لو عدنا إلى بعثة رسول الله (ص) في الأقوام المنتظرة الاولى، لوجدناه مذكوراً في ما بين أيديهم من نصوص بوصفين هما: أنه حجة من حجج الله، وأنه يماني.
أما البشارة برسول الله (ص) بوصف أنه خليفة وحجة إلهي مذكور باسمه في النصوص التي كان يعتقد بها المنتظرون، فهو ما بيَّنه الإمام الرضا (ع) في محاججته جاثليق النصارى في وقته، وهذا مقطع منها:
(.. قال الجاثليق: صفه - أي رسول الله (ص) - قال: لا أصفه إلا بما وصفه الله هو صاحب الناقة والعصا والكساء ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الأعراف: 157، يهدي إلى الطريق الأفضل والمنهاج الأعدل والصراط الأقوم، سألتك يا جاثليق بحق عيسى روح الله وكلمته هل تجد هذه الصفة في الإنجيل لهذا النبي ؟ فأطرق الجاثليق ملياً وعلم أنه إن جحد الإنجيل فقد كفر، فقال: نعم، هذه الصفة في الإنجيل، وقد ذكر عيسى في الإنجيل هذا النبي (ص) وقد صح في الإنجيل فأقررت بما فيه صفة محمد (ص).
فقال: فخد عليّ في السفر الثاني فأني أوجدك ذكره وذكر وصيه وذكر ابنته فاطمة وذكر الحسن والحسين (ع)، فلما سمع الجاثليق ورأس الجالوت ذلك علما أن الرضا (ع) عالم بالتوراة والإنجيل، فقالا: والله لقد أتى بما لا يمكننا رده ولا دفعه إلا بجحود الإنجيل والتوراة والزبور، وقد بشّر به موسى وعيسى (عليهما السلام) جميعاً، ولكن لم يتقرر عندنا بالصحة إنه محمد هذا، فأما اسمه محمد فلا يصح لنا أن نقر لكم بنبوته، ونحن شاكون إنه محمدكم.
فقال الرضا (ع): احتججتم بالشك، فهل بعث الله من قبل أو من بعد من آدم إلى يومنا هذا نبياً اسمه محمد، وتجدونه في شيء من الكتب التي أنزلها على جميع الأنبياء غير محمد ؟ فأحجموا عن جوابه ..)
بحار الأنوار: ج49 ص75 فما بعد.
هذا هو الإثبات الأساسي على نبوة محمد (ص) في التوراة والإنجيل والذي استخدمه الإمام الرضا (ع) في الاحتجاج عليهم.
وهناك وصف آخر ورد عندهم لرسول الله (ص)، ولكن هذه المرة ليس باسمه وإنما بوصف (اليماني)، وفي بيان بعضها وتحديد معناه يقول السيد أحمد الحسن (ع):
(حبقوق - الأصحاح الثالث: "1 صلوة لحبقوق النبي على الشجوية 2 يا رب قد سمعت خبرك فجزعت. يا رب عملك في وسط السنين أحيه. في وسط السنين عرف. في الغضب أذكر الرحمة 3 الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السموات والأرض امتلأت من تسبيحه. 4 وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. 5 قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى".
المعنى: "الله جاء من تيمان" أي: الله جاء من اليمن، "والقدوس من جبل فاران" أي: القدوس جاء من مكة، وتعالى الله أن يوصف بالمجيء من السماء فكيف من الأرض؛ لأن الإتيان والمجيء تستلزم الحركة وبالتالي الحدوث وبالتالي نفي الإلوهية المطلقة، فلا يمكن أن يعتبر أنّ الذي يجيء من تيمان أو اليمن هو الله سبحانه وتعالى، ولا الذي يجيء من فاران هو القدوس سبحانه وتعالى. هذا فضلاً عن الأوصاف الأخرى كاليد تعالى الله عنها علوا كبيرا :
"وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. 5 قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى"،
بل الذي يجيء هو عبد الله محمد (ص) وآله (ع) من بعده حيث إنهم من مكة ومحمد وآل محمد (ع) يمانيون أيضاً.
فمجيء محمد (ص) هو مجيء الله؛ لأن محمد هو الله في الخلق ومحمد هو ظهور الله في فاران كما بينته سابقاً في أكثر من موضع، وكون تيمان هي اليمن قد ورد حتى في الإنجيل على لسان عيسى عندما وصف ملكة اليمن بملكة التيمن (أو تيمان).
إنجيل متى - الأصحاح الثاني عشر: "ملكة التيمن ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه. لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان. وهوذا أعظم من سليمان ههنا".
إنجيل لوقا - الأصحاح الحادي عشر: "ملكة التيمن ستقوم في الدين مع رجال هذا الجيل وتدينهم. لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان")
انتهى.
وكون مجيء محمد مجيء الله ورد مثله في دعاء السمات الشريف أيضاً، إذ اعتبر آل محمد (ع) أنّ عيسى (ع) يمثل طلعة الله، وأنّ محمد (ص) يمثل ظهور الله.
وبهذا تبيَّن أنّ رسول الله (ص) ذُكر للمنتظرين في الجاهلية الأولى باسمه مرة وبوصف اليماني ثانية، ومثله كان ابنه المهدي الأول (أحمد) والقائم الذي يحتج على الناس في الجاهلية الثانية، فهو أيضاً ذكر باسمه مرة، وبوصف اليماني أخرى، كما أكدته الروايات الشريفة.
وعطفاً على ما سبق، يقول السيد أحمد الحسن (ع) عن سؤال وجهته له:
(إنّ مسألة اليماني ليست جديدة، بل محمد (ص) أيضاً كان معروفاً عند أهل الكتاب ومبشراً به على أنه اليماني، لهذا ترك اليهود أرض الميعاد المهمة جداً عندهم واستوطن كثير منهم أرض اليمن، أي المسماة باليمن تاريخياً وليس حالياً فقط، والمدينة أيضاً من اليمن. ولا يزال اليهود في اليمن مستوطنين إلى اليوم؛ لأنهم أيضاً مبشرون باليماني وينتظرونه، أي بمحمد (ص) وباليماني من ذريته، تماماً كالبشارة بأحمد وأنها تنطبق على أكثر من مصداق في أزمان مختلفة. فاليماني الأول محمد (ص) بُعث في اليمن أي في مكة لأنها من اليمن، واليماني الثاني من ذرية اليماني الأول يُبعث في المشرق في مسيرة عودة الإبراهيمية إلى موطنها الأصلي العراق. ولذا كان أكثر قبور الأئمة في العراق مع أنهم لم يولدوا في العراق، هذه مشيئة الله، ليثبتوا عودة الدين الإبراهيمي إلى العراق باليماني الموعود به في الديانات الثلاث. فاليهود وضح أنهم مبشرون باليماني، والمسيحيون مبشرون باليماني؛ لأنهم يعترفون بالعهد القديم التوراة أيضاً، والمسلمون السنة والشيعة مبشرون باليماني. فاليماني ليس شخصاً ورد فيه رواية الإمام الباقر (ع) فقط)
انتهى.
والحمد لله رب العالمين.
------------
الدكتور علاء السالم
مقتبس من حلقات ( رسالات السماء )
-------------