اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الحمدلله مالك الملك، مجري الفلك مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها. اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انصار الله ، عباد الله اوصیکم و نفسی بتقوی الله و لزوم طاعته و نصرة قائم ال محمد عليه السلام .


شبهة: المعصوم يُعرف بعلمه بكل اللغات1


معرفة كل اللغات:
معرفة كل اللغات صفة من صفات الله تعالى، كما سيأتي ذكره في نصوص متعددة عن آل محمد (ع)، فلا يمكن أن يتصف بها مخلوق، لأن ذلك يعني أنه مساوٍ لله تعالى في ذلك وهذا باطل بداهة، واكتساب معرفة كل اللغات أمر مستحيل وخارج عن استطاعة البشر مهما بلغ من الذكاء وسرعة الحفظ، فاللغات الحية الآن في العالم أكثر من ثلاثة آلاف لغة – كما قيل -، فضلاً عن اللغات المنقرضة الميتة، وحتى لو قلنا بأن اللغات هي ألف لغة فقط، وفرضنا أن شخصاً يتعلم كل لغة في شهرين فقط، فهذا يعني أنه سيتعلم الألف لغة في (166) سنة، وهذا مما لا يمكن حصوله لأحد من البشر عادة.




إذن فمعرفة كل اللغات خارجة عن قدرة أي فرد من أفراد البشر، بل خارج عن قدرة كل الخلق بما فيهم الملائكة، بعد أن عرفنا أنه من صفات الله تعالى، وبعد أن عرفنا استحالة اكتساب أي فرد من أفراد البشر لذلك.
أما معرفة بعض اللغات، فهو يتصور على نحوين:


النحو الأول:
أن يعلم عدداً من اللغات يعجز أبناء جنسه أن يحيطوا بها، مثلاً أن يعلم (100) لغة، وكون معرفة هذا العدد من اللغات لفرد من البشر بما هو بشر مستحيل، فهذا يعني أنه لا يكون لفرد من البشر إلا بإعجاز إلهي، والإعجاز له قانون إلهي فقد يحصل لبعض البشر كالأنبياء والأئمة وقد لا يحصل لهم، وسيأتي بيان أن المعجزة التي يمكن أن تتخلف لا يتوقف عليها صدق صاحب أي دعوة.


النحو الثاني:
أن يعلم عدداً من اللغات يمكن لأمثاله من البشر أن يحيطوا بها، كأن يعلم مثلاً (30) لغة، والمعرفة لهذا العدد من اللغات لا تثبت لصاحبها خصوصية منفية عن أبناء جنسه، كنبوة أو إمامة، لأن هذا بمقدور البشر أو بعضهم، والعلم الذي يستدل به على مزية خاصة كالنبوة أو الإمامة لابد أن يكون خارج عن قدرة البشر فعندما يتصف به أحدهم يكون دليلاً على تأييده من الله تعالى.


إذن فمعرفة بعض اللغات على النحو الأول المتقدم هو إعجاز إلهي، والإعجاز قد يحصل وقد لا يحصل، فعند عدم اتصاف صاحب أي دعوة بهذا الإعجاز لا يعني كذبه، فقد يكون صادقاً ولكن الله تعالى لم يشأ إظهار هذه المعجزة على يديه، والآيات بيد الله تعالى لا بيد الرسل والأئمة.
وأما معرفة بعض اللغات على النحو الثاني، فسواء وجدت أم لم توجد لا تدل على صدق المدعي، لأنها ممكنة لبقية البشر أو بعضهم، فلا يمكن أن تكون دليلاً موصلاً إلى الجزم بصدق صاحب دعوة إلهية.


والآن أذكر بعض الأدلة الروائية على كون (معرفة كل اللغات) من صفات الله تعالى:
1 – الكليني في الكافي ج2 ص593 – 595: بسند صحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): قال:
(قل : اللهم إني أسألك قول التوابين وعملهم و نور الأنبياء وصدقهم .......... ويا أكمل منعوت ويا أسمح المعطين ويا من يفقه بكل لغة يدعى بها ويا من عفوه قديم وبطشه شديد وملكه مستقيم ...) ( ).
2 – السيد ابن طاووس في جمال الأسبوع ص 183: بسنده عن الحسن بن القاسم العباسي قال: دخلت على أبى الحسن موسى ابن جعفر عليهما السلام ببغداد وهو يصلى صلاة جعفر عند ارتفاع النهار يوم الجمعة فلم أصل خلفه فرغ ثم رفع يديه إلى السماء ثم قال :
(يا من لا تخفى عليه اللغات ولا تتشابه عليه الأصوات ويا من هو كل يوم في شأن يا من لا يشغله شأن عن شأن يا مدبر الأمور يا باعث من في القبور يا محيى العظام ...).
3 - العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج 91 ص 294 – 295: قال: ومن ذلك : دعاء لمولانا الصادق جعفر بن محمد عليه أفضل الصلاة والسلام لما استدعاه المنصور به مرة سادسة وهي ثاني مرة إلى بغداد ، بعد قتل محمد و إبراهيم ابني عبد الله بن الحسن .....:
(يا من ليس له ابتداء ولا انتهاء ، يا من ليس له أمد ولا نهاية ، ولا ميقات ولا غاية ، يا ذا العرش المجيد ، والبطش الشديد ، يا من هو فعال لما يريد ، يا من لا يخفى عليه اللغات ، ولا تشتبه عليه الأصوات ، يا من قامت بجبروته الأرض والسماوات يا حسن الصحبة يا واسع المغفرة ، يا كريم العفو صل على محمد وآل محمد واحرسني في سفري ومقامي وفي حركتي وانتقالي بعينك التي لا تنام ، واكنفني بركنك الذي لا يضام).


4– الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد ص 561:
ثم اسجد ، وقل في سجودك : (اللهم ! إني أسألك يا سامع كل صوت ويا بارئ النفوس بعد الموت يا من لا تغشاه الظلمات ولا تتشابه عليه الأصوات ولا تغلطه الحاجات ، يا من لا ينسي شيئا لشئ ولا يشغله شئ عن شئ أعط محمدا وآل محمد صلواتك عليه وعليهم أفضل ما سألوا وخير ما سألوك وخير ما سئلت لهم ، وخير ما سألتك لهم وخير ما أنت مسؤول لهم إلى يوم القيامة ثم ارفع رأسك وادع بما أحببت)
أقول:
1 – تقدم إثبات أن معرفة كل اللغات من صفات الله تعالى ومختصاته، ولا يمكن لمخلوق أن يتصف بذلك على نحو الإطلاق، ومعرفة بعض اللغات إما أن يكون معرفة عدد خارج عن قدرة البشر وهو معجزة والمعجزة لا تكون دائماً وخصوصاً مع وجود الأسباب الطبيعية وفعاليتها، وإما أن يكون معرفة بعض اللغات على سبيل معرفة عدد منها باستطاعة البشر أن يحيطوا بها، وقلت بأن هذا لا يكون دليلاً على معرفة الإمام أو الحجة ولا من مختصاته، ولا يجب توفرها.


2 – النبي محمد (ص) كان نبياً مرسلاً للعالمين، والى الآن الخلاف قائم هل أنه كان يحسن القراءة والكتابة أم لا، فافترق المسلمون بين مانع ومجوز وموجب. وعدم معرفة القراءة والكتابة يعني أنه يحتاج الى من يكتب ويقرأ ويترجم له الكتب، ولا يخفى أن ذلك لا يقدح في نبوته ورسالته، وخصوصاً عند عدم قيام الدليل القطعي على خلافه حسب ما صرح به السيد المرتضى (ره) – كما يأتي -، أذن فلا إشكال حتى لو كان الإمام لا يحسن علوم لغة قومه كالقراءة والكتابة فضلا عن سائر اللغات.


ومن المعلوم أن النبي محمداً (ص) عندما راسل الملوك والرؤساء كتب لهم بالعربية وليس بلغاتهم، وحينئذ أكيداً سيعتمد بيان مراد النبي ومضمون رسائله على المترجمين، وهذا يعني جواز التعويل على المترجمين في بيان رسالة النبي أو الإمام.


أخرج الشيخ الطوسي بسنده عن أبي بصير، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) ، عن رسول الله (ص) أنه قال : (... إن الله بعث كل نبي كان قبلي إلى أمته بلسان قومه ، وبعثني إلى كل أسود وأحمر بالعربية ...) ( ).


وكل أسود وأبيض يعني إلى كل الناس على اختلاف لغاتهم، أي إن النبي محمداً (ص) بعثه الله تعالى إلى كل البشر بالعربية وليس بغيرها.
إذن فالنبي محمد (ص) أرسل بلغة قومه إلى جميع العالمين، وهذا يعني أنه يبين لقومه الحق والهدى، وقومه هم من ينشروا رسالته إلى بقية الأمم على اختلاف ألسنتهم.


ثم إن القرآن الكريم بتعاليمه وهدايته عام لكل البشر وليس للعرب فقط، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان من أهل الإسلام، فلماذا لم يعمد النبي (ص) الى ترجمته الى جميع لغات من تشملهم تكاليف القرآن وتعاليمه ؟ لماذا ترك هذا الأمر الى المترجمين ؟ أليس على فكر المستشكل أن هداية بقية الأمم غير العرب تتوقف على فهم معاني القرآن ومضامينه ؟ فلماذا ترك النبي ترجمة القرآن الى لغاتهم ؟!


كل هذا يدل على أن بقية الأمم مكلفون بإيجاد مقدمات فهم معاني القرآن وتعاليمه، كترجمة القرآن وسنة النبي (ص) الى لغاتهم، ويضاف الى ذلك أن المؤمنين أيضا مكلفون بنشر تعاليم القرآن وسنة النبي (ص) الى بقية اللغات وحسب الإمكان.
والنتيجة أن هداية بقية الأمم لا تستلزم أن يكون الإمام عارفاً بجميع لغاتها ما دام أن هناك أسباباً طبيعية يمكن أن تفي بهذا الغرض، فلا داع للإعجاز.


وبعد أن انتهينا من رد الإشكال نقول:
إن جعل أي شيء معين كدليل على معرفة أو تعيين حجة الله على خلقه، لابد أن يكون هذا الشيء ثابتاً باليقين صدوراً ودلالة، لأن العقائد لا تؤخذ بالظنون بل يشترط فيها الجزم واليقين الذي لا يقابله احتمال المخالفة.
فإن قال شخص بأننا نشترط في الإمام أن يكون متصفاً بمعرفة جميع اللغات، وإن لم يكن كذلك فليس بإمام !


نقول له:
1 – إن هذا أمر عقائدي ولا يثبت إلا بدليل قطعي الدلالة والصدور، فهل اشتراط معرفة الإمام لكل اللغات ثابت بدليل قطعي الدلالة والثبوت حتى نعمل به في العقائد ؟!
الجواب: كلا .. كما سيأتي بيانه عند التطرق إلى الروايات التي يستدل بها على ذلك.


ثم هل هناك إجماع لعلماء الأمة المتقدمين على ذلك ؟!
الجواب: كلا ... ولنسمع كلام الشيخ المفيد (ره) بخصوص اللغات:


[القول في معرفة الأئمة (ع) بجميع الصنايع وساير اللغات وأقول : إنه ليس يمتنع ذلك منهم ولا واجب من جهة العقل والقياس وقد جاءت أخبار عمن يجب تصديقه بأن أئمة آل محمد (ص) قد كانوا يعلمون ذلك ، فإن ثبت وجب القطع به من جهتها على الثبات . ولي في القطع به منها نظر ، والله الموفق للصواب ، وعلى قولي هذا جماعة من الإمامية ، وقد خالف فيه بنو نوبخت - رحمهم الله - وأوجبوا ذلك عقلا وقياسا وافقهم فيه المفوضة كافة وسائر الغلاة] ( ).


وكلام الشيخ المفيد صريح في أن معرفة الأئمة (ع) بسائر اللغات ليست ممتنعة، وأيضاً غير واجبة التحقق فيهم من جهة العقل، وقد جاءت روايات عن المعصومين بثبوت ذلك لهم ولكنها في القطع بها نظر أي القطع بها غير حاصل، ومع رأي الشيخ المفيد هذا مجموعة من علماء الإمامية، وقد خالفهم بذلك بنو نوبخت والمفوضة والغلاة حيث جزموا بأن الأئمة (ع) يعلمون سائر اللغات.


ولا يخفى أن جهة الاعتدال والرصانة هو الشيخ المفيد ومن وافقه من علماء الطائفة، لا الجهة التي يطغوا عليها التفويض والغلو.
وملخص كلام الشيخ المفيد أن معرفة الأئمة لكل اللغات غير ممتنع، ولكنه ليس بشرط في ثبوت إمامة أهل البيت (ع) لعدم إفادة الأدلة القطع والجزم على ذلك، أي أن ذلك ليس بواجب ولا شرط؛ يعني أن إثبات إمامة الأئمة (ع) لا يتوقف على ذلك، ولا يشترط تحققه فيهم لتثبت لهم الإمامة.
و الحمدلله وحده وحده وحده
المصدر صفحة الشيخ ناظم العقيلي :


https://m.facebook.com/Nadem.Aloqaili.10313