تطور الذكاء العام وفق فرضيات علم النفس التطوري

دماغ هو عضو ذو كلفة تشيغل عالية على الصعيد الأيضي . فمع ان الدماغ البشري يشكل 2 الى 3 في المئة من الوزن المتوسط للجسم البشري الا انه يستهلك تقريباً ما بين 20 و 25 % من السعرات الحرارية في الجسد . تملك الرئيسات عموما ادمغة كبيرة ، الا ان البشر يتفوقون من بين الرئيسات فأدمغتنا اكبر بالنسبة لحجم الجسم من أي رئيسات أخرى ولقد تضاعف حجم الدماغ البشري ما يقارب 3 مرات خلال الملاين الماضية من السنين .تأوي ادمغتنا الكبيرة أدوات معالجة-معلومات فائقة التعقيد- اي اشكال من الذكاء غير موجود لدى أسلافنا ذوي الادمغة الاصغر او ابناء عمومتنا الحاليين من الرئيسات . تتضمن هذه الاشكال الكفاءات غير المسبوقة في التفكير المجرد ، المحاكمة الفكرية ، التعلم ، وبناء السيناريوات.من الواضح انه حدث شيء ما خلال مسار التطور البشري كي يدفع بنا لامتلاك هكذا ادمغة كبيرة محتوية على أشكال رائعة من الذكاء .

كان مبرر تطوير البشر لهذه الكفاءات المعرفية موضوع سجال كبير ، ولم ينجز توافق متين بهذا الصدد إلى الان تتمثل احدى التفسيرات في فرضية السيطرة الإيكولوجية /التنافس الاجتماعي ، تبعاً لفرضية السيطرة الايكولوجية /التنافس الاجتماعي ، تمكن اسلاف البشر من إخضاع العديد من (قوى الطبيعة العدائية) التقليدية التي أعاقت البقاء سابقاً . تتضمن هذه القوى العدائية (فرسان الشر الاربعة) وهي : المجاعة (بسبب نقص الطعام) ، الحرب ، الطاعون، والمناخ القاسي . يمكننا إنتاج طعام وفير ، وهكذا فنادراً ما نعاني من المجاعة ، لقد طورنا مساكن ، وملابس ، وناراً وهكذا فنادرا ما نموت بسبب قسوة المناخ القاسي . تبعاً لهذه الفرضية فتحت سيطرة البشر على الايكولوجيا الباب امام طاقم جديد من قوى الانتقاء – اي التنافس من قبل البشر الاخرين .

تثير فرضية السيطرة الايكولوجية/التنافس الاجتماعي تعقيدات العيش في جماعات اجتماعية كبيرة ومتعددة الأوجه ، مما يتطلب حل مشكلات تكيفية من مثل تكوين الأئتلافات ، معاقبة الغشاشين ، رصد خيبات الامل ، مفاوضات المرتبيات الاجتماعية المعقدة والمتغيرة . يفرض العيش في جماعات اجتماعية معقدة أخطار ك السرقات واكل لحوم البشر والتديُّث ، قتل الاطفال ، الابتزاز وسواها من الوان الغش .

دفع حجم جماعات اسلاف البشر في حدود 25 الى 159 فرداً، مضافاً إلى تعقيدات مشكلات التكيف الاجتماعية ، إلى انتقاء ادمغة أكبر ومستويات اعلى من الذكاء الاجتماعي .يفترض في هذه الاشكال الجديدة من الذكاء ان تتضمن الوعي ، اللغة ، الوعي الذاتي ، الفهم (اي القدرة على فهم معتقدات ورغبات الناس الاخرين) تضمنت كذلك (بناء سيناريوات) التي أتاحت للناس إنشاء استجابات ممكنة للوضعيات الاجتماعية المتغيرة ومراجعتها .

تضمن التنافس الاجتماعي الناجح على الارجح تكيفات لتكوين ائتلافات للصيد ، وخصوصا صيد الطرائد الكبيرة ، وهي وسيلة للحصول على مصادر حيوية من البروتين والاحماض الامينية الثمينة ، ويتطلب تكوين ائتلافات صيد تعاونية بدوره قدرات تواصل هائلة ، وتكيفات نفسية للتعاون (من ضمنها القدرة على رصد الغشاشين ومعاقبتهم) وقواعد تحكم توزيع اللحم ، اتاحت وفرة اللحم الكبيرة المكتسبة من خلال الصيد للبشر تحزين فائض الطعام في اجساد الاصدقاء والحلفاء ، مع توقع المبادلة بالمثل .

لايتطلب الامر وثبة كبيرة للانتقال من الصيد الائتلافي الى الحرب الائتلافية ، بتحويل الاسحلة المحمولة والائتلافات التعاونية نحو هدف هزيمة جماعات بشرية اخرى بغية سلبهم مواردهم . قد يكون سباق التسلح المتلازم تطورياً ما بين التكيفات المكرسة للحرب والتكيفات المكرسة للدفاع ضد جماعات المهاجمين ، أدى بدوره الى مزيد من اشكال الذكاء . من المعقول ان كل هذه القوى ذات الصلة في ما بينها اي التعقيدات المفروضة من قبل نهج حياة الجماعة الكثيف والوقوف على الساقين الذي حرّر اليد البشرية وأتاح لها اختراع الأدوات واستخدامها ، الصيد والحرب ، قد ادت إلى العديد من مستويات الذكاء العالية التي يبديها البشر في ايامنا هذه .


Educational psychologist Linda Gottfredson


تتحدى ليندا غوتفريدسون فرضية السيطرة الايكولوجية / التنافس الاجتماعي ، تجادل بأن الذكاء العام (كما يقاس من خلال اختبارات نسبة الذكاء ) ليس مرتبطاً بدرجة عالية من الذكاء الاجتماعي ، كما تتنبأ به الفرضية ، وهي تشير الى ان اعمال البشر التقنية التي رفعت من معدل نسب بقاء البشر لم تلغِ الفروق الفردية على صعيد البقاء وهي فروق قد امكنها انتقاء مستويات اعلى من الذكاء العام ، تقدم غوتفريدسون دليلاً مفحماً على ان الفروق الفردية في البقاء مرتبطة بالفروق الفردية في الذكاء حتى في ايامنا هذه .

في الحقيقة خلقت التقنيات الفعلية التي اخترعها البشر للمساعدة في بقائهم اي النار والادوات والاسلحة والقوارب ، اخطار مستجدة عليهم فمع ان النار مكنت البشر الاسلاف من توسيع نطاق الاطعمة التي يمكنهم أكلها ، الا انها خلقت أخطاراً جديدة مؤدية الى الاذى والموت . ومع ان الاسلحة مكنت البشر الاسلاف من الصيد بفعالية أكبر . الا انها خلقت كذلك مصادر جديدة للاذى والموت ففي قبائل الكونغ في بوتسواتا ، على سبيل المثال اكثر اسباب حوادث الصيد خطورة بمعنى الاصابات المؤدية الى الموت ليست الحيوانات ذاتها وإنما الاسلحة (ذات الحراب المسمومة ) التي يستخدمها الكونغ في قتل تلك الحيوانات ومع ان القوارب قد أتاحت للبشر استغلال اراض وموارد طعام جديدة إلا انها خلقت كذلك خطر الغرق المتزايد وباختصار فمع انه من الصحيح ان البشر وصلوا مستوى مذهلاً من السيطرة على ايكولوجياتهم وعلى الاخص بعض القوى العدائية التاريخية التي اعاقت بقاءهم ، الا ان التجديدات التقنية المستجدة خلقت أخطاراً جديدة تسبب الإصابات او الموت لبعض الافراد اي اوئلك الاقل ذكاءً.

ادوات الصيد والقتال للانسان القديم سبب بتطور ذكائه

قترح فرضية التجديدات المميتة التي قالت بها غوتفريدسون ان تجديدات البشر قد خلقت ، خطر الاذى والموت المبكر النسبي ، بل انها وسعت من هذا الخطر ، وهو ما ولّد ضغطاً انتقائياً لتطور الذكاء العام. تتطلب الوقاية من الحوادث الناجمة عن التجديدات المستحدثة كفاءات معرفية هائلة (القدرة على بناء السيناروات او التفكير بالعديد من امكانات (ماذا لو ) المتنوعة ، استباق الظروف المعقدة ، واتخاذ احتياطات تقلل من الاخطار ).

تبعاً لفرضية التجديدات المميتة ، يمكن للعديد من القوى التي حصلت خلال نصف مليون السنة الماضية ، ان تكون قد وسعت من فروق البقاء بين الافراد من ذوي الذكاء العالم العالي والمتدني . اولها هو الخطر المزدوج : إذ لايقتصر الامر على تعرض الاقل ذكاءً للإصابة وللموت بمعدلات أعلى ، بل سيعاني أولادهم كذلك من معدلات موت اكبر نتيجة لعدم قدرة الاهل على حمايتهم وتوفير احتياجاتهم . ثانيا هو التعقيد اللولبي المتصاعد :إذ بمقدار تزايد تعقيد التقنيات ،فإنها توسع من مدى أهمية الذكاء العام لتجنب الاخطار المستجدة التي تحملها . أما ثالث القوى فتتمثل في اتساع رقعة الهجرة :إذ حيث هاجر البشر خروجاً من افريقيا الى أراضٍ جديدة لم يسبق استغلالها في كل اوروبا ، اسيا ، الأميركتين ، وحتى في الآركتيك ولدت هذه البيئات الجديدة ضغوطاً لمزيد من التقنيات المستحدثة للسيطرة عليها ، حتى انه يخلق المزيد من الاخطار المستجدة .

يأتي الدعم التجريبي لفرضية التجديدات المميتة من عدة مصادر . أولها ان الذكاء مرتبط حقاً مع طول عمر الافراد . وجدت إحدى الدراسات أن زيادة كل نقطة على نسبة الذكاء من مثل 107 في مقابل 106 قد ارتبطت بانخفاض مقداره 1 % في الخطر النسبي للموت مما يعني انه اذا كانت لدينا 15 نقطة فوق المتوسط على نسبة الذكاء (115 مقابل 100) فإن ذلك قد يقلل من احتمال خطر موتك بنسبة 15 % ثانيها ان نسبة الذكاء مرتبطة ايضاً بالاصابات غير المميتة التي تؤذي بدورها لياقة الفرد المتضمنة في عالمنا الحديث ، يرجح ان يتعرض ذوو نسب الذكاء المتدنية اكثر من سواهم للغرق وللاصابة بحوادث الدراجات والدراجات النارية والسيارات ويتعرضون للاصابة بالصواعق (بحسب غوتفريدسون) ومع انه لايرتبط سبب واحد بمفرده بقوة مع نسبة الذكاء ، الا انه حين تجتمع هذه الاسباب كلها فإنها تتراكم كي تزيد من خطر الاذى والموت ، مما يفترض انه ناجم عن مستويات متدنية من الذكاء العام .

مع ان فرضية التجديدات المميتة حول التطورية للذكاء العام متسقة مع الادلة المستقاة من الجماعات السكانية الحديثة ،إلا ان غوتفريدسون تقر بأنه ما زال يتعين مجابهتها مع الفرضيات المنافسة ، من مثل فرضية السيطرة الايكولوجية / التنافس الاجتماعي ، ومن المحتمل كذلك ان تكون كلتاهما صائبة لانهما لا تتناقضان ومن الطريف ان كلتا النظريتين تقترح وظائف تكيفية للذكاء العام-التفكير المجرد-بناء السيناريوات ، قدرات التفكير والكفاءة على التعليم من التجربة. تقترح كلتاهما ان البشر قد طوروا قدرات المجال العام المعرفية هذه بالاضافة الى قدرات المجال النوعي المعرفية المتخصصة ، التي تم توثيقها من قبل علماء النفس التطوري .