اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين ، الحمدلله مالك الملك مجري الفلك مسخر الرياح فالق الإصباح ديّان الدين رب العالمين الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمّارها وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة يأمن من ركبها ويغرق من تركها المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق .
عباد الله اوصيكم و نفسي بتقوي الله و لزوم طاعته و نصرة قائم آل محمد عليه السلام .

الخطبة الأولي :
خلق الله سبحانه وتعالى الجن والأنس وكل الكون لأجل عبادته ، عبادة قلبية . ومعرفته معرفة حقيقية ، وليس عبادة ظاهرية لا تجلب لصاحبها نفعاً ولا تدفع عنه ضراً . ولأجل الوصول الى المعرفة الحقيقة لله سبحانه وتعالى لابد من وجود سبل توصل إلى هذا الغرض . لان الله تعالى تنـزه عن مخاطبة كل الخلق مباشرة وبدون واسطة فأرسل الله تعالى الرسل وبعث الأنبياء أدلّاء عليه وسبلاً واضحة لمرضاته ، فمن وفق لمعرفة الرسل والأنبياء واقتدى بهم وسار على نهجهم وصل الى حظه من الكمال حسب استعداده وصفو مرآة فطرته واما من أعمى عينه الهوى وحب الدنيا نكب عن الطريق وهوى في الجحيم واصبح في ( ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)
والأمر المهم هو معرفة حال الناس مع الرسل والأنبياء والوقوف على علة تكذيب الناس للرسل والأنبياء ، ولماذا الأكثرية دائماً هم المكذبون ، والجواب في قوله تعالى ( وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) (المائدة:70)
فالهوى هو الشجرة الخبيثة والتي لها فروع عديدة قد تدلت على قلوب المرتابين والمشككين واخذوا يرتعون ويأكلون من طلعها والذي كأنه رؤس الشياطين فامتلأت بطونهم من الظلمات واصبحوا لا يرون إلا النفس والهوى وكل ما يجر.
فهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا فعندما تنصرف الأمة عن صراط الله المستقيم وتهجر أحكام الله وتركن إلى حب النفس والمنصب وكثرة الاتباع … فعندها يأتي النبي أو الرسول بالأخلاق السماوية والأحكام الإلهية والتي هي مخالفة لأهواء المنحرفين و الذين هم أكثرية المجتمع ، يبادرون هؤلاء إلى تكذيب الدعوات الإلهية لأنها مخالفة لأهوائهم المنحرفة ورموا شخصيات الأنبياء والرسل بشتى أنواع التهم والأكاذيب والتي هي سنة جارية على كل لسان وفي كل زمان كالسحر والجنون والكذب ….
والذي أريد التأكيد عليه هو ان كثير من الأمم كانت موعودة ومنتظرة لأنبيائها وكانوا ينتظرونهم ويعرفونهم بأسمائهم وصفاتهم وعانوا ما عانوا من الظلم والاضطهاد وكانوا يبتهلون ويتضرعون إلى الله ان يبعث لهم نبيهم الموعود لإنقاذهم من الذل والهوان ، ولكن عندما يبعث الله تعالى لهم رسولهم الموعود بالتعاليم الإلهية والتي هي مخالفة لأهوائهم بادروا إلى تكذيبه واتهامه بالسحر والجنون والكذب ، واعرضوا عنه ، بل بعض الأنبياء قتلوا وصلبوا وشردوا .
والطامة الكبرى والداهية العظمى عندما تعاد هذه السنة مع الإمام المهدي (ع) عندما يأتينا الإمام بالدين الإلهي السليم والسنة النبوية الصحيحة والتي هي مخالفة لأهوائنا فنقول له ( ارجع يابن فاطمة لا حاجة لنا بك ) كما جاء في الروايات عن اهل البيت (ع) .

الفشل في معرفة الإمام المهدي (ع) واستقباله:
قدمت في مقدمة البحث ان الإمام المهدي (ع) تفشل مجموعة من الأمة في معرفته واستقباله وهم الأكثرية ، وأخرى تفشل في المسيرة معه وطاعته . وسوف نتعرف أولاً على المجموعة الأولى ثم المجموعة الثانية معتمدين على النصوص الشريفة الصادرة عن اهل البيت (ع) لأننا نرى ان الفائدة فيها لا في غيرها من سائر الكلام والفشل في معرفة الإمام (ع) يعزى إلى عدة أسباب منها انه يأتي في منظر الشاب والناس تحسبه شيخاً كبير السن ، ومنها كثرة قتله للمنحرفين وأصحاب البدع ، ومنها انه يقتل كثير من العلماء غير العاملين الذين كانت تظنهم الناس انهم صالحين ، ومنها انه يأتي بكتاب جديد وسنة جديدة ويبدأ الدين من جديد ، ومنها ان أنصاره واتباعه الضعفاء من المجتمع والبسطاء فيكبر على الناس ان يتبعوا هكذا أشخاص ، ومنها طول الغيبة وقسوة القلوب وغيرها الكثير …
عن أبي عبد الله انه قال ( لو خرج القائم لقد أنكره الناس ، يرجع إليهم شاباً موفقاً لا يثبت عليه إلا مؤمن قد أخذ الله ميثاقه في الذر الأول ) غيبة الطوسي ص283 غيبة النعماني ص 219 .
وتذكر الرواية التالية انه يقتل سبعين رجلاً هم اصل الفتنة والاختلاف داخل الشيعة ، ويبدو انهم من علماء السوء المضلين . كما ذكر الشيخ الكوراني في كتابه عصر الظهور ص 149 ، عن مالك ابن ضمرة قال أمير المؤمنين (ع) ( يا مالك ابن ضمرة كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا ؟ وشبك أصابعه ودخل بعضها في بعض ، فقلت يا أمير المؤمنين ما عند ذلك من خير ، قال الخير كله عند ذلك ، يا مالك عند ذلك يقوم قائمنا فيقدم سبعين رجلاً يكذبون على الله ورسوله فيقتلهم ، ثم يجمعهم الله على أمر واحد ) غيبة النعماني ص214 .
عن الإمام الباقر (ع) ( إذا قام القائم سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر ألف انفس يدعون البترية عليهم السلاح ، فيقولون له : ارجع من حيث جئت فلاحاجة لنا في بني فاطمة ، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم . ثم يدخل الكوفة فيقتل كل منافق مرتاب ، ويقتل مقاتليها حتى يرضى الله عز وجل ) بحار الأنوار ج52 واما كيفية بداية دعوة الإمام (ع) واشمئزاز الناس منها ومحاربتهم لها ولعن الناس لراية الإمام (ع) فنستقرئه من كلام اهل البيت (ع) .
عن ابان ابن تغلب قال ( سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد (ع) يقول : إذا ظهرت راية الحق لعنها اهل المشرق وأهل المغرب ، أتدري لم ؟ قلت :لا قال : ( للذي يلقى الناس من اهل بيته قبل خروجه ) وفي رواية ( مما يلقونه من بني هاشم ) غيبة النعماني ص308 .
عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله (ع) ( لا يخرج القائم حتى يكون تكملة الحلقة ، قلت وكم تكملة الحلقة ؟ قال : عشرة آلاف جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، ثم يهز الراية ويسير بها فلا يبقى أحد في المشرق ولا في المغرب إلا لعنها وهي راية رسول الله (ص) نزل بها جبرئيل يوم بدر …) غيبة النعماني ص 320 .
عن أبي يحيى حكيم بن سعد قال سمعت علياً (ع) يقول ( ان أصحاب القائم شباب لا كهول فيهم إلا كالكحل في العين أو كالملح في الزاد واقل الزاد الملح ) غيبة النعماني ص330 .
عن ابراهيم ابن عبد الحميد يقول : أخبرني من سمع أبا عبد الله يقول : إذا خرج القائم (ع) خرج من هذا الأمر من كان يظن انه من أهله ودخل فيه شبه عبدة الشمس والقمر ) غيبة النعماني ص 332 .

وهذا يدل على خروج كثير من الشخصيات التي يظنها الناس إنها تنصر الإمام المهدي (ع) من نصرة الإمام (ع) ودخول كثير ممن لا يتصفون بالتدين في نصرة الإمام المهدي (ع) بعد ما من الله عليهم بالهداية لمعرفة الإمام ونصرته .
قرائة سورة

الخطبة الثانية :
اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم صل علي محمد و آل محمد الأئمة و المهديين و سلم تسليما .

الفشل في المسيرة مع الإمام المهدي (ع):
فشلت كثير من الأمم في المسيرة مع الأنبياء بعد ان عرفوهم وآمنوا بهم وسوف تعاد هذه المسيرة مع الإمام المهدي (ع) حيث أن كثيراً من الذين آمنوا به وصدقوه ونصروه سوف يفشلون في الامتحان ويرتدون على الإمام المهدي (ع) …
عن أبي جعفر (ع) قال ( يقضي القائم بقضايا ينكرها بعض أصحابه ممن قد ضرب قدامه بالسيف ، وهو قضاء آدم (ع) فيقدمهم فيضرب أعناقهم . ثم يقضي الثانية فينكرها قوم آخرون ممن قد ضربوا قدامه بالسيف ، وهو قضاء داوود (ع) ، فيقدمهم فيضرب أعناقهم ، ثم يقضي الثالثة ، فينكرها قوم آخرون ممن قد ضرب قدامه بالسيف ، وهو قضاء ابراهيم (ع) ، فيقدمهم فيضرب أعناقهم . ثم يقضي الرابعة ، وهو قضاء محمد (ص) ، فلا ينكرها أحد عليه ) . ما بعد الظهور للسيد الصدر ص 509 .
عن الصادق (ع) قال (كأني انظر إلى القائم على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلاثمائة وثلاث عشر رجلاً عدة أهل بدر . وهم أصحاب الألوية وهم حكام الله على خلقه . حتى يستخرج من قبائه كتابا مختوماً بخاتم من ذهب ، عهد معهود من رسول الله (ص) ، فيجفلون عنه إجفال الغنم . فلا يبقى منهم إلا الوزير واحد عشر نقيباً ، كما بقوا مع موسى بن عمران (ع) . فيجولون في الأرض فلا يجدون عنه مذهباً ، فيرجعون إليه . واني اعرف الكلام الذي يقول لهم ، فيكفرون به ) ما بعد الظهور للسيد الصدر (قدس) ص510 .
ينبغي لكل مؤمن ان ترتعد فرائصه عندما يقرأ هذه الروايات ، لأن هؤلاء الذين يرتدون على الإمام المهدي (ع) هم خلص أصحابه الثلاثمائة وثلاث عشر . نسأل الله تعالى ان ينجينا من كل فتنة وان يوفقنا لنصرة الإمام المهدي (ع) والثبات على ذلك والفوز بحسن العاقبة انه سميع مجيب الدعاء .
عن الفضل عن عبد الرحمن بن أبي هاشم عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع ) قال ( إن أصحاب موسى ابتلوا بنهر و هو قول الله عز و جل إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ و إن أصحاب القائم يبتلون بمثل ذلك ) غيبة الطوسي ص372 ، بحار الأنوار ج52 ص 332 .
عن الإمام الباقر (ع) قال ( حتى إذا بلغ الثعلبية قام إليه رجل من صلب أبيه وهو من اشد الناس ببدنه وأشجعهم بقلبه ما خلا صاحب هذا الأمر ، فيقول : يا هذا ما تصنع ؟ فو الله انك لتجفل الناس إجفال النعم ، أفبعهد من رسول الله (ص) أم بماذا ؟ فيقول المولى الذي ولي البيعة : والله لتسكتن أو لأضربن الذي فيه عيناك . فيقول له القائم : اسكت يا فلان . أي والله ، ان معي عهدا من رسول الله (ص) . هات يا فلان العيبة أو الزنفليجة ، فيأتيه بها فيقرؤه العهد من رسول الله (ص) فيقول : جعلني الله فداك ، اعطني رأسك اقبله ، فيعطيه رأسه فيقبل بين عينيه ، ثم يقول : جعلني الله فداك جدد لنا البيعة ، فيجدد لهم البيعة ) البحار ج52 .
عن أبي عبد الله (ع) أنه قال : ( بينا الرجل على رأس القائم يأمره وينهاه إذ قال : أديروه ، فيدورونه إلى قدامه فيأمر بضرب عنقه ، فلا يبقى في الخافقين شيء إلا خافه ) غيبة النعماني ص246 .
عن الصادق (ع) عن آبائه عن النبي (ص) قال : ( لما أُسري بي أوحى ألي ربي جل جلاله وساق الحديث إلى أن قال : ( فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة ابن الحسن القائم في وسطهم كأنه كوكب دري قلت يارب من هؤلاء ؟ قال هؤلاء الأئمة وهذا القائم الذي يحل حلالي ويحرم حرامي وبه أنتقم من أعدائي وهو راحة لأوليائي وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين فيخرج اللات والعزى ( أي الأول والثاني ) طريين فيحرقهما فلفتنة الناس بهما يومئذ أشد من فتنة العجل ) بحار الأنوار ج52 ص379 .
عن بشر النبال عن الإمام الصادق (ع) : ( هل تدري أول من يبدأ به القائم (ع) قلت : لا . قال : يخرج هذين ( أي الأول والثاني ) رطبين غضين فيحرقهما ويذرهما في الريح ويكسر المسجد . ثم قال (ع) : إن رسول الله (ص) قال : عريش كعريش موسى (ع) وذكر إن مقدم مسجد رسول الله (ص) كان طينا وجانبه جريد النخل ) بحار الأنوار ج52 ص386 .
وعن أبي عبد الله (ع) قال : ( إذا قدم القائم (ع) وثب أن يكسر الحائط الذي على القبر ( أي قبر الأول والثاني ) فيبعث الله ريحا شديدة وصواعق ورعود حتى يقول الناس إنما ذا لذا فيتفرق أصحابه عنه حتى لا يبقى معه أحد فيأخذ المعول بيده فيكون أول من يضرب بالمعول ثم يرجع إليه أصحابه إذا رأوه يضرب بالمعول بيده فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم على بعض بقدر سبقهم إليه فيهدمون الحائط ثم يخرجهما غضين رطبين فيلعنهما ويتبرأ منهما ويصلبهما ثم ينزلهما ويحرقهما ثم يذرهما في الريح ) بحار الأنوار ج52 ص386 .
أقول : ينبغي لكل مؤمن ان يعتبر بهذه الوقائع وان يراجع نفسه وليحذر كل الحذر ان يتورط في معاداة أهل البيت (ع) وأن يعمل ليلا ونهارا من اجل إرضاء الله تعالى عسى أن يمن الله تعالى عليه ويوفقه لمعرفة الحق ونصرته ومعرفة الباطل ومعاداته وأن يكون دقيقا في اختيار من يقتدي به ، فان كان ذلك الشخص مطبقا لأخلاق القرآن الكريم وأخلاق اهل البيت (ع) فاتبعه واقتدي به .
أما إذا كان ذلك الشخص من محبي الشهرة والمنصب وكثرة الأتباع والأموال ومن الذين يدعون لأنفسهم وتركوا الدعوة للإمام المهدي (ع) . فإن مثل هكذا أشخاص يجب تركهم وعدم إتباعهم ، بل يجب محاربتهم، لأن هؤلاء سيجعلون المجتمع طوائف وأحزاب يلعن بعضها بعضا ، وبالتالي هؤلاء الأشخاص سوف يقودون المجتمع إلى معاداة الإمام المهدي (ع) وعدم نصرته ، لأن الإختلاف لا ينتج الوحدة إطلاقا .
الحمدلله رب العالمين و استغفرالله لي و لكم
قرائة سورة