خزعل الماجدي: المقاربة الأركيولوجية والبحث في الدين

حوار مع الدكتور خزعل الماجدي

المقاربة الأركيولوجية والبحث في الدين

كان المدخل التاريخي والأركيولوجي في دراسة الدين، ولا يزال، من المداخل المهمة على المستوى المعرفي. وبالرغم من أنّ بدايات تشكله في عالمنا العربي الإسلامي المعاصر بوصفه فرعًا علميًّا رصينًا لم تأخذ مسارها الحقيقي، إلاّ أنّ هذا لم يمنع من ظهور محاولات ودراسات وأبحاث وكتابات قاربت الفكرة الدينية مقاربة تعزلها عن بعدها المقدس، محطمة بذلك تاريخًا من التهويل والتقديس غير المبرر بسبب سيطرة المؤسسة الكهنوتية على مفاصل الشأن الديني في عالمنا. و حين نذكر البحث التاريخي الأنطروبولوجي بشكل عام، لا بد أن نستحضر مجموعة من الباحثين العرب، الذين آمنوا بالفكرة العلمية، ووظفوا كل طاقتهم المعرفية بحثًا عن استجلاء المخبوء وراء الثقافة والتاريخ والعقائد والأفكار والأديان. ولعل الباحث والمفكر العراقي "خزعل الماجدي" أحد أوجه هذا الحقل المعرفي، الذين أسسوا لمعرفة دينية بمنظور أنتروبولوجي، من خلال سلسلة أبحاثه وكتبه التي فاقت الثلاثين كتابًا في تنوع ينم عن هذا الحضور المكثف والعميق للمعرفة الدينية والأدبية والتاريخية. وقبل أن نبدأ الحوار لا بأس من وضع القارئ الكريم أمام ورقة تعريفية بشخصية الحوار:

خزعل الماجدي مؤرخ أديان وحضارات عراقي، أستاذ جامعي شاعر كاتب مسرحي مقيم في هولندا. متحصّل على شهادة الدكتوراه في التاريخ القديم من معهد التاريخ العربي للدراسات العليا في بغداد 1996. ومتحصّل أيضًا على عديد شهائد الخبرة العلميّة من هيئات أكاديميّة ومؤسّسات علميّة مثل كلية بابل للفلسفة واللاهوت والعلوم الإنسانية، وجامعة درنة في ليبيا، ومركز التدريب الإعلامي في العراق.

ومارس الدكتور خزعل الماجدي عديد الوظائف:

- دائرة الإذاعة والتلفزيون في بغداد: محرر في القسم الثقافي.

- الصحف العراقية: محرر في القسم الثقافي.

- المجلات (الطليعة الأدبية. فنون، ألف باء، الأديب المعاصر، الوطن العربي): محرر في القسم الثقافي.

- اتحاد الأدباء والكتاب في العراق: النشاط الثقافي (1981 - 1993).

- دائرة السينما والمسرح في العراق: التوثيق والإعلام (1990 - 1998).

- جامعة درنة في ليبيا: أستاذ جامعي في قسمي التاريخ والفنون (1998 – 2003).

- صحيفة القاصد العراقية: مدير القسم الثقافي (2004 - 2005).

- فضائية الشرقية بغداد: مدير البرامج الثقافية (2004 - 2006).

- مدير تحرير مجلة الجيل الأسبوعية (2005 - 2006).

- رئيس المركز العراقي لحوار الحضارات والأديان بغداد (2004 - 2006)

- محاضر في جامعة لايدن / هولندا / كلية الآداب قسم لغات وحضارات الشرق الأوسط الإسلامية (2007).

- محاضر في جامعات عربية مفتوحة في أوربا (2008 - 2014).

وهو ينتمي إلى اتحاد الأدباء والكتاب العرب والاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق واتحاد المؤرخين العرب و اتحاد المسرحيين العراقيين والأكاديمية الرومانية شرق غرب في رومانيا.

تنتمي أعماله الفكريّة إلى عدّة حقول معرفيّة. ففي حقل علم الأديان وتاريخه نذكر: "أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ" و"جذور الديانة المندائية" و"الدين السومري" و"متون سومر" و"الدين المصري" و"المعتقدات الآرامية" و"المعتقدات الكنعانية" و"المعتقدات الآمورية" و"المعتقدات الأغريقية" و"المعتقدات الرومانية" و"أصول الناصورائية المندائية في أريدو وسومر" و"كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد (المسارية والهرمسية والغنوصية في المرحلة الهلنستية)".

أمّا في حقل علم الحضارات وتاريخها فنذكر الكتب التالية: "الفلك عبر التاريخ" و"تاريخ القدس القديم" و"كنوز ليبيا القديمة" و"سحر البدايات" و"الأنباط" و"كتاب إنكي: الأدب في وادي الرافدين ج1وج2" و"تاريخ الخليقة" و"حضارات ما قبل التاريخ".

كما خصّص الأستاذ الدكتور خزعل الماجدي عدّة مؤلّفات لعلم الأساطير (الميثولوجيا)، نورد منها ما يلي: "سفر سومر" و"حكايات سومرية" و"مثولوجيا الأردن القديم" و"بخور الآلهة" و"إنجيل سومر" و"إنجيل بابل" و"الآلهة الكنعانية" و"أدب الكالا..أدب النار" و"ميثولوجيا الخلود" و"المثولوجيا المندائية" و"العَود الأبدي" و"المندالا المثولوجية". وللمؤلّف في نظريّة الشعر كتاب "العقل الشعري".

أمّا في مجال الأعمال الإبداعيّة فإنّ للأستاذ الدكتور عدّة كتابات. ففي حقل المجموعات الشعريّة صدرت له على سبيل المثال: "يقظة دلمون" و"أناشيد إسرافيل" و"خزائيل 1 و2" و"عكازة رامبو" و"فيزياء مضادّة" و"حية ودرج" و"فلم طويل جدًّا" و"أحزان السنة العراقيّة" و"كاماسوترا". وللمؤلّف أعمال شعريّة في 06 أجزاء. وله أيضًا مختارات مسرحيّة وأعمال مسرحيّة في جزأيْن.

وفضلا عن ذلك قدّم الأستاذ الدكتور خزعل الماجدي عدّة مساهمات في مجال الترجمة عن أعمال مهمّة صدرت له في لندن ورومانيا في سنتَيْ 2013 و2014. وهو ينكبّ حاليًّا على إنجاز مشاريع فكريّة نذكر منها:

ـ مشروع محاضرات وحدة حضارة العراق 33 محاضرة في هولندا وأوربا على مدى ست سنوات (2010 - 2016).

ـ مشروع موسوعة (تاريخ الحضارات) في 30 كتاباً ستصدر عن دار نون للنشر، صدر في عام 2014 ثلاثة كتب.

يوسف هريمة: بحكم تخصصكم في التاريخ القديم، نود سؤالكم عن نشأة الدين. الكثيرون يؤكدون بأنّ الدين بدأ مع إنسان النياندرتال. هل هذا التصور صحيح؟ وما هي الملامح العلمية الأولى لنشأة الدين؟

خزعل الماجدي: البدايات الأركيولوجية للدين نشأت مع إنسان النياندرتال لأنّ هذا الإنسان هو أول من دفن موتاه وهو أول من وجه جثث الموتى في القبر نحو الشرق أي باتجاه طلوع الشمس وكانت هذه إشارة صامتة منه يشير فيها إلى وجود حياة أخرى بعد الموت ترعاها الشمس التي تذهب كل يوم إلى العالم الآخر في الليل وهذا يعني أنّه يقلد حركة الشمس بعمله هذا وعلمياً نقول إنّه كان يمارس نوعًا من السحر التشابهي لأنّه بطقس الدفن وتوجيه الجثة نحو الشرق يقوم بنوع من السحر التشابهي إزاء الشمس وهذه أيضا بدايات السحر الذي يراه الباحثون العتبة الأولى للدين.

اللغة نشأت متأخرة ربما في حدود 30000 سنة قبل الآن ولم تستطع أن تتحول إلى لغة نظامية إلاّ في حدود 12000 سنة قبل الآن ولذلك يكون الدين قد عبر عن نفسه باللغة خلال هذين التوقيتين وبعدهما لكنّنا لا نملك نصوصاً صوتية له. السومريون الذين اخترعوا الكتابة في حدود 3200 ق.م هم أول من ترك لنا نصوصاً دينية تعبر عن أول دين نظامي له مكونات أساسية وثانوية ومع ذلك فنصوص هذا الدين الأولى جاءتنا منذ 2600 ق.م من مدينة شروباك. والدين السومري يتكون من معتقدات وأساطير مميزة وطقوس، وله شرائع وسير واسكاتولوجيا واضحة. فهو أول دين بشري بجهاز تكويني واضح ويأتي الدين المصري بعده بقليل ويشكل هو الآخر نظامًا تكوينيّاً مميزاً له خصوصيته. ومن الدينين السومري والمصري ظهرت ملامح الأديان القديمة اللاحقة.

يوسف هريمة: اشتغلتم كثيرًا على جانب الأسطورة، إلى جانب كثير من الباحثين الآخرين. ما هي جوانب الاتفاق والافتراق بين الأسطورة والدين؟ هل يؤكد تشابه الأحداث والوقائع مسألة التثاقف كما نلاحظ في أساطير كأسطورة التكوين الفنيقية والبابلية، أو أسطورة جلجامش، وغير ذلك من الأساطير؟

خزعل الماجدي: الأسطورة لا توضع في مقابل الدين للمقارنة لأنّها جزء من الدين فهي المكون الأساسي الثاني له، لأنّ الدين يتكون من أربعة مكونات أساسية من وجهة نظري، هي (المعتقد الأسطورة، الطقس، الإسكاتولوجيا) والأخيرة تعني كل ما يتعلق بالموت.

أسطورة التكوين البابلية كانت العمود الفقري للدين البابلي فهي تحتوي تصورات البابليين عن نشأة الكون والآلهة وخلق الإنسان وهي تتحدث عن تربّع الإله القومي البابلي (مردوخ) على عرش الآلهة وتحوله إلى ما يعرف بـ(ملك الآلهة) دليلاً على مركزية بابل السياسية والحضارية في العالم القديم ولذلك أنا أعتبر أنّ أسطورة الخليقة البابلية (إينوما أليش) هي بمثابة الكتاب المقدس للدين البابلي وهذا يعني أنّها جوهر هذا الدين ولا علاقة للتثاقف بالأمر.

أمّا جلجامش فهي ليست أسطورة بل هي ملحمة والفرق كبير جداً بين الأسطورة والملحمة ففي حين تكون الأسطورة جزءًا مهمًّا من الدين فإنّ الملحمة جزء من الأدب وليس الدين وهكذا تكون ملحمة جلجامش منزوعة القداسة فهي نصٌّ دنيوي أدبي وليس دينيًّا.

التمييز الدقيق في هذه الأمور وحده هو الذي يعطينا مفاتيح جيدة لفك ألغاز الأديان القديمة أمّا التعميمات فتطيح بكل شيء وتغلق الأبواب بشكل نهائي.

يوسف هريمة: تعرف حضارة ما بين النهرين بأنّها مهد الحضارات ومهد الديانات التوحيدية. كيف تنظرون لهذا الغنى في الحضارات القديمة كبابل وآشور وكنعان؟ هل بالفعل كانت انطلاقة الإبراهيمية من العراق؟ أم أنّها الجزيرة العربية كما يصر على ذلك بعض الباحثين؟

خزعل الماجدي: حضارة مابين النهرين هي أقدم حضارة بشرية بصفحاتها الحضارية المتعددة (الحضارة السومرية الحضارة السوبرية الحضارة البابلية الحضارة الآشورية الحضارة الآرامية) هذه الحضارات الكبرى التي شغلت التاريخ القديم بعلومها وثقافتها وأديانها وفنونها وبهيمنتها السياسية جاءت بسبب الخصب الطبيعي والبشري لوادي الرافدين وأنا أعزو ذلك لبدايات الزراعة في عصر النيوليت وانتظام الثقافات النيوليتية الأربع وتواترها (جرمو حسونة الصوان سامراء) ثم جاءت بعدها الثقافات الكالكوليتية (الحجرية النحاسية) الخمس (حلف، أريدو العبيد أوروك1و2، جمدت نصر) هذه الثقافات التسع هي التي كوّنت جذور الحضارتين السومرية والسوبرية في وادي الرافدين وكثرت القرى والمدن وظهرت بعدها الأنظمة الحضارية وهكذا نرى أنّ تداعي اكتشاف الزراعة في حدود 8000 ق.م أدى إلى الوصول إلى اختراع الكتابة في حدود 3200 ق.م، إنّ هذه الخمسة آلاف سنة بينهما كانت سنوات عمل وكدح وبناء مدن وقرى وتكاثر أقوام وتنافسها وهذا ما يفسر تنوع حضارات وادي الرافدين القديمة الخمس التي ذكرتها.

مازلت أرى غموضاً في مصطلح (الإبراهيمية) لكني سأتعامل مع الأمر كما لو أنّه (شائع) وأقول لك إنّ أور التي احتضنت ولادة إبراهيم هي أور السومرية في وادي الرافدين ولايمكن أن تكون في جزيرة العرب ورحلته من أور إلى حران هي رحلة بين مدينتين رافدينيتين تعبدان الإله القمر (سين) ورحلة إبراهيم إلى أرض كنعان ثم مصر وعودته إلى كنعان وموته فيها لا تتضمن شيئاً عن جزيرة العرب وكونه رحل إلى جزيرة العرب فهذه إضافة إسلامية للأمر. ولذلك يعبر إبراهيم عن انتشار الأقوام الرافدينية خارج وادي الرافدين بحضارتها وثقافتها ولا دخل لجزيرة العرب في الموضوع مطلقاً.

وعلى العموم أرى من الأفضل البحث العلمي الدقيق في نشوء التوحيد في وادي الرافدين بطرق أركيولوجية دقيقة والاهتمام بالديانات الغنوصية الرافدينية التي أرى أنّ لها الفضل الأول في التوحيد وهذا موضوع أفضت في شرحه وتحليله في كتابي الأخير (كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد).

يوسف هريمة: النصوص الدينية القديمة المقدسة، سواء كانت ما سمي بالعهد القديم أو الجديد، أوكذلك نصوص الإسلام. كيف تقرؤون هذه النصوص لا من حيث دلالاتها التأويلية فهذا مجال آخر؟ ولكن كيف تقرؤونها متخصصًا في النصوص القديمة؟

خزعل الماجدي: أقرأ النصوص المقدسة عموماً قراءة تعتمد على منهج البحث العلمي وأنظر لها بوصفها نصوصًا تاريخية، أستعمل معها المنهج الفيلولوجي (اللغوي) حيناً أو المنهج الظاهراتي حيناً آخر أو المنهج التأويلي أو كل هذه المناهج مجتمعة، أنظر لها باحترام كامل ولكني لا آخذ بحوادثها باعتبارها حوادث تاريخية حاسمة بل أستعمل العقل والعلم والمقارنة للوصول إلى الحقيقة. وحيثما وجدت منهجاً علمياً يخدم الحقيقة استفدت منه في تحليلها ولكني لا أستسلم لما تخبرني به بشكل مطلق.

يوسف هريمة: أنتم تشتغلون على النصوص الأدبية أيضًا بصفتكم شاعرًا. هل الشعر امتداد للنص الديني، خاصة أنّه يوظف أيضًا الجانب الأسطوري، وكذلك قد تكون له وظيفة من وظائف الأسطورة بوصفها ناتجًا انفعاليًّا غير عقلاني. أي أنّها تصدر عن حالة انفعالية تتخطى العقل التحليلي كما يقول فراس السواح في تعريف الأسطورة؟

خزعل الماجدي: الشعر ليس امتداداً للنص الديني. الشعر والدين والأدب كلها نصوص وجدانية بشكل عام، لكن الدين يحاول تفسير الطبيعة وما بعد الطبيعة بطريقة وجدانية وتأملية ويطرح لنا تفسيراته ونصوصه على أنّها حقائق مطلقة وتحمل المصداقية الأكبر وهذا ما لا يفعله الشعر ولا الأدب لأنّهما يقرران منذ البداية أنّهما يلعبان، يقرران أنّهما يبالغان ويكذبان لكي يوسعا خيالنا وينشطا عقولنا فهما يقولان لك بصراحة إنّهما لا يعطيان حقائق ثابتة أو مطلقة أو حتى بسيطة بل هما يبوحان بوجدانٍ خصيب ومشاعر فيّاضة.

الأسطورة في الدين نصٌ مقدس تشكل عموده الأساس، أمّا الأسطورة في الأدب فلا قداسة فيها فقد نزعت قداستها وتحولت إلى محض خيالٍ وجمال.ولذلك فإنّ هذا المشترك بينهما مختلفٌ تمامًا في تكوينه ووظيفته.

عندما يموت دين من الأديان فإنّ أساطيره تتحول إلى أدب محض حيث لا شحنة دينية فيها. الأسطورة فاعلة عندما يكون دينها حيّاً وتؤثر هي في الجماعة التي تتخذ ذلك الدين ديناً لها، أمّا الناس الذين لا يؤمنون بهذا الدين فغير ملزمين بها وقد تكون هنا، بمثابة الأدب عندهم.

الأسطورة تقترب من الأدب لأنّها تستخدم وسائل تعبير أدبية كالأوزان الشعرية والسرد والمقابلة والتكرار وغير ذلك وهي من هذا الباب تشترك مع الأدب والشعر.

يوسف هريمة: العراق اليوم كل شيء مهدد فيه وجوديًّا وحضاريًّا. كيف تقرؤون خطر الأصوليات الدينية؟ ومن الذي ينتج الأصولية هل هو النص أم الفهم؟

خزعل الماجدي: العراق مرّ بأخطار كثيرة عبر التاريخ لا تقل خطورة عمّا يهدده الآن لكنه بقي وحافظ على كيانه وشعبه ومكوناته وسيجتاز هذه الأزمة الجديدة ولكن بصعوبة كبيرة، وكل هذا حصل بسبب التقصير في بناء مجتمع حديث حقيقي وبناء دولة حديثة حقيقيّة فالعصر الحديث لا يحتمل نمو دولة ومجتمع قائمين على أسس قديمة ووسيطة ويريدان النمو بقوة في عصر حديث هذه مفارقة، وستعصف هذه المفارقة بكل البلدان التي تسكنها هذه المعادلة الخاطئة، والمسألة مسألة وقت فقط فإما أن نستجيب لمعطيات العصر الحديث والحداثة كلها، أو نظلّ نعاني هذه التصدعات التي لا تنتهي في مجتمعاتنا ودولنا.

لاشك أنّ الأصوليات بعامة والأصولية الدينية بشكل خاص هي التي تقف وراء هذا التصدع لأنّها تقاوم التحديث، ولأنّها تريد الإبقاء على مصالح المال والسلطة كما يحلو لها أن تستفيد منها، فهي تدفع المجتمع كله معها لحرب ضد العصر وضد الأمم الأخرى، بل وضد الداخل المختلف عنها.

النص وفهم النص، معاً هما اللذان ينتجان الأصولية النصوص المقدسة وشبه المقدسة والنصوص الدينية الأخرى تحمل في داخلها عزلاً فكرياً وحذفاً للآخر، وهناك فيها ألغام لا ينتهي تفجيرها في كل عصر إلا إذا نظرنا لها نظرة الناقد المتفحص، لا نظرة المستسلم الضحية. ثم تعال وقل لي هل الأمر اليوم هو مشكلة النص وفهمه أم مشكلة البترودولار وتمويل المنظمات الإرهابية وتحالفات الدول والمؤامرات الداخلية والخارجية وكراسي الحكم والثروات؟ كل هذه هي التي تشجع على ظهور النصوص والفهم السيء للنصوص. الأمر اليوم أكثر تعقيداً مما نتصور.

يوسف هريمة: كثيرون لا يعرفون بعض المكونات الحضارية العراقية إلا عبر الإعلام، وما أفرزته أحداث ما سمي بداعش. لو تسمحون ولو بإيجاز في الحديث عن بعضها. فمن هم الإيزيديون والآشوريون والكلدانيون والسوريانيون؟

خزعل الماجدي: الحاضر العراقي ضمّ ما تمخض عنه تاريخ العراق كلّه وبسبب العمق الحضاري البعيد للعراق كان العراق وما زال يضم عدة إثنيات ساهمت في حضاراته القديمة والوسيطة والحديثة وقد قدمت حتى الآن عشرين محاضرة من أصل 34 محاضرة عن تاريخ حضارات العراق وهذه الإثنيات المكوّنة للعراق، وقدمتها في هولندا وأوربا في منتديات ثقافية. فعلى المستوى القومي هناك العرب والأكراد والتركمان والفيليون الذين هم أقوام آرامية نبطية، وعلى المستوى الديني هناك المسلمون والمسيحيون (الذين يشكلون تركيباً قومياً خليطاً من الآشوريين والكلدان والسريان والأرمن) ولهم حوالي 14 مذهباً مسيحيًّا أي 14 كنيسة مختلفة وهناك الإيزيديون وهناك المندائيون وهناك الشبك والكاكائية والصارلية.

الإيزيديون في جذورهم يرتبطون بالآشوريين القدماء الذين دخلوا المسيحية وأثرت فيهم عقائد باطنية ورافدينية قديمة، فشكلوا نوعًا من الديانة الغنوصية التوحيدية الخاصة والتي آمنت بالله والملائكة واليوم الآخر، أما المندائيون فهم ديانة قديمة تمتد بجذورها إلى أعماق ماضي وادي الرافدين وهي ديانة توحيدية مبكرة ذات طابع غنوصي وقد كتبت عنها الكثير، الآشوريون هم بقايا الآشوريين القدماء الذين اتخذوا من الديانة المسيحية ديانة لهم متأثرين بالنسطورية. والكلدان هم آشوريون أيضاً ومعهم الكلدانيون البابليون الذين اتخذوا من الديانة المسيحية الكاثوليكية ديانة لهم. والسريان هم الآراميون القدماء الذين اتخذوا الديانة المسيحية ديناً لهم وتكلموا بالسريانية الآرامية. وهناك الأرمن الذين هم مسيحيون من أصول أرمنية بعضها يمتد إلى العصر العباسي وبعضها إلى عصر المذابح التركية للأرمن في بداية القرن العشرين حين نزحوا إلى العراق.

وهكذا ترى أنّ هؤلاء جميعا هم ثمار الماضي العراقي الزاخر بالحياة الحضارية والروحية وبدونهم لا يكون العراق عراقاً.

يوسف هريمة: ما هي مداخل الإصلاح الديني الذي تنشدونه باعتباركم باحثين في التاريخ والأنثروبولوجيا والأدب؟

خزعل الماجدي: أنا باحث علميّ في حقل علم الأديان ولست مصلحاً دينياً، لكن الغاية من بحثي العلمي في الأديان تصب في مجال الإصلاح الديني والحضاري والمجتمعي بالتأكيد، ولذلك يمكنني أن أقول لك إنّي أنشد مايلي:

1. أن يكون الدين مصدر سلام وتعايش مجتمعي وليس مصدر احتراب وتفريقٍ وتمايز دينيّ أو مذهبيّ.

2. أن يكون الدين روحياً مجرداً من الدوافع السياسية والسلطوية وأن لا يكون مدعاة للتكتل الاجتماعي المتوتر والمحرض على الفرقة.

3. الاعتراف بالآخر المختلف داخل أي دين أو قومية وخارجهما، والحوار الإيجابي الخلاّق معه.

4. أن يكون العلم وليس السياسة أو الأديولوجيا، سبيلنا لفهم الحياة الاجتماعية والدينية والتاريخية والحضارية وأن يكون العلم مرتبطا بفعالية جدلية مع التعليم والعمل.

5. بناء الدولة والمجتمع على أساس علمي، وفصل الدين عن الدولة، وقيام المؤسسات الدائمة للدولة واحترامها بغض النظر عن تغير السلطة أو تداولها. فالذي يحمي المجتمع من الشرور هو المؤسسات الثابتة والمعروفة في كل مكان في العالم كالتعليم والصحة والخدمات والقانون والعمل والدفاع وغيرها.

6. بناء الدولة والمجتمع على أسس حضارية علمية جديدة تقوم على أساس احترام حرية الفرد وحقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية والاعتراف بالآخر المختلف وتداول السلطة سلمياً وتنشيط دور القطاع الخاص وتنشيط دور الدولة الرقابي في نمو الاقتصاد والعمل والانفتاح على الغرب والأخذ بعلومه وطرقه في تسيير الحياة الاجتماعية والسياسية.

7. الكفّ عن البحث عن الحقائق المطلقة والاهتمام بالتفاصيل على مستوى الحياة العملية اليومية، وبناء مجتمعات تحترم العمل وتنتج وتعيش من أجل الإبداع ونمو مستوى العيش ونبذ أفكار العدوانية والكراهية والتعالي على الشعوب والأمم بحجة الدين أو العرق والنبذ الكلي للعبودية ونظام الخدم واحترام حرية الناس جميعًا.

شكرًا الأستاذ خزعل الماجدي على هذا الحوار المفيد.