إن المنقذ العالمي يأتي مُمثِّلاً مَن أرسله بحيث يكون مجيء هذا الرسول الإلهي وابتداؤه بدعوته بمثابة مجيء من أرسله (المرسِل) وابتداؤه بدعوته، فيكون هذا المرسَل ملبياً لطموح وأمل المنتظرين لأولياء الله المدخرين وبداية فرج المختارين لنصرتهم في (اليوم المعلوم أو يوم الخروج أو الخلاص أو الدينونة) بحسب تعبير النصوص الدينية عن ذلك اليوم العظيم.
وقبل بيان بعض أدلة إرسال ذلك الرسول المنقذ من أولياء الله المدخرين لذلك اليوم العظيم، أرى من المهم جداً أن أشير إلى كيفية مجيئه، فأقول:
عبّرت الروايات عن يوم مجيء القائم والمنقذ الإلهي الموعود بيوم الخروج، حيث ورد في تفسير قوله تعالى: "ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ"، قال: (هي الرجعة)
تفسير القمي: ج2 ص327،
ومن المهم جداً أن نعرف أنّ الرجعة في الحقيقة رجعتان:
- إما أن يرجع الشخص نفسه وهذا يكون في عالم الرجعة وهي دار أخرى وعالم آخر غير عالمنا هذا (وليس هنا موضع بيان تفاصيلها)،
- وإما أن يرجع نظيره وشبيهه بحيث يكون مجيء النظير والشبيه مجيئاً للمشبّه به ورجوعاً له، وهذا يكون في هذا العالم.
والمقصود بالرواية السابقة هو الرجعة بالمثل، بمعنى: رجوع من هم نظراء لأناس مضوا، والتي تكون في أيام القائم (ع)، والسبب سيتضح الآن أكثر:
قال الإمام الصادق (ع) في الآية: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، قال: (لا والله لا تنقضي الدنيا ولا تذهب حتى يجتمع رسول الله وعلي بالثوية، فيلتقيان ويبنيان بالثوية مسجداً له اثنا عشر ألف باب، يعني موضعاً بالكوفة)
بحار الأنوار: ج53 ص113.
وهو مسجد يبنيه القائم (ع) في أيامه، إذ يقول الناس له:
(.. المسجد لا يسعنا، فيقول: أنا مرتاد لكم فيخرج إلى الغري فيخط مسجداً له ألف باب يسع الناس) بنص الإمام الباقر (ع). انظر: بحار الأنوار : ج52 ص331.
ومن ثم، يكون المقصود بـ"رسول الله وعلي" في الحديث السابق: نظيريهما بحيث يكون مجيئهما بمثابة مجيء النبي وعلي عليهما وآلهما السلام.
والرجعة بالمثْل في زمن القائم نراها أيضاً في قول الإمام الصادق (ع):
(يُخرج القائم من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبا دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالكاً الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً)
الإرشاد للمفيد: ج2 ص386.
وبكل تأكيد المقصود بذلك خروج من هم نظراء للمذكورين، ولذا ورد عن ابن عباس: (أصحاب الكهف أعوان المهدي)
فتح الباري: ج6 ص365، عمدة القاري: ج16 ص49.
إن الرجعة والمجيء بالمثل والنظير، التي نتحدث عنها الآن والتي تكون في زمن القائم (اليوم المعلوم)، تلتقي تماماً مع ما أوضحه عيسى (ع) في مجيء إيليا المزمع أن يأتي في (يوم الخلاص)،
فقد ورد في التوراة ما يلي: (5 هأَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ) ملاخي - الأصحاح 4.
وكيفية مجيئه سيوضحه عيسى (ع) لنا الآن، وملخصه: أنّ المجيء ليس بالضرورة يكون بمجيء الشخص نفسه ابتداءً، وإنما بمن يمثّله أو بمن هو مثله وشبهه، بحيث يكون مجيئه مجيئه، تماماً كما بيَّن آل محمد (ص) من أنّ الرجوع في زمن القائم (اليوم المعلوم أو يوم الخروج) يكون بالمثل كذلك.
بل أنّ عيسى (ع) أوضح في الإنجيل طريقة مجيء ابن الإنسان (عيسى بنظر المسيحيين) في آخر الزمان، وأنها شبيهة بمجيء يوحنا (يحيى) الذي كان يمثِّل مجيئه مجيء إيليا (ع)، فلنطالع إذن ما يتعلق بالاثنين معاً:
يقول عيسى: (12 وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ. 13 حِينَئِذٍ فَهِمَ التَّلاَمِيذُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ عَنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ) إنجيل متى - الأصحاح 17.
ففي حين كان المذكور هو إيليا، ومَن جاء كان يوحنا، لكن عيسى (ع) كان يعتبر قدوم يوحنا مجيئاً لإيليا؛ لأنه كان يرى أنّ يوحنا مثل إيليا ومجيئه مجيئه.
ولذا قال أيضاً: (14 وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ. 15 مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ) إنجيل متى - الأصحاح 11.
ومهم جداً أيضاً أن نعرف أنّ عيسى (ع) اعتبر أنّ مجيء ابن الإنسان قبل القيامة الصغرى يكون بهذه الصورة أيضاً، بمعنى أنّ هناك شخصاً يأتي مرسلاً منه ويكون مجيئه وابتداؤه بدعوته مجيئاً لعيسى (ع)، وبكل تأكيد ليس هو إلا العبد الأمين الحكيم (القائم بأمر سيده) بحسب وصف عيسى المتقدم ذكره.
قال عيسى (ع):
(44 لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ. 45 فَمَنْ هُوَ الْعَبْدُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي أَقَامَهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الطَّعَامَ فِي حِينِهِ؟ 46 طُوبَى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا) إنجيل متى - الأصحاح 24.
وبهذا، تبيّن لنا أن كيفية مجيء الرسول الإلهي والمخلص العالمي واحدة أيضاً، ولا اقل بحسب ما عرضناه من نصوص تهم المسلمين والمسيحيين. وبهذا ننتهي إلى الوحدة في كيفية مجيء المنقذ العالمي.
والآن، صار السؤال عن أدلة إرساله من أولياء الله المدخرين الذين تقدم ذكرهم ملحاً، فنريد الآن استيضاح شيء منها ؟
بكل تأكيد أننا لما نريد إجابة السؤال المطروح ليس بوسعنا أبداً إغفال قول عيسى (ع) عن ذلك الرسول المنقذ في آخر الزمان، يقول:
(5 وَأَمَّا الآنَ فَأَنَا مَاضٍ إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَسْأَلُنِي: أَيْنَ تَمْضِي ؟ 6 لكِنْ لأَنِّي قُلْتُ لَكُمْ هذَا قَدْ مَلأَ الْحُزْنُ قُلُوبَكُمْ. 7 لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. 8 وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ: 9 أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. 10 وَأَمَّا عَلَى بِرّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضًا. 11 وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ) يوحنا - الأصحاح 16.
ونحن إذ توصلنا فيما مضى إلى وحدة الرسول الموعود من حيث المهمة الإلهية الملقاة على عاتقه، وكذلك من حيث كيفية المجيء، وسيأتي بيان وحدته من حيث التفاصيل الأخرى المتعلقة ببيان هويته وتحديد معالم شخصيته، فيمكننا بعد هذا أن نعرف أنّ عيسى يتحدث عن ذات الرسول الذي أسماه هنا بـ (المعزي) الذي سيقوم بإرساله، والذي يبكِّت العالم في يوم الدينونة على خطاياهم وتكذيبهم الأنبياء والرسل وقتلهم، وعلى تركهم حق الأنبياء ووصاياهم، وعلى تضييعهم حظهم، وخذلانهم رئيس هذا العالم وهو الإمام المهدي (ع).
نعم هذه حقيقة لم يكن أتباعه يتحملونها يومذاك، لذا قال لهم:
(12 إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. 13 وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. 14 ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ).
ولكن اليوم روح الحق أرشدنا إلى ذلك كما وعد عيسى (ع)، وكون (القائم هو روح الحق) فهي حقيقة يدركها من يعرف أنه عبد أمين حكيم قائم بأمر سيده، ولا يتكلم من نفسه، وبالتالي فكل ما يصدر منه فهو حق، فهو إذن روح الحق.
هذا من جهة الإرسال من عيسى (ع)، وأكيد أن الإرسال منه إرسال ممن سبقه من خلفاء مدخرين لنفس المهمة، أعني هنا بالذات نبي الله إيليا (ع)، فالإرسال إن كان بأمر إلهي – وهو كذلك بكل تأكيد – فلا يعقل أن خلفاء الله تتعدد وجهات نظرهم فيه ولا يقول بذلك موحد أبداً.
وأما إرسال الإمام المهدي (ع) في آخر الزمان رسولاً منه للمنتظرين بل للعالم أجمع، يمهِّد له سلطانه، فأمر بيِّن ويتضح من خلال الاطلاع على أقوال محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين المنتشرة في كتب جميع المسلمين، وسأشير باختصار إلى بعض منها:
1/ فعن رسول الإمام المهدي (ع) عن اقتراب اليوم المعلوم، اليماني الموعود بحسب تعبير روايات آل محمد (ع)، بوسعنا مطالعة ما قاله الإمام الباقر (ع):
(وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى، لأنه يدعو إلى صاحبكم ............ وإذا خرج اليماني فانهض إليه فإن رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم)
غيبة النعماني: ص264.
2/ قول نبي الله محمد (ص): (يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي، يعني سلطانه) سنن ابن ماجة: ج2 ص1368.
وإذا ما عرفنا أنّ قائد أولئك الممهدين هو خليفة الإمام المهدي (ع)، بقوله (ص):
(إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان فأتوها ولو حبواً على الثلج، فإن فيها خليفة المهدي)
الملاحم والفتن لابن طاووس: ص54، المطبعة الحيدرية.
وضممنا إليه قول الإمام الباقر (ع): (إن لله تعالى كنزاً بالطالقان ليس بذهب ولا فضة، اثنا عشر ألفاً بخراسان شعارهم: "أحمد أحمد"، يقودهم شاب من بني هاشم .. فإذا سمعتم بذلك فسارعوا إليه ولو حبواً على الثلج) منتخب الأنوار المضيئة: ص343.
وأيضاً قوله (ع) عن القائم: (له اسمان: اسم يخفى واسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد وأما الذي يعلن فمحمد) كمال الدين وتمام النعمة: ص653.
وبنفس المفاد نطالع قول أمير المؤمنين (ع) الذي يقول فيه:
(يخرج رجل قبل المهدي من أهل بيته من المشرق يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر...)
كتاب الفتن - لنعيم بن حماد: ص216، الملاحم والفتن - لابن طاووس: بـ133 ص136، كنز العمال: ج14 ص589 ح39669، شرح إحقاق الحق - للسيد المرعشي: ج13 ص313.
3/ أيضاً بوسعنا قرءاة ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (ع)، قال:
(يا أبا محمد، ليس ترى أمة محمد فرجاً أبداً ما دام لولد بني فلان ملك حتى ينقرض ملكهم، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لأمة محمد برجل منا أهل البيت يسير بالتقى ويعمل بالهدى ولا يأخذ في حكمه الرشا، والله إني لأعرفه باسمه واسم أبيه، ثم يأتينا الغليظ القصرة ذو الخال والشامتين القائد العادل الحافظ لما استودع يملاها عدلاً وقسطاً كما ملأها الفجار جوراً وظلماً)
بحار الأنوار: ج25 ص269.
وهناك الكثير من الروايات غيرها.
ومنها نعرف بوضوح: أنّ الإمام المهدي (ع) يرسل رسولاً قبل مجيئه وهذا الرسول هو رجل من آل محمد عليهم السلام، وذكرت بعض الروايات ان اسمه (أحمد) وهو (قائم) أيضاً، أي قائم بأمر أبيه وسيده الذي أرسله، وهذا يذكرنا بقول عيسى (ع) في (إنجيل متى - الأصحاح 24):
"45 فَمَنْ هُوَ الْعَبْدُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي أَقَامَهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الطَّعَامَ فِي حِينِهِ؟ 46 طُوبَى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا"، وسيتجلّى ذلك أكثر في البحوث القادمة إن شاء الله.
أي أنّ ذلك الرسول الإلهي "العبد المنقذ لخدام السيد كما في النص" واضح أنه يأتي قبل سيده، وسيده يأتي بعده ويجده يقدم المعرفة لخدام ذلك السيد،
وليس بوسع من يقرأ هذا عن الرسول الإلهي، ويعرف ما عرضناه ما عرضناه الآن من روايات آل محمد (ع) ورثة محمد وعيسى صلوات الله عليهم، إلا أن يعرف معنى قول رسول الله محمد (ص) لسلمان:
(ثم ضرب بيده على الحسين (ع) فقال: يا سلمان، مهدي أمتي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً من ولد هذا. إمام ابن إمام، عالم ابن عالم، وصي ابن وصي، أبوه الذي يليه إمام وصي عالم. قال: قلت: يا نبي الله، المهدي أفضل أم أبوه ؟ قال: أبوه أفضل منه. للأول مثل أجورهم كلهم؛ لأن الله هداهم به)
كتاب سليم بن قيس: ص429، تحقيق محمد باقر الأنصاري.
وهذا النص وما سبقه يتطابق تماماً مع ما قاله عيسى عليه السلام:
- أقامه سيده = قائم بأمر أبيه الإمام.
- إذا جاء سيده يجده ... = أبوه الذي يليه.
- إذا جاء سيده أي أنه عبد محجوج بأبيه = أبوه أفضل منه.
ونحن إذ نضع محصلة ما انتهينا إليه، أي: (القائم "من آل محمد" = القائم "العبد الأمين الحكيم" = القائم "من نسل يسَّى" كما مر وسيتضح هذا أكثر،
وما توصلنا إليه الآن من أن (رسول الإمام المهدي "القائم أحمد"= العبد الأمين المرسل من عيسى)، فإننا نستنتج ما يلي:
(إنّ العبد الأمين الحكيم والقائم الذي يقيمه الإمام المهدي (ع) ويرسله هو ومَن معه "أي عيسى وإيليا" يمكن أن يقال عنه: إنه خروج للإمام المهدي وعيسى وإيليا بالمعنى الذي تم إيضاحه فيما سبق في كيفية المجيء، تماماً كما كان خروج يوحنا يمثل خروج إيليا في مرحلة معينة).
واذا اتضح هذا، يتضح بالتبع أنّ المنقذ الذي نتحدث عنه ليس ضرورياً أن يكون من تلك الأمم التي بعث فيها عيسى وإيليا عليهما السلام، بل يمكن أن يكون من أمة أخرى، بل هو كذلك حقاً، وفق ما دلت عليه النصوص الدينية:
قال عيسى: (43 لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ) إنجيل متى - الأصحاح 21.
فهو يوضح لأتباعه أنّ الملكوت ينزع منهم ويعطى لأمة أخرى، وبالتالي لا يكونوا هم من أمة المعزي والعبد الأمين والحكيم الذي يُقدِّم طعامه الإلهي لأمة تتزكى وتتعلم على يديه لتنظر في الملكوت وتعمل أثماره، كما أنهم ليسوا أمة إيليا بنظره؛ لأنهم لم يؤمنوا به أصلاً.
وأيضاً ورد في التوراة: (1 وَالآنَ إِلَيْكُمْ هذِهِ الْوَصِيَّةُ أَيُّهَا الْكَهَنَةُ: 2إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَسْمَعُونَ وَلاَ تَجْعَلُونَ فِي الْقَلْبِ لِتُعْطُوا مَجْدًا لاسْمِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. فَإِنِّي أُرْسِلُ عَلَيْكُمُ اللَّعْنَ، وَأَلْعَنُ بَرَكَاتِكُمْ، بَلْ قَدْ لَعَنْتُهَا، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ جَاعِلِينَ فِي الْقَلْبِ. 3 هأَنَذَا أَنْتَهِرُ لَكُمُ الزَّرْعَ، وَأَمُدُّ الْفَرْثَ عَلَى وُجُوهِكُمْ ..) ملاخي – الأصحاح 2.
والنص واضح أن المخاطبين أيضاً لا يعملون أثمار الملكوت كيف وهم ملعونون، فيبقى أنهم - وبكل وضوح – أنهم من أمة أخرى يطهر الله قلوبها بإتباعها لذلك الرسول والمنقذ الإلهي، وسنفرج نقطة للبحث فيهم وفي صفاتهم لاحقاً بإذن الله.
ولذا حدّد الإمام علي (ع) منذ مئات السنين مَن يُعدّ مجيئه في آخر الزمان مجيء عيسى (ع) فيقول:
(وتعود دار الملك إلى الزوراء، وتصير الأمور شورى، من غلب على شيء فعله، فعند ذلك خروج السفياني .. ويقل الطعام، ويقحط الناس، ويقل المطر، فلا أرض تنبت، ولا سماء تنزل، ثم يخرج المهدي الهادي المهتدي الذي يأخذ الراية من يد عيسى بن مريم ..)
الملاحم والفتن لابن طاووس: ص266.
وقال ابن حجر السني:
(وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأمة "وهو المهدي باتفاق المسلمين" مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة دلالة للصحيح من الأقوال إنّ الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة) فتح الباري: ج6 ص359.
ولا شك أنّ إمامة المهدي لعيسى في الصلاة، يعني أنّ الراية قد أُخذت من يد عيسى وصارت بيد المهدي (القائم من آل محمد "ص" العبد الأمين والحكيم).
--------------
الدكتور علاء السالم
من كتاب ( ملتقى رسالات السماء )
-------------