(( الحلقة الاولى ))
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصل الله على محمد وال محمد الائمة والمهديين وسلم تسليما كثيرا .
كما تعلمون وتسمعون ايها الاخوة الكرام ومن خلال الحوار الديني ان كثير من المتحاورين يحاولون جاهدين بعد عجزهم من تقديم الدليل العلمي على اثبات ما هُم عليه من فساد عقيدتهم بعد تركهم جهة الحق او ساحته وتسربلوا الى جهة الباطل بسبب المرض الذي اصاب انفسهم وهو ( الانــّا ) او ينضرون الى مسألة الاتباع الاعمى : (قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا ) .
قال تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } [البقرة : 170-171] .
إذا أُمِروا بأتِّباع ما أنزل الله على رسوله - ممَّا تقدَّم وصفه في الاية الكريمة - رغبوا عن ذلك ، وقالوا : بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا ، فاكتفوا بتقليد الآباء ، وزهدوا في الإيمان بالأنبياء والمرسلين ( ع ) ، ومع هذا فآباؤهم أجهل النَّاس ، وأشدُّهم ضلالًا ، وهذه شبهة - لردِّ الحقِّ – واهيةٌ ، فهذا دليلٌ على إعراضهم عن الحقِّ ، ورغبتهم عنه ، وعدم إنصافهم ، فلو هُدُوا لرُشْدِهم ، وحسن قصدهم ، لكان الحقُّ هو القَصْد ، ومن جعل الحقَّ قصده ، ووازن بينه وبين غيره ، وفق الميزان الحق ( ميزان الثقليين ) تبيَّن له الحقُّ قطعًا ، واتَّبعه إن كان مُنصفًا .
ثمَّ قال تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [ البقرة : 171] .
لـمَّا بيَّن تعالى عدم انقيادهم لِمَا جاءت به الرُّسل ( ع ) ، وردَّهم لذلك بالتَّقليد الاعمى ، عُلِم مِن ذلك أنَّهم غير قابلين للحقِّ ، ولا مستجيبين له ، بل كان معلومًا لكلِّ أحدٍ أنَّهم لن يزُولُوا عن عنادهم ، أخبر تعالى أنَّ مَثَلَهم عند دعاء الدَّاعي لهم إلى الإيمان ، كمَثَل البهائم التي ينعِق لها راعيها ، وليس لها علمٌ بما يقول راعيها ومناديها ، فهم يسمعون مجرَّد الصَّوت الذي تقوم به عليهم الحجَّة ، ولكنَّهم لا يفقهونه فقهًا ينفعهم ، فلهذا كانوا صمًّا لا يسمعون الحقَّ سماع فهمٍ وقبول ، عُمْيًا لا ينظرون نظر اعتبار ، بُكْمًا فلا ينطقون بما فيه خيرٌ لهم يضنون ان ابائهم على حق وهم كافرون به .
وقال تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } [ المائدة : 104 ].
أي : إذا دُعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه ، وترك ما حرَّمه ، قالوا : يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد مِن الطَّرائق والمسالك ، قال الله تعالى : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا أي : لا يفهمون حقًا ، ولا يعرفونه ، ولا يهتدون إليه ، فكيف يتَّبعونهم والحالة هذه ؟! لا يتَّبعهم إلَّا مَن هو أجهل منهم ، وأضلُّ سبيلًا (3) .
وقال سبحانه : قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [ يونس : 78 ] .
أي : أجئتنا لتصدَّنا عمَّا وجدنا عليه آباءنا مِن الشِّرك وعبادة غير الله ، وتأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له ؟! فجعلوا قول آبائهم الضَّالين حُجَّةً ، يردُّون بها الحقَّ الذي جاءهم به موسى(عليه السَّلام) (4) .
وقوله تعالى : { قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ } [الأنبياء : 53].
وقال تعالى : { قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } [ الشُّعراء : 74 ] .
وهكذا كما لو قُلِّد رجل فكفر ، وقُلِّد آخر فأذنب ، وقُلِّد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها ، كان كلُّ واحد ملومًا على التقليد بغير حجة ونحن نعلم من خلال النصوص والأدلة القطعية الثابتة انه التقليد لغير المعصوم باطل وليس بحجة ؛ لأنَّ كلَّ ما ذكرنا هو تقليد يشبه بعضه بعضًا لأنه اتباع اعمى وغير مفروض على الانسان ـ أي ـ كما تقول لهذا الانسان أو ذاك وتصوبه الى جهة القبلة الحقيقية يتركها ويصلي خلافها أو عكس القبلة وهكذا .
وهم يضنون إنَّ ابائهُم على حق لفرض الصحبة او العِشرة أو الرفقة الى الانبياء والرسل والائمة الاطهار ( ع ) وهكذا .
والحقيقة نجدها في القرآن الكريم :
1ـ فإنا نقرأ في سورة يوسف الصديق (ع) أنه قال : { يا صاحبي السجن ‏ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}[ يوسف : 39 ].‏
وأن صاحبي يوسف الصديق (ع) هما ساقي الملك ‏وطباخه ، وكانا كافرين ودخلا معه السجن ولبثا خمس سنين في صحبة النبي ‏يوسف الصديق (ع) ولم يؤمنا بالله ، حتى أنهما خرجا من السجن كافرين ، ‏فهل صحبة هذين الكافرين لنبي الله يوسف (ع) تعد منقبة وفضيلة لهما ؟!‏
2ـ ونقرأ في سورة الكهف : { قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي ‏خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا }[ الكهف : 37 ].‏
ونقل المفسرون أن المؤمن ، وكان اسمه : يهودا ـ قال لصاحبه ـ واسمه : ‏براطوس ـ وكان كافرا ، وقد نقل المفسرون ـ منهم : الفخر الرازي ـ ‏محاورات هذين الصحابين ، ولا مجال لنقلها ، فهل صحبة براطوس ليهودا ، ‏تعد له فضيلة أو شرفا يقدمه على أقرانه ؟!‏
أم هل تكون دليلا على إيمان براطوس ، مع تصريح الآية : { أكفرت بالذي ‏خلقك من تراب } [الكهف : 37 ] ؟!‏
فالمصاحبة وحدها لا تدل على فضيلة وشرف يميز صاحبها ويقدمه على ‏الآخرين .‏
وأما الاستدلال على أفضلية الاول ، بالجملة المحكية عن النبي (صلى الله ‏عليه وآله) :‏
(إن الله معنا) فلا نجد فيها فضيلة وميزة لأحد ، لأن الله تعالى لا يكون مع ‏المؤمنين فحسب ، بل يكون مع غير المؤمنين أيضا ، لقوله تعالى : { ما ‏يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى ‏من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ... } [ المجادلة : 7 ].‏
فبحكم هذه الآية الكريمة ، فإن الله عز وجل يكون مع المؤمن والكافر والمنافق .‏
ومنهم من يقول : لا شك أن المراد من الآية الكريمة : (إن الله معنا...) ‏يعني : بما أننا مع الله ونعمل لله ، فإن ألطاف الله تعالى تكون معنا ، والعناية ‏الإلهية تشملنا .
نقول لا شك في ذلك :
‏لأن هناك أشخاص شملتهم الألطاف الإلهية والعناية الربانية ، وما داموا مع ‏الله كان الله معهم ، وحينما تركوا الله سبحانه تركهم وانقطعت العناية ‏والألطاف الإلهية عنهم ، مثلاً للتقريب او التوضيح :
1ـ إبليس ( لع ) ــ فإنه عبد الله تعالى عبادة قل نظيرها ‏من الملائكة ، وقد شملته الألطاف والعنايات الربانية، ولكن لما تمرد عن أمر ‏ربه تكبر واتبع هواه واغتر، خاطبه الله الأعظم الأكبر قائلا : {قال فأخرج ‏منها فإنك رجيم * وإنّ عليك اللعنة إلى يوم الدين } [ الحجر : 34 ـ 35] .
2ـ ومثله في البشر : بلعم بن باعورا ، فإنه كما ذكر المفسرون في تفسير ‏قوله تعالى :‏
{ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من ‏الغاوين}[ الأعراف :175 ]
قالوا : إنه تقرب إلى الله تعالى بعبادته له إلى أن أعطاه الاسم ‏الأعظم وأصبح ببركة اسم الله سبحانه مستجاب الدعوة ، وعلى أثر دعائه تاه ‏موسى وبنو إسرائيل أعواما كثيرة في الوادي .‏
ولكن على أثر طلبه للرئاسة والدنيا سقط في الامتحان ، واتّبع الشيطان ، ‏وخالف الرحمن ، وسلك سبيل البغي والطغيان ، وصار من المخلدين في ‏النيران .‏
وإذا أحببتم تفصيل قصته ، فراجعوا التاريخ والتفاسير ، منها : تفسير الرازي ‏‏4/ 463، فإنه يروي عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد بالتفصيل .‏
3 ـ السامري .. وحادثة فتنة العجل في سنين التيه الأربعين التي تاه فيها بنو إسرائيل في صحراء سيناء ، عقوبة لتمردهم على الأوامر الإلهية ، وإصلاحاً لما فسد في نفوسهم ، حيث واعد الله سبحانه وتعالى موسى(ع) ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر، قال تعالى: { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ }
وفي هذه الليالي الأربعين استغل السامري غياب موسى (ع)، وقام بصياغة عجل من الحلي وألقى السامري في هذا العجل حفنة تراب أخذها من تحت حافر فرس جبرائيل (ع)، فخرج العجل الجسد له خوار، أي صوت كصوت العجل الحي. قال موسى (ع): (يا رب العجل من السامري فالخوار ممن؟ قال: مني يا موسى، إني لما رأيتهم قد ولوا عني إلى العجل أحببت أن أزيدهم فتنة)[ تفسير القمي : ج 2 ص 62 ، بحار الأنوار : ج 13 ص 210 ، قصص الأنبياء الجزائري : ص 268] .
وقال لهم السامري هذا إلهكم وإله موسى ، أي إنّ إلهكم حل في هذا العجل !! وصدقه الكثير من بني إسرائيل بعد أن أعانوه على صناعة العجل !!
{ ... قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ... } . وقصة السامري معروفة كيف كان وكيف امسى . [ راجع كتاب العجل ج 1 ] للسيد احمد الحسن ع . للبيان والتوضيح اكثر .
4 ـ وبرصيصا .. في بني إسرائيل ، كان مجدا في عبادة الله سبحانه حتى ‏أصبح من المقربين ، وكانت دعوته مستجابة ، ولكن عند الامتحان أصيب ‏بسوء العاقبة فترك عبادة رب العالمين ، وسجد لإبليس اللعين ، وأمسى من ‏الخاسرين ، فقال الله تعالى فيه : {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما ‏كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين}[ الحشر : 16] .‏
فإذا صدر عمل حسن من إنسان ، فلا يدل على أن ذلك الإنسان يكون حسنا ‏إلى آخر عمره وأن عاقبة أمره تكون خيرا ، ولذا ورد في ‏أدعية أهل البيت عليهم السلام : اللهم اجعل عواقب أمورنا خيرا .‏
إضافة إلى ما قلنا : فإنكم تعلمون أنه قد ثبت عند علماء المعاني والبيان ، أن ‏التأكيد في الكلام يدل على شك المخاطب وعدم بقيته للموضوع ، أو توهمه ‏خلاف ذلك .‏
والآية مؤكدة (( بأنّ )) فيظهر بأنّ مخاطب النبي (صلى الله عليه وآله) وهو ‏صاحبه في الغار كان شاكا في الحق ، على غير يقين بأن الله سبحانه يكون ‏معهما !‏
وتجد احدهم يقول : انه ليس من الإنصاف أن تمثل ‏صاحب رسول الله وخليفته بإبليس و بلعم و السامري و برصيصا !‏!
ونحن قلنا ابتداءً أنه : (( لا مناقشة في الأمثال )) ومن المعلوم أن في ‏المحاورات إنما يذكرون الأمثال لتقريب موضوع الحوار إلى الأذهان ، ‏وليس المقصود من المثل تشابه المتماثلين من الجهات ، بل يكفي تشابههما ‏من جهة واحدة ، وهي التي تركز عليها موضوع الحوار .
والحوار يقتضي أحيانا أن نذكر شواهد و امثال للبيان وفهم المقصد والمرام .
ومنهم من يقول : إنَّ دليلي على أن الآية الكريمة تتضمن مناقب وفضائل لأبي بكر جملة : يستدل بالآية المباركة { فأنزل الله سكينته عليه} فإن الضمير في ‏‏(عليه) يرجع لأبي بكر ، وهذا مقام عظيم .‏
فنقول : الضمير يرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وليس لأبي بكر ، ‏بقرينة الجملة التالية في الآية : { وأيده بجنود لم تروها } .
وقد صرح جميع المفسرين : أن المؤيد بجنود الله سبحانه هو النبي (صلى ‏الله عليه وآله).‏
عندها يقول المحاور : ونحن نقول أيضا : إن المؤيد بالجنود هو النبي (صلى الله ‏عليه وآله) ولكن أبا بكر كذلك كان مؤيدا مع النبي (صلى الله عليه وآله) .
ونحن نقول إنَّ : السكينة والتأييد من خصوصيات النبي (صلى الله عليه وآله) وشواهد كثيرة ....
وهذا ما نبينه في الحلقة القادمة انشاءالله ان كان للعمر بقية . فانتظرونـــــــا .
والحمد لله رب العالمين وصل الله على محمد وال محمد الائمة والمهديين وسلم تسليما كثيرا .
----------------------
الشيخ ( عبد الله المحمدي )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ