ورد في سفر التثنية: (جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ) ( ).
وهذه العبارة وردت في دعاء السمات المروي عن العمري سفير الإمام المهدي محمد بن الحسن : (وبمجدك الذي ظهر على طور سيناء فكلمت به عبدك ورسولك موسى بن عمران، وبطلعتك في ساعير، وظهورك في جبل فاران بربوات المقدسين وجنود الملائكة الصافين وخشوع الملائكة المسبحين) ( ).
وقد بيّن السيد أحمد الحسن المراد بقوله: (ساعير هي أرض العبادة والتوحيد وهي الأرض المقدسة، أي بيت المقدس وما حوله، وفاران ملجأ الاستغفار والتوبة وهي مكة وما حولها. والنبي الذي بعث في ساعير هو عيسى  والذي بعث في فاران هو محمد .
أما المجد الذي ظهر على طور سيناء فكلّم به الله سبحانه وتعالى موسى ، فهو علي، وهو باب الفيض في الخلق، فعلي  مكلّم موسى، وعلي  عصا موسى، فحقيقة عصا موسى لم تكن تلك العصا، بل إن عصا موسى الحقيقية التي شق بها البحر هي كلمات الله ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وهي اليقين الراسخ في قلب موسى  وكلمات الله واليقين علي بن أبي طالب .
وأما (وبطلعتك في ساعير):
أي طلعت الله سبحانه في ساعير، والله سبحانه وتعالى طلع في ساعير بعيسى ابن مريم، والطلعة أي الإطلالة والظهور الجزئي غير المكتمل، فعيسى  مثّل الله سبحانه وتعالى في الخلق ولكن بشكل غير تام ولهذا كان بعثُهُ طلعةَ الله سبحانه وتعالى، وبهذا كان عيسى ممهداً لبعث محمد ؛ لأن الطلعة تسبق الظهور (وظهورك في جبل فاران) أي ظهور الله سبحانه وتعالى، وكان هذا الظهور ببعث محمد ، فالرسول الأعظم محمد هو الله في الخلق، ولهذا عبر الإمام  في الدعاء عن بعث محمد بظهور الله سبحانه، فالإمام  يريد أن يقول في الدعاء أن محمداً هو الله في الخلق وأن بعثه هو ظهور الله، فمن عرف محمداً عرف الله، ومن رأى محمداً رأى الله، ومن نظر إلى محمد نظر إلى الله) ( ).
وقال السيد أحمد الحسن في كتاب (النبوة الخاتمة): (لابد من الالتفات إن عبارات الدعاء مرتبة تصاعدياً، فمن نبي (كلمه الله) هو موسى  إلى نبي (مثّل طلعة الله) وهو عيسى، إلى نبي (مثّل ظهور الله) هو محمد . والفرق بين الطلعة والظهور هو أن الطلعة هي الإطلالة والظهور الجزئي، أي أن الطلعة هي تجلي بمرتبة أدنى من الظهور، فكلاهما أي عيسى  ومحمد (مثّلا الله سبحانه في الخلق)، ولكن عيسى بمرتبة أدنى من محمد ، وبعث عيسى  كان ضرورياً للتمهيد لظهور وبعث محمد الذي مثَّل الله في الخلق فكان محمد خليفة الله حقاً، وإذا رجعنا إلى أصل وبداية الخلق وجدنا الله سبحانه وتعالى يخاطب الملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾( ).
فإنه وإن كان آدم خليفة الله وباقي الأنبياء والأوصياء كذلك ولكن الهدف الذي يراد الوصول إليه هو خليفة الله حقاً، أي الشخص الذي يكون خليفة كاملاً لله سبحانه وتعالى، فيعكس اللاهوت في مرآة وجوده بشكل أكمل وأتم من كل الأنبياء والأوصياء . فالمراد الوصول إليه هو شخص يخفق بين (الأنا والإنسانية)، وبين (اللاهوت والذات الإلهية) ( ).
نتيجة:
مما تقدم يتضح أن محل النزاع بيننا وبين المسيحيين يتحدد بقولهم إن عيسى يمثل إلهاً مطلقاً أو لاهوتاً مطلقاً، فهذا القول هو ما نرفضه أشد الرفض دون ما سواه، كما تبين مما تقدم.
الدكتور عبد الرزاق الديراوي - كتاب ( شبيه عيسى )
الهوامش /
- تثنية: 33 / 2.
- مصباح المتهجد- الشيخ الطوسي: ص419.
- كتاب المتشابهات: ج3 ص126 وما بعدها.
- البقرة :30.
- كتاب النبوة الخاتمة: ص25 – 26.
----------