اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها والارض وعمارها وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها ، اللهم صلى على محمد وال محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة يامن من ركبها ويغرق من تركها المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق وصلي يارب عليهم وسلم تسليما كثيرا.
عباد الله وصيكم ونفسي بتقوى الله ولزوم طاعته والاخلاص في الطاعة فلا خير في طاعة بلا اخلاص وقد ورد عن امير المؤمنين ص « العمل كلّه هباء إلاّ ما اُخلص فيه ».السلام عليكم و رحمة الله و بركاته . جمعة مباركة . موضوع خطبتنا لهذا اليوم هو : الإخلاص .


اشترط الدين الألهي الإخلاص في سائر أعمال المؤمن ليُؤْجر على عمله وليفوز بالثواب من الله رب العالمين. بل إنَّ أوَّل ما يتعلَّمه المهتدي إلى الله و دينه أنَّ نيَّة كل عمل عبادي كالصلاة والصوم والحج، يجب أن تكون خالصةً وقربة إلى الله عزَّ وجلَّ، وإذا لم تكن كذلك اعتُبر العمل باطلاً فاسد، تجب إعادته، ويُؤْثم صاحبه .‏ ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّه لا ملازمة بين صحة الأعمال العبادية في الظاهر وقبولها في الواقع، فحتَّى ولو كانت النيَّةُ خالصةً من الرِّياء الظاهري ، إلاَّ أنَّها لا تكون صحيحةً مع الشِّرك الباطني في الواقع، وغير مقبولة لدى اللَّهِ سبحانه.‏قال الله تعالى ملكُهُ العزيز: ((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيم)).‏وقال سبحانه: ((وأقيموا وجوهكم عند كل مسجدٍ وادعوه مخلصين له الدين)).‏
ورُوي عن مولانا ومقتدانا رسول الله (ص) قولُه:‏«قال الله تعالى: الإخلاص سِرٌّ من أسراري استودعتُهُ قلبَ مَنْ أحببتُ من عبادي».
الله دائما يمن علي عبده و يبعث اليه رسل ليهدوه الي طريق الرشاد و المستقيم الذي يريده هو سبحانه و يعطيه الشرع و الحكم و يحثه علي العمل بين يدي حجته لينال رضاه و يفوز بالجنة التي وعده اياها . كل هذا لا يقبله الله الا ان يكون خالصاً لوجهه الكريم و خالي من أي رياء و غرور و تكبر و الأخلاص آخر مرحلة لقبول العمل و نزول التوفيق الألهي كما قال يماني آل محمد عليه السلام :
خير ما يصعد من الأرض إلى السماء هو الإخلاص، وخير ما ينزل من السماء إلى الأرض هو التوفيق و بالحقيقة فــأنه لا يوجد (مُخلِصين) بمعنى أنّ الإخلاص واقع منهم بشكل تام، فالموجود هو: إنّ العبد ينوي الإخِلاص لله سبحانه وتعالى، فينزل توفيق الله على هذا العبد الذي نوى وطلب الإخلاص في قلبه، فيقع من هذا العبد الإخلاص لله سبحانه بتوفيق الله له. وهذا هو (التخليص)، ويكون العبد الذي وقع عليه هذا التوفيق والاصطفاء والاصطناع مخلَص بفتح اللام لا مخلِص بكسر اللام .المتشابهات ج 3/ سؤال 83/ .
بالإخلاص يوفق الإنسان للذكر الحقيقي، وبالذكر يوفق إلى المعرفة، ومن سبل المعرفة الإلهام، ونتيجة الإلهام تتزايد المعرفة والمفروض أن يستمر مع سير الإنسان إلى الله تزايد الإخلاص من الإنسان، وأيضاً التوفيق النازل عليه من الله ومن ثم يزيد الإلهام له من الله والمعرفة عند الإنسان وهكذا حتى يعلم الإنسان أن المعرفة الحقيقية هي عجزه عن معرفة الحقيقة والكنه.
كما هو واضح من قول الأمام الطاهر أن المعرفة الحقيقة التي يريدها الله لا تحصل الا بالأخلاص و الأنسان اذا عمل لله و كان عمله خالصا له عندها يوفقه الرب و يعطيه و يرزقه من حيث لا يحتسب و هذا هو التوفيق الالهي .


اذن عند اخلاص العبد و صعود هذا الاخلاص الي السماء ينزل التوفيق من السماء و هذا هو الفوز و النجاة الذي يريده الله سبحانه و تعالي .
و قد حث الرسول و آل بيته الكرام عليهم الصلاة و السلام في كثير من طيات كلامهم علي الاخلاص .
رسول الله (صلى الله عليه وآله) : مخبرا عن جبرئيل عن الله عز وجل أنه قال: الإخلاص سر من أسراري، استودعته قلب من أحببت من عبادي .
الإمام علي (عليه السلام): الإخلاص أشرف نهاية .
عنه (عليه السلام): الإخلاص غاية .عنه (عليه السلام): الإخلاص غاية الدين .
عنه (عليه السلام): الإخلاص عبادة المقربين .عنه (عليه السلام): الإخلاص ملاك العبادة .عنه (عليه السلام): الإخلاص أعلى الإيمان .عنه (عليه السلام): الإخلاص شيمة أفاضل الناس .عنه (عليه السلام): في إخلاص الأعمال تنافس اولي النهى والألباب . عنه (عليه السلام): في الإخلاص يكون الخلاص .
طبعا العمل باخلاص هو كما قلنا في اول الخطبة هو غاية الاعمال و يكون صعبا جدا بحيث علي العبد أن يقدم كل وجوده لله و يكون توكله علي الله و كل حركه و سكون و عضب و فرح و عمل لله سبحانه و تعالي و بهذا الأمر قد ينقطع من الدنيا و يستوحش من الناس و يستقبل قبلة الله و يستأنس بالله جل جلاله و هذا هو الأخلاص الذي وعده الرب عند وجوده في العبد يوفقه لكل خير الدنيا و الآخرة .
جبرئيل(عليه السلام) لما سأله النبي(صلى الله عليه وآله) عن تفسير
الإخلاص : المخلص الذي لا يسأل الناس شيئا حتى يجد، وإذا وجد رضي، وإذا بقي عنده شئ أعطاه، فإن من لم يسأل المخلوق أقر لله عز وجل بالعبودية، وإذا وجد فرضي فهو عن الله راض، والله تبارك وتعالى عنه راض، وإذا أعطى لله عز وجل فهو على حد الثقة بربه عز وجل .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): العلماء كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر .
إخلاص موسى (عليه السلام) في قصة موسى وشعيب (عليهما السلام): فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ، فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعش، فقال له موسى: أعوذ بالله، قال شعيب: ولم ذاك؟ ألست بجائع؟ قال : بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما، وإنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبا، فقال له شعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف ونطعم الطعام، قال: فجلس موسى يأكل .

عند الأخلاص يقبل عمل العبد و هذا ما اخبرونا عنه حجج الله سبحانه :
رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا عملت عملا فاعمل لله خالصا، لأنه لا يقبل من عباده الأعمال إلا ما كان خالصا .عنه (صلى الله عليه وآله): أخلصوا أعمالكم لله، فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له .
يوجد انسان عابد و زاهد و يقضي اكثر وقته في العبادة و مع الاسف كل عمله لا يكون خالصا فيوفقه الله قدر اخلاصه في العمل الذي اداه و لكن في المقابل يوجد انسان قليل العمل و الزهد و لكن عنده كثير من الاخلاص في عمله القليل فيوفقه الله قدر اخلاصه بالعمل و تكون نتيجته افضل مِن مَن كان يعبد كثير من وقته . العبد اذا اخلص لله يوفقه لكل خير و يعطيه مايريد هو سبحانه لا ما يريده العبد . بالطبع العبد اذا اخلص لله و قدم و نحر نفسه بين يدي الله لا تكون له اراده الا ارادة الله و يكون هو من يقرر له و يختار له ما يريد و اذا اعطا الرب العبد ما يريده هو قد فاز برضا الله و هذا هو الفوز العظيم .
فلولا الاخلاص لما عرف موسى بن عمران ع العبد الصالح ع الذي امر بأن يبلغه ويتعلم منه . قال السيد احمدالحسن ع في كتاب رحلة موسى الى مجمع البحرين :
(إن موسى (ع) خرج ليبلغ مجمع البحرين، ولكن هناك احتمالاً أن لا يبلغ مجمع البحرين، فلا يوجد أمر مقطوع لموسى(ع) أنه سيبلغ مجمع البحرين، وكان بلوغ موسى (ع) إلى مجمع البحرين يعتمد على إخلاص موسى (ع) ، أي إنّ امتحان موسى(ع) لم يبدأ عندما التقى العبد الصالح، بل هو بدأ منذ أن وجّهه الله إلى أن يجد العبد الصالح ويتبعه ليتعلم منه، وهذا يفسر لنا بوضوح الحدث الأول في الرحلة وهو: إن موسى(ع) مر بالعبد الصالح أو بمجمع البحرين وتجاوزه ثم عاد إليه، ومع أنّ العبد الصالح كان يعرف موسى (ع) وينتظره في هذا المكان ولكنه لم يصرح له بأنه هو عندما مرّ بقربه، بل تركه يتجاوزه دون أن يتكلم معه؛ لأن موسى(ع) ممتحن بمسألة الوصول إلى العبد الصالح (ع) ومعرفته، ولهذا كان قول موسى(ع) عندما حصلت الآية: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ التي دلته على العبد الصالح(ع) ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾، فكان الذي دل موسى (ع) على العبد الصالح (ع) هو إخلاصه الذي أهّله لسماع كلمات الله حتى في فقد سمكة، إخلاصه الذي ظهر جلياً قبل ذلك بقوله (ع): ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾.
السيد ص يبين ان موسى بإخلاصه وصل الى معرفة العبد الصالح بعد ان ضيعه مر بقربه ولم يعرفه ثم بسبب اخلاصه توصل الى معرفته . و الرب هو صاحب الجواد الواسع و هو الذي يعطي نفسه للمخلص العابد المتوجه اليه و هذه بعيدة من الحكيم و العالم المطلق أن يترك عابدا مخلصا له و لم يهديه الي الحق الذي يريده هو . بل من حكمته أن يهدي عباده المخلصين اليه و يوفقهم لكل خير .
البيان الشافي بيان سيد الأولين والآخرين، إذ سئل عن الإخلاص فقال: هو أن تقول ربي الله ثم تستقيم كما أمرت.أي لا تعبد هواك ونفسك، ولا تعبد إلا ربك وتستقيم في عبادته كما أمرك، وهذه إشارة إلى قطع كل ما سوى الله عز وجل عن مجرى النظر وهو الإخلاص حقاً .
كما الاخلاص هو اقوي طرق توفيق الرب فيكون مقابله ما يحبط هذا التوفيق و يخربه و يبعد الانسان من العمل باخلاص ، و هو الرياء و قد قال الإمام الباقر (عليه السلام): ما بين الحق والباطل إلا قلة العقل، قيل: وكيف ذلك يا بن رسول الله؟قال: إن العبد يعمل العمل الذي هو لله رضا فيريد به غير الله، فلو أنه أخلص لله لجاءه الذي يريد في أسرع من ذلك .
اذن لا يكون العمل مقبولا الا ان يكون خالصا لوجهه الكريم و بين يدي حجته الذي هو باب صعود الاخلاص الي السماء و باب نزول التوفيق من السماء الي جميع العباد .
و اهم ما في الأمر ان يخلص العبد اليوم و يرجع الي ربه و يسأله و يجعل الرب من يختار له الصلاح و الخير و يفوز مع قائم آل محمد ، يماني اهل البيت عليه السلام .


و الحمدولله وحده وحده وحده

يا صاحب الأمر
طالقان