قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾( العنكبوت: 2.).

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾( العنكبوت: 3.).

وجماع الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان (تهذيب اللغة: ج14ص297 – 299 (باختصار).

وأول امتحان إلهي عرفه الخلق هو ما جاء في كتاب الله، إذ امتحن الله خلقه في طاعة من أختاره سبحانه ليكون خليفته في أرضه، إذ قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾( البقرة: 30.).

والملائكة لا يختلف اثنان في طاعتهم وعبادتهم وإخلاصهم لله سبحانه وتعالى ومع ذلك امتحنوا في طاعة خليفة الله آدم (ع). وامتحن الله آدم وحواء (عليهما السلام)، وامتحن هابيل وقابيل، وهكذا جرت سنة الله في الخلق ... لا بد من امتحان وتمحيص، والامتحان في الحياة الدنيا بمجمله كان ولا يزال في تذكر عالم الذر والإيفاء بالعهد الذي أخذ منهم لمن يختارهم الله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾( الرعد: 20.).

وحتى أنبياء الله المصطفين الأخيار ومنهم محمد (ص) خير خلق الله أجمعين امتحنه الله في هذا العالم في الرجوع إليه، إذ كان يتعبد في غار حراء ويتفكر في خلق الله حتى نزل عليه الوحي.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
( الشورى: 52.).

﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾( الأعراف: 168.).

وعجباً للناس في زماننا هذا إذ يظنون أنهم يعرفون كل شيء وأنهم على الصراط المستقيم، وإنهم نجحوا في الامتحان الإلهي، وقد أخذوا عقائدهم من آبائهم ! بينما دين الآباء والتمسك به كان حجة الذي ظلموا أنفسهم وأنكروا الأنبياء والرسل من قبل ... إذ قال تعالى:
﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾( الزخرف: 22.).

فلماذا يظن الناس من خلال كونهم ولدوا مسلمين يعرفون الله ويعرفون محمداً(ص) ويعرفون الكتاب (بمعرفة آبائهم) بأنهم أعز على الله من نبي الرحمة محمد(ص) ،
وأنهم اجتازوا الامتحان الإلهي ؟ وفي حديث للرسول(ص) في ذكر الفتنة الصماء من بعده أنه يأتي على الناس زمان يولدون على فتنة ويفتحون أعينهم وهم في خضمها ويشيبون على هذه فتنة التي تتداولها الأجيال حتى تصبح سنة، فإذا جاء الناس من ينذرهم ويبين لهم الباطل يقال "غيرت السنة".

وهذا الحديث أخرجه الحاكم عن عبد الله بن مسعود:
(كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غُيرت قالوا: غيرت السنة ؟ قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثرت قراؤكم، وقلّت فقهاؤكم، وكثرت أموالكم، وقلّت أمناؤكم، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة)
(المستدرك للحاكم النيسابوري ج4 ص514 – 515، وأخرجه الدارمي - سنن الدارمي: ج1 ص64 بلفظ مقارب، وصححه الألباني في كتابه (صلاة التراويح) ط2- المكتب الإسلامي - ص5، حيث قال: (رواه الدارمي ج1 ص60) بإسنادين: أحدهما صحيح والثاني حسن ... .).

وذكر الإمام علي (ع) نفس هذا المعنى في أحدى خطبه حيث قال:
(إنما بدءُ وقوع الفتن أهواءٌ تتبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها حكم الله، يتولى فيها رجالٌ رجالاً، إلا إن الحق لو خَلُصَ لم يكن اختلاف، ولو أن الباطل خلص لم يَخْفَ على ذي حجى، لكنه يؤخذ من هذا ضِغْثٌ ومن هذا ضغثٌ فيمزجان فيجللان معاً، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى. إني سمعت رسول الله (ص) يقول: كيف أنتم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتخذونها سنة، فإذا غير منها شيء قيل: قد غيرت السنة وقد أتى الناس منكراً، ثم تشتد البلية، وتسبى الذرية، وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب وكما تدق الرحا بثفالها، ويتفقهون لغير الله ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة)
(الكافي بسند صحيح: ج8 ص54.).

وعن الرسول (ص) ، قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم)
(صحيح البخاري: كتاب الاعتصام (7320)، صحيح مسلم: كتاب العلم (2669) عن أبي سعيد الخدري نحوه.).

وما فعلته الأمم قبلنا ماثل أمامنا في كتاب الله ...
وقد أشار الرسول محمد(ص) إلى العنوان الرئيسي لموضوع الامتحان الإلهي من خلال حديث الفرقة الناجية، وبين سبيل النجاة، وطبعاً من يريد أن يتبع هواه وينحرف عن طاعة الله والرسول(ص) لن يصعب عليه إيجاد الحجة الواهية والتبرير لانحرافه باستغلال ما تشابه من كتاب الله سبحانه والسنة الشريفة ... ظناً منه أن هذا يحسب لصلاحه ولكنه لم يعرف إنما هي حجة عليه ولن يضر الله شيئاً، قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
( آل عمران: 7).
-----------------
الاستاذ حيدر طاهر

كتاب ( الفرقة الناجية )
-----------------------