الخطبة الاولى:


اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الحمدلله مالك الملك، مجري الفلك مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها. اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
عباد الله اوصيكم و نفسي بتقوي الله و لزوم طاعته و نصرة قائم آل محمد عليه السلام .


رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْلِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي.
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
هذه الخطبة تكون ان شاء الله من كتاب الوقفات مع ما كتبه المعاندون و هو ردود علي ما كتبه من يدعون الموالاة لعلي و اولاد علي و واجهوا الدعوة الالهية بعلوم وضعية ، ما انزل الله بها من سلطان . و هذه الفقرة تكملة لما طرحناه في الخطب السابقة رداً علي ما خطاه علي الكوراني من ردود واهية .
يتحدث الشيخ الكوراني في كتابه دجال البصرة عن القراءات القرآنية فيقول التالي:
((قيل لأصحابه الخاصين: ألا ترون أن إمامكم يخطئ في قراءة القرآن! فكيف يكون سفير الإمام المهدي عليه السلام الى العالمين، وابنه المعتمد، وهو يغلط في قراءة القرآن؟! فقد وجدنا له في تسجيل قصير غلطتين!
قال بعضهم: هذا ليس غلطاً بل هو قراءات! فأجبته: إن الخطأ غير القراءة، والقراءة لا بد أن تثبت عن أحد القراء المعتبرين! فسكت ولم يجب))؟
ويقول كذلك:
((والعجيب أن بعض المثقفين اتبعوه وكأنه سحرهم ، فلا يحس أحدهم أن هذا الإمام المزعوم لا يعرف قراءة القرآن بشكل صحيح، وأنه يخطئ أخطاء فاضحة في مفردات اللغة العربية، وفي قواعدها النحوية ؟!
ولو استعمل أحدهم عقله لقال: كيف يكون إماماً وابن إمام معصوم وهو يخطئ في قراءة القرآن، ولا يعرف العربية، ويخطئ في الصفحة الواحدة عدة أخطاء، تدل على عاميته. وهذه كتبه بين أيديهم فليقرؤوها ويحكموا بأنفسهم)).
ويقول: ((قيل لبعض أصحابه: من عقائدنا أن الإمام عليه السلام يعرف لغات كل الناس لأنه لا يمكن أن يكون حجة على قوم ولا يعرف لغتهم)).
الجواب/
1- قول الكوراني: (والقراءة لا بد أن تثبت عن أحد القراء المعتبرين) يعني ان القراءات المتداولة وهي عامية هي الميزان الذي يثبت صحة القراءة، وهذا قول عجيب، لا يصدر عن عالم بأحاديث أهل البيت عليهم السلام، فقد ورد عنهم كما روى الكليني في الكافي بسنده إلى بعض الأصحاب عن أبي الحسن عليه السلام قال:
((قلت له جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم ؟ فقال لا اقرأوا كما تعلمتم فسيجئ من يعلمكم)).
و روى فيه بسنده إلى سالم بن سلمة قال:
((قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام - وأنا أستمع - حروفا من القرآن ليس على ما يقرأها الناس؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم)).
وروى الكليني بسنده عن سالم أبي سلمة:
((قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أستمع، حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله عليه السلام كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله على حده)).
الروايات اذن تدل على ان هناك قراءة لأهل البيت تختلف عن القراءة المتداولة، وهذه القراءات مسموح بها من باب الرخصة والتقية، وهذا ما ذهب له كثير من الفقهاء، من قبيل المحقق البحراني في الحدائق الناضرة، وغيره.


2- كلام الكوراني لا يخالف الروايات فقط، بل يخالف كلام علماء الشيعة كذلك، فالسيد الخوئي في البيان في تفسير القرآن - ص 81 – 82 يرى ان القران يخالف القواعد النحوية، ومع ذلك فهو – برأيه – لا يخالف كلام العرب لأن قواعد النحو كما يقول موضوعة من قبل أناس غير معصومين، وبالنتيجة فإن مخالفة القرآن لهذه القواعد غير ذات أهمية ولا تعني أنه يخالف كلام العرب، وقال في خاتمة كلامه:
((إن القاعدة العربية المستحدثة إذا خالفت القرآن كان هذا نقضا على تلك القاعدة، لا نقدا على ما استعمله القرآن)).
فالقواعد النحوية غير معبرة عن جميع كلام العرب، وليست هي الميزان الذي يعرف منه صحة القراءة او عدمها.
س12- الكوراني يقول: ((كيف يكون إماماً وابن إمام معصوم وهو يخطئ في قراءة القرآن، ولا يعرف العربية)).
والكوراني بهذا الكلام يؤسس عقيدة والعقيدة بحسب بناءاتهم تثبت بدليل قطعي، وعليه يجب ان يأتينا بآية محكمة أو حديث متواتر او دليل عقلي تام يثبت مدعاه، وإلا فهو مبتدع. ومن أين للكوراني بهذا! فالقرآن يخالف كلامه في عشرات بل مئات المواضع، وكذلك الحديث ومنه ما يلي:
ورد في كتاب مستدرك الوسائل للميرزا النوري (باب وجوب تعلم إعراب القرآن، وجواز القراءة باللحن مع عدم الإمكان):
عن محمد بن مسلم، قال: (قرأ أبو عبد الله الآية الكريمة ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾: نوحاً، قلت: نوح! ثم قلت: جعلت فداك لو نظرت في هذا أعني العربية، فقال: دعني من سهككم).
وعن حويزة بن أسماء، قال: قلت لأبي عبد الله: (إنك رجل لك فضل، لو نظرت في هذه العربية، فقال: لا حاجة لي في سهككم هذا).
وفيه عن الصادق أنه قال: (من انهمك في طلب النحو سلب الخشوع).
وكذلك قال: (أصحاب العربية يحرفون الكلم عن مواضعه).
أي عقيدة هذه التي تنبني على شيء يسلب الانهماك به الخشوع، ويؤخذ أساسها من أناس يحرفون الكلم عن مواضعه!!
الامام اذن عند الكوراني ليس امام وليس معصوم والكوراني لا يؤمن به، وهو من شهد على نفسه.
4- أيضا هو قال: (من عقائدنا أن الإمام عليه السلام يعرف لغات كل الناس)، ويقصد ان هذا من عقائد الشيعة، وهذا الكلام غير صحيح، بل جهل فاضح، فهذه اقوال كبار علماء الشيعة: قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات: 67، تحت عنوان"القول في معرفة الأئمة بجميع الصنايع وساير اللغات":
((وأقول: إنه ليس يمتنع ذلك منهم ولا واجب من جهة العقل والقياس وقد جاءت أخبار عمن يجب تصديقه بأن أئمة آل محمد (ص) قد كانوا يعلمون ذلك، فإن ثبت وجب القطع به من جهتها على الثبات. ولي في القطع به منها نظر، والله الموفق للصواب، وعلى قولي هذا جماعة من الإمامية، وقد خالف فيه بنو نوبخت رحمهم الله وأوجبوا ذلك عقلا وقياسا وافقهم فيه المفوضة كافة وسائر الغلاة)).
وقال الشريف المرتضى في الشافي ص 188 ما نصه: ((معاذ الله أن نوجب للإمام من العلوم إلا ما تقتضيه ولايته، وأسند إليه من الأحكام الشرعية، وعلم الغيب خارج عن هذا)). وقال في ص 189:
((لا يجب أن يعلم الإمام بالحرف والمهن والصناعات، وما إلى ذاك مما لا تعلق له بالشريعة. إن هذه يرجع فيها إلى أربابها، وإن الإمام يجب أن يعلم الأحكام، ويستقل بعلمه بها، ولا يحتاج إلى غيره في معرفتها، لأنه ولي إقامتها، وتنفيذها)).
وقال الطوسي في "تلخيص الشافي" المطبوع مع الكتاب المذكور ص321:
((يجب أن يكون الإمام عالما بما يلزم الحكم فيه، ولا يجب أن يكون عالما بما لا يتعلق بنظره كالشؤون التي لا تخصه ولا يرجع إليه فيها)).
الكوراني اذن يلفق عقائد يتبع فيها الغلاة.


وإليكم هذه الروايات التي تنقض عقائد الكوراني المبتدعة:
ورد في بصائر الدرجات: عن حبة العرني، قال: (سمعت أمير المؤمنين علياً يقول: إن يوشع بن نون كان وصي موسى بن عمران وكانت ألواح موسى عن زمرد أخضر، فلما غضب موسى أخذ الألواح من يده فمنها ما تكسر ومنها ما بقي ومنها ما ارتفع، فلما ذهب عن موسى الغضب قال يوشع بن نون أ عندك تبيان ما في الألواح ؟ قال نعم، فلم يزل يتوارثها رهط من بعد رهط حتى وقعت في أيدي أربعة رهط من اليمن، وبعث الله محمداً بتهامة وبلغهم الخبر فقالوا ما يقول هذا النبي؟ قيل ينهى عن الخمر والزنا ويأمر بمحاسن الأخلاق وكرم الجوار، فقالوا هذا أولى بما في أيدينا منا فاتفقوا أن يأتوه في شهر كذا وكذا ... الى قوله: فأخذه النبي فإذا هو كتاب بالعبرانية دقيق فدفعه إليّ ووضعته عند رأسي فأصبحت بالكتاب وهو كتاب بالعربية جليل فيه علم ما خلق الله منذ قامت السماوات والأرض إلى أن تقوم الساعة فعلمت ذلك).
وفيه كذلك: عن أبي عبد الله، قال: (إن في الجفر أن الله تبارك وتعالى لما أنزل ألواح موسى ... الى قوله: ثم دعا أمير المؤمنين ع فقال: دونك هذه ففيها علم الأولين وعلم الآخرين وهي ألواح موسى وقد أمرني ربي أن أدفعها إليك، قال: يا رسول الله لست أحسن قراءتها، قال: إن جبرئيل أمرني أن آمرك أن تضعها تحت رأسك ليلتك هذه فإنك تصبح وقد علمت قراءتها، قال: فجعلها تحت رأسه فأصبح وقد علمه الله كل شي‏ء فيها، فأمره رسول الله أن ينسخها، فنسخها في جلد شاة وهو الجفر وفيه علم الأولين والآخرين، وهو عندنا والألواح وعصا موسى عندنا ونحن ورثنا النبي).
وفي كتاب سليم بن قيس في رواية طويلة عن سليم، قال: (أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين ع، فنزل العسكر قريباً من دير نصراني، فخرج إلينا من الدير شيخ كبير جميل حسن الوجه حسن الهيئة والسمت ومعه كتاب في يده حتى أتى أمير المؤمنين فسلم عليه بالخلافة، ... الى قوله: ثم قال له أمير المؤمنين: ناولني كتابك، فناوله إياه فقال علي لرجل من أصحابه: قم مع هذا الرجل فانظر ترجماناً يفهم كلامه فلينسخه لك بالعربية مفسراً، فأتاه مكتوباً بالعربية ..الخ).


5- هناك طبعا بعض الروايات تقول ان الائمة ع يعرفون كل اللغات ولكن علماء الطائفة لم يبنوا عليها عقيدة كما زعم الكوراني وهذه كتبهم شاهدة، بل نظروا لها كما ورد عن الشيخ المفيد انفا على ان فيها مغالاة.
6- أما استدلاله العقلي المتمثل بقوله: (لأنه لا يمكن أن يكون حجة على قوم ولا يعرف لغتهم) فغير تام، لامور:
- القرآن الكريم بتعاليمه وهدايته عام لكل البشر وليس للعرب فقط، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان من أهل الإسلام، فلماذا لم يعمد النبي (ص) الى ترجمته الى جميع لغات ممن تشملهم تكاليفه وتعاليمه؟ لماذا ترك هذا الأمر الى المترجمين؟ أليس على فكر المستشكل أن هداية بقية الأمم غير العرب تتوقف على فهم معاني القرآن ومضامينه؟ فلماذا ترك النبي ترجمة القرآن الى لغاتهم؟!
- هداية الأمم لا تستلزم أن يكون الإمام عارفاً بجميع لغاتها فما دام هناك أسباب طبيعية يمكن أن تفي بهذا الغرض، فلا داعي للإعجاز.


الخطبة الثانية:


اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَمينِكَ، وَصَفِيِّكَ، وَحَبيبِكَ، وَخِيَرَتِكَ مَنْ خَلْقِكَ، وَحافِظِ سِرِّكَ، وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكَ، اَفْضَلَ وَاَحْسَنَ، وَاَجْمَلَ وَاَكْمَلَ، وَاَزْكى وَاَنْمى، وَاَطْيَبَ وَاَطْهَرَ، وَاَسْنى وَاَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ، وَتَحَنَّنْتَ وَسَلَّمْتَ عَلى اَحَد مِن عِبادِكَ وَاَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، وَصِفْوَتِكَ وَاَهْلِ الْكَرامَةِ عَلَيْكَ مِن خَلْقِكَ، اَللّـهُمَّ وَصَلِّ عَلى عَليٍّ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ، وَوَصِيِّ رَسُولِ رَبِّ الْعالَمينَ، عَبْدِكَ وَوَليِّكَ، وَاَخي رَسُولِكَ، وَحُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ، وَآيَتِكَ الْكُبْرى، وَالنَّبأِ الْعَظيمِ، وَصَلِّ عَلَى الصِّدّيقَةِ الطّاهِرَةِ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ، وَصَلِّ عَلى سِبْطَيِ الرَّحْمَةِ وَاِمامَيِ الْهُدى، الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَيْ شَبابِ اَهْلِ الْجَّنَةِ، وَصَلِّ عَلى اَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ، عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيٍّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد، وَمُوسَى
بْنِ جَعْفَر، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد بن محمد والمهديين من ولده ، حُجَجِكَ عَلى عِبادِكَ، وَاُمَنائِكَ في بِلادِكَ صَلَاةً كَثيرَةً دائِمَةً...


ان شاء الله اليوم سنتكلم ونكمل موضوعنا الذي طرحناه في الخطبة السابقة ألا و هو ظلم النفس :


المتشابهات ج4 [ سؤال/ 128: ما معنى قول إبراهيم (ع) : ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ؟ وهل صحيح أنّ إبراهيم (ع) قالها لأنه كان يحمل همَّ ذريته، كما يقول بعض العلماء؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين
عندما حمل إبراهيم (ع) وهو شاب الفأس وكسَّر الأصنام، وألقاه النمرود وعلماء الضلالة في النار، كافأه الله سبحانه وتعالى بدون أن يطلب هو (ع)، بأن جعل الأنبياء اللاحقين بعده من ذريته *. ثم إن إبراهيم (ع) استمر بدعوته الإلهية، فلما امتحنه الله سبحانه وتعالى بالكلمات ونجح إبراهيم (ع) بالامتحان والابتلاء خاطبه تعالى فقال له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾.
ومرتبة الإمامة الإلهية مرتبة عالية، لم ينلها كل الأنبياء والمرسلين (ع)، وهنا سأل إبراهيم (ع) الله سبحانه وتعالى هذا السؤال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، أي وهل أنّ الأنبياء الذين بشرتني بهم فيما مضى هم (أئمة) أيضاً ؟ فقال تعالى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، أي الظالمين من الأنبياء (ع). وظلم الأنبياء ليس كظلم غيرهم وإنما هو من نوع (حسنات الأبرار سيئات المقربين)، أي إتيانهم بالعمل ليس على الوجه الأمثل بسبب التمايز بالمعرفة بينهم (ع) فكل منهم (ع) يعبده سبحانه بحسب معرفته ولذا تتفاوت عبادتهم، فتكون سجدة من محمد (ص) أفضل من عبادة الثقلين، وضربة من علي (ع) بـ (عبادة الثقلين).
وهذا التمايز بيِّن بينهم (ع)، وذكره تعالى: ﴿تلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
فنفس العمل لو كُلف به يونس النبي (ع) وكُلف به محمد (ص) لم يكن إتيان يونس به في نفس مستوى إتيان محمد (ص)، فهذا التقصير من يونس (ع) في الإتيان بالعمل نسبةً إلى ما يأتي به محمد (ص) هو ظلم من يونس (ع)؛ لأن هذا التقصير منعه من نيل رتبة عظيمة فُطِرَ كإنسان لينالها، وبالتالي فإنّ هناك مرتبة من هذا النوع من الظلم يجب أن يتجاوزها الأنبياء والمرسلون من ذرية إبراهيم (ع) لينالوا مرتبة الإمامة، ولهذا قال تعالى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أي لا ينال الإمامة كل الأنبياء من ذريتك يا إبراهيم، إنما ينالها الأنبياء والمرسلون من ذريتك الذين يتجاوزون هذا الظلم، فيرتقون إلى هذه المرتبة ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ* إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقد أشار تعالى في القرآن لبعض الأئمة من ذرية إبراهيم (ع) :
ومنهم: موسى (ع)، قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾، أي خالية من الظلم، فالإنسان يأخذ ويعطي باليد، واليد البيضاء تشير إلى عدالة الإنسان التامة مع الناس ومع الله سبحانه وتعالى، فموسى (ع) طهر نفسه من الظلم بمرتبة عالية، كما في الآية: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ومنهم: عيسى (ع)، قال تعالى مخبراً عن عيسى (ع) : ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ ([56])، أي إنّ عيسى (ع) نال مرتبة الإمامة، فهو يعطي الأمان لنفسه وللناس.
وأشار تعالى إلى من لم ينل مرتبة الإمامة منهم كي


حيى (ع)، قال تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً﴾، أي إنه لم يصل إلى مرتبة الإمامة لكي يعطي للناس ولنفسه الأمان، وإنما هو مهَّدَ الطريق لعيسى (ع) ووجّه الناس إليه (ع).
أما قول بعضهم: إن إبراهيم (ع) كان يحمل همَّ ذريته ، فإذا كانوا يقصدون أنه (ع) أراد لهم الإمامة (ع) فهذا لا؛ لأنّ إبراهيم (ع) لم يكن حريصاً على دنيا ولا على آخرة، إنما كان حريصاً على رضا الله سبحانه وتعالى. ودعاء الأنبياء وإبراهيم (ع) لذريتهم إنما هو للصالحين منهم بعد علم الأنبياء (ع) بصلاحهم، ومن قبل إبراهيم (ع) نوح (ع) فإنه لعن ابنه بعد أن لعنه الله سبحانه، وبعد أن علم أنه ضال عن الصراط المستقيم ومن أهل الجحيم.
فلم يكن إبراهيم (ع) أو الأنبياء يحملون همَّ ذريتهم لأنهم أولادهم، وإلا لكانوا بذلك على درجة كبيرة من حب الأنا والانحراف عن الصراط المستقيم، (حاشاهم من ذلك) وهم خيرة الله من خلقه، إنما كان إبراهيم والأنبياء (ع) يحملون همَّ الصالحين من ذريتهم؛ لأنهم علموا بصلاحهم، ولأنهم علموا أن هؤلاء الأبناء الصالحين سوف يخلفونهم بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وتحمل العناء والمشقة والأذى من الناس في سبيل نشر التوحيد وكلمة الله سبحانه وتعالى في أرضه.
فكان إبراهيم (ع) والأنبياء (ع) يحملون همَّ الصالحين من ذريتهم؛ لأنهم أولياء الله سبحانه، لا لأنهم أولادهم. والفرق شاسع بين الأمرين، كالفرق بين حب الله سبحانه، وحب الدنيا في قلب الصالح والطالح. ]


[52]- قال : (لضربة علي لعمرو يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين) عوالي اللئالي لابن أبي جمهور : ج4 ص86.


مثال على حسنات الابرار سيئات المقربين، أي ظلم الأنبياء والمرسلين أو الأئمة في ما بينهم...
[ قال عيسى (ع): (ليس بالطعام وحده يحيى ابن آدم ولكن بكلمة الله)، وأنا عبد الله أقول لكم بالطعام يموت ابن آدم وبكلمة الله يحيى. ] الجواب المنير ج1 من السؤال2


[ سؤال/ 68: ورد في الحديث عنهم (ع) ما معناه: إنّ العبادة خوفاً من النار هي عبادة العبيد، وإنّ العبادة طمعاً في الجنة هي عبادة التجار، وإنّ العبادة لا خوفاً من النار ولا طمعاً بالجنة هي عبادة الأحرار. فما وصف عبادة الأحرار، وما هي حدودها؟
الجواب: عبادة الأحرار هي عبادة الحقيقة والكنه لا عبادة الذات الموصوفة بصفات الكمال الإلهية، فالإنسان إذا توجّه إلى الذات الإلهية لا يخلو توجهه من الطمع في تحصيل كمال أو رفع نقص، وإن كانت عبادته لا خوفاً من النار ولا طمعاً في الجنة. ولذا فإنّ التوحيد الحقيقي هو التوجه إلى الكنه والحقيقة، وأما ما سواه فهو نسبة إلى هذا التوحيد يكون شركاً. فعبادة العبيد شرك وعبادة التجار شرك، وعبادة الأحرار المتوجهين للذات لتحصيل كمال أو لسدّ أو رفع نقص أيضاً شرك، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ([188]). والحمد لله وحده. ] المتشابهات ج2


هذا والحمدلله رب العالمين
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [سورة الناس : 6-1]