إنّ الإله في الأشياء، أو أنه خارج الأشياء)، وعدم تفصيل الأئمة (عليهم السلام) لهذه المسألة العقائدية الكبرى المرتبطة بإثبات وجود الله وبالتوحيد والتي تحتاج التفصيل لنفس الأسباب التي قلناها سابقاً وكررناها وهي أنّ المتشابهات تترك بعض الأحيان ليبينها حجة من حجج الله في زمانه، فتكون دليلاً عليه. وأيضاً: ربما لا تبين أمور لأنه لم يحضر وقتها وأهلها، فمن يمكنه أن يفهم معنى سرعة الإفلات أو المفردة مثلاً في زمن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو يفهم أن المادة تحمل عدمها معها أو يفهم المادة المضادة وأموراً كثيرة لم يكن قد حضر وقتها في ذلك الزمان.

قال الصادق (عليه السلام): [ما كل ما يعلم يقال، ولا كلما يقال حان وقته، ولا كلما حان وقته حضر أهله] .
(وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية
) ].

كتاب وهم الالحاد:
http://almahdyoon.org/.../live/wahmilhad/mobile/index.html