بسم الله الرحمن الرحيم و الحمدلله رب العالمين
اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الحمدلله مالك الملك، مجري الفلك مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها. اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انصار الله ، عباد الله اوصیکم و نفسی بتقوی الله و لزوم طاعته و نصرة قائم ال محمد عليه السلام .


اصل الدين:
أصل الدين أو العقيدة الإلهية في هذه الأرض هو الاستخلاف. فمنذ أن خلق الله اول إنسان أرضي، وهو آدم (عليه السلام) جعله خليفته في أرضه.


وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (البقرة٣٠)


وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
(البقرة٣١)


قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (البقرة٣٢)


قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (البقرة٣٣)


هذا ما كان بين آدم ع و الملائكة و الجن، لأن الملائكة والجن غير قادرين على تحصيل المعرفة التي يحصلها آدم ع ذاتيا ً، فكان حتمياً أن يكون آدم هو الخليفة، لأنه القادر على تعريفهم ما يجهلون، فقد عمل ببعض ما اودع فيه من قابلية وامكان حيث إنه انسان، والإنسان هو القابل الأوسع والاعظم، فهو مخلوق على صورة الله، أي أنه مفطور على معرفة أسماء الله،ومودعة فيه قابلية اظهار أسماء الله للخلق «الله خلق آدم على صورته»الكافي- الكليني : ج١ ص ١٣٤؛ التوحيد- الصدوق: ص ١٠٣.
أما بين الناس أو بني آدم أنفسهم، فحتماً أنهم غير متساوين في العمل والإخلاص، فضلاً عن غفلة أكثرهم عن العمل، فأصبح أيضا ً من الحتمي أن يستخلف العالم العارف بالله على الجاهل نسبةً إليه، فكان الخليفة الأول الحقيقي- وفي العوالم العلوية- هو محمداً ص ثم آل محمد ع ثم الأمثل فالامثل من الناس، وأما في هذا العالم الجسماني فهو أعلم الخلق واعرفهم بالله سبحانه في كل زمان.
فهنا مستخلِفٌ و مستخلَف وعلمٌ يودع عند المستخلَف، وباعتبار صفات الخليفة وحيثيات عمله أو تكليفه من المستخلِف يمكن أن نصفه وما يحمله و نصف مستخلِفه.
فنقول باعتبار أنه يتلقى أنباء الغيب فهو نبي يحمل أنباء وينبئه من يوحي إليه بالأصل، وباعتبار أنه حامل رسالة فهو رسول يحمل رسالةً من مرسِل.
فأصل الدين وهو الاستخلاف يتضمن أصولا ً ثلاثة هي:


المستخلِف و الخليفة والعلم، أو منبّئٌٌ و نبيٌّ و أنباء، أو مرسلٌ و رسولٌ ورسالة، ويمكن أن نصف الخليفة بأنه إمام إذا كان له مقام الإمامة.
وهذا الأصل (الاستخلاف): هو أصل الدين وعموده وركيزته، فمن ينقضه فقد نقض الدين الإلهي ولم يبقِ منه شيئاً، ولهذا أكد الأئمة ع الإمام الصادق ع على أنّ من اغتصبوا حق أمير المؤمنين ع كانوا أصحاب الحظ الأوفر في نقض الإسلام، ليس لاغتصابهم حق أمير المؤمنين ع فقط، بل لأن هذا الاغتصاب هو عبارة عن نقض الأصل الذي يرتكز عليه الدين الإلهي وهو الاستخلاف، ومن ثم جعلوا الناس ينحرفون عن هذا الأصل الذي هو الدين الإلهي من ألفه الى بائه.


الاصل الاول : المستخلِف و هو الله سبحانه و تعالی
هناک طریقان بوجود الحقیقه الغائبه الشاهده الموجده لهذا العالم :
طریق الوحی ، الطریق العقلی
طریق الوحی هو الطریق الاصل و الاشرف ، و اوله التصدیق بوجود الحقیقه ( او الله سبحانه) ، و لکنه یمتد الی ما بعد التصدیق و هو المعرفه و هی عله الخلق ، و یکون ابتداءً بالاستعداد للسماع من الحقیقه و من ثم التجرد و الاخلاص للحقیقه الموجده لهذا الکون ، حتی تسمع روح الانسان من الحقیقه الحکیمه و یثبت له الوجود و الحکمه و من ثم تبدا رحلته الی المعرفه ، فیسمع من الله و من رسله بالوحی فی الرویا و الکشف .


المعرفة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]


الانسان بالأساس مفطور على معرفة الله، لأنه خلق على صورته، أي أن الإنسان هو تجلي الله في عوالم الخلق. فالصورة كما نعرف تحكي الحقيقة بقدر ما، ولكن لمّا أعرض عامة الناس عن سبيل الله وانشغلوا بالدنيا وغفلوا عن ربهم وكان المتذكرون منهم خاصة وقليل فقط، كالنجوم المضيئة في ظلمة السماء؛ كانت مشيئة الله -ولرحمته- أن اختار رسلاً من هؤلاء الخاصة الذين تذكروا وسمعوا ، وأرسلهم ليذكروا الغافلين المشغولين بالدنيا ويعرفونهم الطريق ويسيرون بهم إلى الله، لينجوا بعض هؤلاء الغافلين ويتذكروا ويعرفوا بفضل الله وبفضل هؤلاء الناجين الأوائل. إذن، الأصل أن الناس كلهم يتذكرون ولا يحتاجون من يذكرهم، فلو كان هناك رسول فالمفروض أن يعرفوه حتى دون إعلانه عن نفسه.


ولو أنهم غفلوا، فالمفروض أن المتذكر (الرسول) - الذي أرسله الله لهم ليسلك بهم الطريق الذي أضاعوه بغفلتهم - لا يحتاج إلى الكثير ليذكرهم.
بل المفروض أن خليفة الله لا يحتاج أكثر من الإعلان عن نفسه، والمفروض أن الناس قادرون على التعرف على خليفة ربهم وإلههم الذي يمكنهم الاتصال به ومعه دائماً وسؤاله عن رسوله، هذا هو الأصل إن كانوا أناسا ً محافظين على فطرتهم وانسانيتهم وان كانوا غافلين، ولهذا بيّن القرآن أن الأنبياء وإبراهيم لم يكونوا يحتاجون أكثر من إعلان دعواتهم، أي الأذان { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } [الحج:27]، فالآية واضحة؛
أذِّن يا ابراهيم، والناس يأتوك على عجلة بمجرد أن يعلموا بإعلانك عن دعوة الله التي تحملها (١) ، لأنهم سيتذكرون ويتصلون بربهم ويعلمون
منه أمر رسوله وأحقيته، بل المفروض أنهم متذكرون مثلك، ويعرفونك قبل أن تؤذن، ولكنهم للأسف انشغلوا بالدنيا حتى ذكرتهم أنت فانتبهوا.
إذن، فالناس يأتوك بمجرد أن تعلن، أما غير الناس أو الذين نكسوا فطرتهم حتى لم يعد من اللائق أن يسموا ناس، فهؤلاء أكيد لا ينفعهم لا أذان ولا أي شيء آخر، وبين الناس وبين من نكسوا فطرتهم هناك كثير ممن لوثوا فطرتهم وأنفسهم بقدر ما، فهم يحتاجون لأشياء أخرى غير الإعلان والأذان، وهي ما نسميها بالأدلة لمعرفة خليفة الله أو قانون معرفة الحجة.
ولرحمته سبحانه وتعالى لم يكتف بارسال الرسل مع أنه فضلٌ منه سبحانه، بل أمر رسله بالإعلان عن دعواتهم، رغم ما سيتحمله رسله واحباؤه سبحانه من اعدائه بسبب هذا الإعلان، بل ولسعة رحمته سبحانه وتعالى لم يكتف بكل هذا حتى أرسل مع رسله الآيات والبينات (الأدلة الواضحة الجلية لكل طالب حق)، حتى لا يبقى عذر لمعتذر ولا حجة لمحتج مهما كان هذا الغذر واهناً وهذه الحجة داحضة، { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:165].
فمع أنه - كما بيّناّ- لا حجة حقيقية لهم ، ولكنه الكريم الرحيم اعتبرها حجةً لهم لعظم كرمه، فأرسل الرسل بالآيات، والبيّنات ليقطع دابر هذه الحجة الموهومة، ومع هذا- وللأسف- فهؤلاء المتمرّدون عديمو الحياء الذين أعطاهم الله الفرصة بعد الأخرى من غير استحقاق، سيطلبون فرصة أخرى { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ }[غافر:11].
ولكي نتصور المسألة أكثر أضرب هذا المثال: لو كان لديك عمل ما وكلّفت به شخصاً معيّناً، وهو لا يؤديه بسبب إهماله وكسله، وعندما تسأله لِمَ لمْ تؤدي العمل؟ سيأتيك بأعذار واهية غير حقيقية، فيقول لك مثلاً: أحتاج كذا وكذا لأداء العمل، فأنت لتقطع عليه أعذاره وحججه الواهية - مع علمك بأنها أعذار واهية كاذبة- تحقق له مطالبه، وهكذا كأنك اعتبرتها أعذار وحجج حقيقية، وكما يقول المثل المعروف: إتبع الكذاب إلى عتبة الباب، { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَىٰ} [طه:134]، فالمسألة من هذا الباب ولا يتصور أحد أن للناس حجة حقيقية على الله،
سواء أرسل رسل أم لم يرسل، سواء كان مع الرسل آيات وبيّنات وأدلة، أو كانت أيديهم خالية إلا من ذكر الله.
إذن فالمطلوب من كل إنسان أن يتذكر ويخلص ليكون نبياً يوحى إليه ويعرف الحقيقة وما يريده منه بارئه سبحانه، فقد فطره الله على هذا وخلقه لهذا وهو ممتحن ليكون هكذا،
ولكن للأسف أكثر الناس يركنون إلى ظلمة هذا العالم الجسماني ويغفلون عن ربهم، فلا يسلك هذا الطريق وهو طريق الوحي إلا قليل، كأنبياء الله ورسله واوليائه سبحانه، ففتح الله لبقية بني آدم طريق الواسطة أو الخليفة الذي يوصلهم ويعرفهم، وهكذا ظهر مع فتح طريق الواسطة أصلان آخران مرتبطان بالمستخلف الواجب معرفته سبحانه، وهما الخليفة والرسالة التي يحملها للتعريف.
___________
١- وهذا ما قاله ورثة إبراهيم (عليه السلام) وهم الخاصة المخلصون لله من ذرية ابراهيم ع حيث أسكنهم ابراهيم ع بأمر الله قرب البيت الحرام ليكونوا هم أئمة الناس الذين يؤذنون بالحج ويقيمون الصلاة أي يقومون بدين الله سبحانه بعد أبيهم ابراهيم ع فيجب على الناس أن يأتوهم كما وجب على الناس إتيان أبيهم ابراهيم ع من قبل، { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [ابراهيم:37]
في الكافي_ الكليني: ج١ ص ٣٩٢-٣٩٣:
علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: نظر إلى الناس يطوفون حول الكعبة، فقال: هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية، إنما امروا أن يطوفوا بها، ثم ينفروا إلينا فيعلمونا ولايتهم ومودتهم ويعرضوا علينا نصرتهم، ثم قرأ هذه الآية " واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم"
الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد عن علي بن أسباط، عن داود بن النعمان عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام - ورأى الناس بمكة وما يعملون - قال فقال: فعال كفعال الجاهلية أما والله ما امروا بهذا وما امروا إلا أن يقضوا تفثهم و ليوفوا نذورهم فيمروا بنا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرتهم.
علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال جميعا، عن أبي جميلة، عن خالد بن عمار، عن سدير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام وهو داخل وأنا خارج وأخذ بيدي، ثم
استقبل البيت فقال: يا سدير إنما امر الناس أن ياتوا هذه الاحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا وهو قول الله: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى" - ثم أومأ بيده إلى صدره - إلى ولايتنا.
ثم قال: يا سدير فاريك الصادين عن دين الله، ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان وهم حلق في المسجد، فقال: هؤلاء الصادون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين، إن هؤلاء الاخابث لو جسلوا في بيوتهم فجال الناس فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله حتى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله.


كتاب «عقائد الإسلام -الإمام أحمد الحسن (ع)