عندما نطالع الروايات التي تعظ المؤمنين وتحثهم على الانتظار والسكون والتريث، لا يعني هذا أنها تحرم الثورة في وجه الطغاة والدفاع عن الدين والمال والعرض والنفس، بل عند التحقيق نجدها إما تحث على التحرز عن رايات الضلال وطلاب الجاه والأموال والترؤس، والتمسك بحاكمية الله أي ولاية الأئمة ع والانقياد لهم في كل الشؤون، وإما تبين أن لا فرج ولا تمكين إلا بقيام القائم ع، وإن الخارج قبل ذلك فمصيره القتل، وطبعاً هذا لا يعني بالضرورة أنه ليس قتلاً في سبيل الله، وإنما تلك النصوص بصدد الحفاظ على الشيعة وإبعادهم عن الغوغاء التي لا تجلب نفعاً وتؤدي إلى هلاكهم بلا فائدة تذكر، أو التنبيه على أن الثائر قبل قيام القائم ع مصيره القتل دون تحقيق المراد، ولا تتحقق دولة عدل قبل قيام الإمام المهدي ع ... الخ.
وسنأتي على سرد بعض الروايات التي تتكلم عن ذلك ومناقشتها والخروج بنتيجة منها إن شاء الله تعالى:
عن سدير قال: قال أبو عبد الله ع: (يا سدير، ألزم بيتك وكن حلساً من أحلاسه واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك)
(الكافي: ج8 ص264 – 265.).
ومناقشة هذه الرواية في نقاط:
1- عند مقارنة هذه الرواية مع روايات أخرى - كما سيأتي - يتبين أنها لا تعني النهي عن الثورة في وجوه الظالمين أبداً، بل تعني النهي عن اتباع الرايات الضالة أو التي ظاهرها الدعوة للرضا من آل محمد ع وباطنها الدعوة للتسلط والترؤس بلا حق، حيث روي عن أهل البيت الرضا بثورة زيد بن علي ع والترحم عليه، وكذلك ثورة الحسين صاحب فخ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
2- ربما تقصد - كما هو ظاهر - عصر الظهور للإمام المهدي ع والتحذير عن اتباع الرايات الضالة وأهل الفتن، والإرشاد إلى انتظار قائم آل محمد ع، وعدم اتباع أي راية إلا ما أمر به الأئمة ع وارشدوا إليه، كراية اليماني الموعود، وما يؤيد أنها أكثر انطباقاً على عصر الظهور هو ذكر خروج السفياني الذي هو من علامات قيام القائم ع.
3- من النقطة الثانية يتبين أن اليماني غير مقصود من مفهوم عموم هذه الروايات؛ لأن اليماني مأمور بنصرته وعدم الالتواء عليه، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
4- قول الإمام ع: (واسكن ما سكن الليل والنهار)، ما المقصود منه ؟ وما هو حقيقة الليل والنهار في هذه الرواية ؟ فهناك رواية عن الإمام الصادق ع تشبه هذه ولكن ذكر فيها: (اسكنوا ما سكنت السماء والأرض)، وبيَّن الإمام الرضا ع بأنها ليس على ظاهرها، وإن المقصود منها ما سكنت السماء من النداء والأرض من الخسف بالجيش، فما هو المراد يا ترى من سكون الليل والنهار في هذه الرواية ؟
5- قول الإمام ع: (فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك)، ما هي الغاية من الرحيل هنا ؟ لا يخفى أن الرواية توحي بصورة واضحة إلى أن القصد من الرحيل هو للقتال ولنصرة قائم آل محمد ع - وكما سيتضح أكثر من الروايات الآتية - أي إن الرواية تبين أن القتال الأكبر سيكون عند خروج السفياني وعلى الجميع النفير ولو مشياً على الأقدام، وهذا يعني التأكيد على وجوب النهوض، وأن لا مجال للتسويف والاعتذار.
وهذا طبعاً لا يعني نفي وجود قائم للحق قبل خروج السفياني، تجب مناصرته واتباعه والإيمان به، فقد روي: (إن قبل السفياني مصري ويماني)، وإن قبله (رجل يدعو إلى آل محمد ع)، وغير ذلك.
6- بل إن الأمر بالنفير عند خروج السفياني يستلزم وجود ممثل وقائم لآل محمد ع قبل ذلك؛ لأن خروج السفياني في شهر رجب ويستمر إلى خمسة عشر شهراً، فإلى من تنفر الناس والإمام المهدي ع ما زال غائباً ؟!
في حين إننا نجد التشديد على الإسراع بالرحيل عند خروج السفياني، ويحدد الإمام ع غاية الرحيل والنفير بقوله: (فارحل إلينا)، ولا يخفى أن عند خروج السفياني ما زال الإمام المهدي ع محتجباً عن عموم الناس، فإلى من يكون الرحيل ؟ ومن هو الممثل لآل محمد ع عند خروج السفياني، وما أو من المقصود من قول الإمام ع (إلينا) ؟
الكليني: علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن عيص بن القاسم، قال: سمعت أبا عبد الله ع يقول:
(... إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون، ولا تقولوا خرج زيد فإن زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد ع، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه، فالخارج منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم إلى الرضا من آل محمد ع فنحن نشهدكم إنا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منا إلا مع من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه،
إذا كان رجب (قال العلامة المجلسي كما جاء في هامش البحار ج52 هامش ص302:
(ظاهره أن خروج القائم ع في رجب ويحتمل أن يكون المراد أنه مبدأ ظهور علامات خروجه فأقبلوا إلى مكة في ذلك الشهر لتكونوا شاهدين هناك عند خروجه).) فأقبلوا على اسم الله  وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعل ذلك أن يكون أقوى لكم وكفاكم بالسفياني علامة)
(الكافي: ج8 ص264.).
وهذه الرواية فيها تفسير لكثير من الروايات، وهنا تعليق في عدة نقاط:
1- قول الإمام ع: (إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون)، هنا الإمام الصادق ع يحث الناس على التأمل في دعاوى المدعين، وإلى أي شيء يدعون وعلى أي شيء يكون الخروج والقتال، وهذا يعني أن ليس كل من يخرج ثائراً على الطواغيت لا يجوز نصرته.
2- قول الإمام ع: (ولا تقولوا خرج زيد فإن زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد ع ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه).
لا يخفى أن كلام الإمام يوحي بأنه في مقام صد الناس عن اتباع بعض الدعاة آنذاك، كأبي مسلم الخراساني وغيره، فقد توهم بعض الشيعة بأنه راية حق ويجب نصرته، وانخدعوا بالشعار الذي رفعه وهو الرضا من آل محمد ع.
فالإمام الصادق ع يقول لهم: لا تحتجوا وتقولوا إن زيداً قد خرج بثورة فلماذا لا يخرج غيره؟
ثم يبدأ الإمام بتعداد الصفات التي كان يتحلى بها زيد ع والتي أخرجته من دائرة الثوار المنحرفين فقال: (كان عالما وكان صدوقا ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد ع ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه).
إذن فالصفات التي يجب أن يتحلى بها الثوّار لكي لا يكونوا من رايات الضلال هي:
أ- أن يكون عالماً، حتى يكون قادراً على تدبير أمر الثورة والإحاطة بمكر الطغاة... الخ، أو أن يكون عالماً بمعنى أنه من أهل البيت ع، كما كان سلمان الفارسي ع، حيث قال الإمام الصادق ع: (وإنما صار سلمان من العلماء؛ لأنه امرؤ منا أهل البيت، فلذلك نسبته إلى العلماء) (الكافي: ج1 ص401، بصائر الدرجات للصفار: ص45.).
بل وصف الإمام الرضا ع زيداً ع بأنه عالم من علماء آل محمد ع بقوله: (... فإنه كان من علماء آل محمد، غضب لله  فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله...) (عيون أخبار الرضا ع: ج2 ص225 – 226.).
ب- أن يكون صادقاً، لتجنب الكاذبين والذين يقولون ما لا يفعلون، والذين يستحمرون الناس باسم الدين ليترأسوا عليهم، ويَصْفو لهم الجاه والمال والمنصب والدنيا الرخيصة.
ج- (ولم يدعكم إلى نفسه)، وهذا يعني أن كل من يدعو إلى نفسه فهو طاغوت يعبد من دون الله، فيجب على المؤمنين الحذر من هؤلاء الذي يريدون بناء مرجعياتهم وأحزابهم باسم الدين وباسم آل محمد ع وهم منهم براء.
د- (إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد ع)، أي إن الدعوة إلى آل محمد ع مشروعة، ولكن يجب أن تكون مقرونة بالعلم والصدق والوفاء، فما أكثر المدعين وأقل الصادقين.
هـ- (ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه)، وهذه شهادة إلى الثائر زيد بن علي ع بأنه راية حق، وإنه استشهد في سبيل الله، ولو ظفر وانتصر لسَّلم الأمر إلى أهله وهم آل محمد ع. وهو غير مشمول بالروايات التي تنهى عن الخروج قبل خروج القائم ع.
وبما أن هذا البحث هو للتكلم عن اليماني الموعود فأقول:
اليماني الموعود عالم وصادق ويدعو إلى آل محمد ع، وسيفي بما يدعو إليه، من تسليم النصر إلى الحجة ابن الحسن ع، وقد ثبت مما تقدم من هذا البحث أن اليماني الموعود هو قائم من آل محمد ع ومعصوم، وإنه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، ومأمور بطاعته ومنهي عن مخالفته، فالذي يدعو إلى الحق وطريق مستقيم ... كيف لا يكون عالماً وصدوقاً ووفياً وراية حق ؟!
إذن فلا يكون اليماني مشمولاً بتلك الروايات، ويمكن أن يكون موجوداً، بل لابد أن يكون موجوداً قبل خروج السفياني بسنين؛ لأنه صاحب دعوة، وقد تقدم أن هذه الدعوة تحتاج إلى وقت طويل لإثبات عقيدتها وما تدعو إليه ولتفنيد الواقع الديني المنحرف، لتستقطب أنصارها وإعدادهم الإعداد الذي يؤهلهم أن يكونوا جنوداً لدولة العدل الإلهي، الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً﴾( الإسراء: 5.).
حيث جاء تفسير ذلك عن الإمام الصادق بأن هؤلاء الجنود مبعوثون من قبل الله وقبل قيام القائم ع:
(... ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ﴾ قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم ع فلا يدعون وتراً لآل محمد إلا قتلوه، ﴿وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً﴾ خروج القائم ع) (الكافي: ج8 ح250 ص206.).
--------------------
دراسة في شخصية اليماني الموعود ج3
بقلم الشيخ ::: ناظم العقيلي :::
----------