القرآن الكريم بيّن هذه القضية المهمة ؛ لكون الرسول محمد فاتح بابها الواسع ، فهي حصلت فيما سبق وتحديداً مع عيسى (ع) (طلعة الله في ساعير(، والممهّد لمحمد (ص) ودعوته الكبرى ، التي سيكون فيها تحوّل كبير في منهج الإرسال الإلهي لأهل الأرض، واستخلاف خليفته سبحانه وتعالى في أرضه.
فقد أرسل عيسى (ع) رسلاً منه إلى أنطاكية ، وهم أيضاً رسل من الله لأنّ عيسى (ع) يعمل بأمر الله سبحانه وتعالى، ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) وهذا الإرسال من رسول الله عيسى (ع) ذُكِرَ في القرآن في سورة يس قال تعالى: ﴿وَاضرِب لَهُم مَّثَلاً أَصحَابَ القَرْيَةِ إذْ جَآءَهَا المُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فالله يقول: (أرسلنا)، مع أنّ المُرسِل عيسى (ع) ، فأصبحت الرسالة من عيسى (ع) هي رسالة من الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ عيسى (ع) مثَّل الله في الخلق، فهو )طلعة الله في ساعير( ويبقى أمر لابد من معرفته في قضية الإرسال من الرُسُل، وهو كون المُرسِل لابد أن يكون بمقام اللاهوت للمُرسَل؛ ولذا فإنّ المرُسِلين من المرُسَلين من الله سبحانه وتعالى لابد أن يكونوا بمقام الله في الخلق.
ولتتوضّح هذه المسألة أكثر أقول: في الإرسال من الله سبحانه وتعالى كان الله مع المُرسَلين يسمع ويرى فهو محيط بالمرُسَل وبأعدائه، فلا يحصل خطأ في إيصال الرسالة، كما لا يستطيع أعداء الله مهما حاولوا منع تبليغ الرسالة، قال تعالى: ﴿ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ومن الضروري أن يكون الحال كذلك في الإرسال من الرُسُل ، فلابد أن يكون المُرسِل الذي مثَّل الله محيطاً بالمُرسَل وبأعدائه، ويسمع ويرى وقادراً عالماً بقدرة الله وعلمه، وإلاّ فلا يكون هذا الإرسال من الله حقيقة، وتماماً كما عبّر عنه سبحانه ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾، وإذا كان الأمر كذلك أصبح المُرسِل لاهوت بالنسبة للمُرسَل.
ثم إنّ هذا المُرسِل أرسل رسوله بإذن الله سبحانه وتعالى، فكيف يأذن له الله دون أن يجهّزه بالقدرة الكاملة لهذا الإرسال الذي هو أيضاً إرسال منه سبحانه؛ لأنّه إذا لم يكن الأمر كذلك وكان هناك نقص، فإنّ هذا النقص ينسب إلى ساحة الله سبحانه وتعالى.
ثم إنّ الهدف من خلق بني آدم هو الوصول إلى هذه النتيجة؛ لأنّها تمثل خلافة الله الحقيقية الكاملة التامّة، وقد ذكرها سبحانه في محضر من الملائكة عندما أراد خلق آدم(ع) : -
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
والخليفة الكامل لابد أن يكون صورة كاملة لمن استخلفه، فلابد أن يكون هذا الخليفة الكامل هو: (الله في الخلق) أو (أسماء الله الحسنى ) أو (وجه الله)، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وأكيد أنّ النظر لا يوجّه إليه سبحانه وتعالى، بل إنّ وجوه أوليائه الناضرة ناظرة إلى مربيها محمد الذي هو وجه الله سبحانه الذي واجه به خلقه.
وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ وتعالى الله عن الإتيان والذهاب والحركة، وهي من صفات المخلوق، فالمراد بهذه الآية محمـد خليفة الله الكامل، الذي يمثل اللاهوت (الله في الخلق)، وبدون أن يمارس الخليفة دور اللاهوت في إرسال المرُسَلين عملياً لا يكون خليفة الله الكامل حقّاً وتماماً، بل ولا يتحقق الهدف من الخلق؛ فإنّه بممارسة هذا الخليفة لدور اللاهوت يكون صورة كاملة يعرف بها الله سبحانه وتعالى، فيتحقق الهدف من الخلق، وهو المعرفة، أي معرفة اللاهوت والتوحيد الحقيقي: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، أي إلاّ ليعرفون .
- السيد Ahmed Alhasan احمد الحسن​
- مقتبس من كتاب " النبوة الخاتمة - ص 31 "