ذم الله تعالى الركون إلى الظالمين بقوله: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾( )، وهذا الذم يشمل كل البشر لا يستثنى منه عالم ولا جاهل، ولكن ركون عامة الناس إلى الظالمين يكون أثره قليل ويمكن علاجه، ولكن إذا ركن العلماء المزيفون إلى الظالمين وأقروا لهم بمشروعية ملكهم فهذا هو الطامة الكبرى؛ لأن (زلة العالم تفسد عوالم)، ولأن (إذا صلح العِالم صلح العَالم، وإذا فِسد العِالم فِسد العَالم)، ولأن العلماء إذا فسدوا انتقل هذا الفساد إلى عامة الناس؛ لأن أكثر الناس تتبع العلماء بكل شيء إجمالاً وكأنهم معصومون، غافلون عن وصايا وكلام أهل البيت وإنها بخلاف ذلك، فإنهم صرحوا وأكدوا على أن العالم إذا كان سائراً بسيرة أهل البيت ولم يخالف كلام الله ورسوله والأئمة صلوات ربي عليهم أجمعين فهكذا عالم يجوز اتباعه، وأما إذا انحرف العالم عن سيرة أهل البيت وركن إلى الظالمين وأترف نفسه وأهمل الفقراء والمساكين هكذا عالم لا يجوز اتباعه، بل يجب محاربته وفضحه على رؤوس الأشهاد؛ لأننا إذا اتبعنا هؤلاء العلماء نكون قد عبدنا الشيطان وتركنا عبادة الله تعالى فنكون كالأنعام بل أضل سبيلاً.
قال رسول الله : (لغير الدجال أنا أخوف عليكم من الدجال الأئمة المضلون ..) ( ).
عن أبي بصير، عن الصادق ، قال: (قلت له: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾( )، فقال : أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً، فعبدوهم من حيث لا يشعرون) ( ).
عن أبي جعفر  في قول الله : ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾( )، قال: (هم قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره) ( ).
عن أبي عبد الله  إنه قال: (... إياك أن تنصب رجلاً دون الحجة وتصدقه في كل ما قال) ( ).
عن أبي عبد الله  إنه قال: (قال عيسى بن مريم (على نبينا وآله وعليه السلام) ويل لعلماء السوء كيف تلظى عليهم النار) ( ).
عن أمير المؤمنين أنه قال: (ورجل آتاه الله سلطاناً فزعم أن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، وكذب؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لا ينبغي أن يكون للمخلوق حبه لمعصية الله، فلا طاعة في معصيته، ولا طاعة لمن عصى الله، إنما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر، إنما أمر الله بطاعة الرسول ؛ لأنه معصوم مطهر لا يأمر بمعصية، وإنما أمر بطاعة أولي الأمر؛ لأنهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصية) ( ).
عن أبي عبد الله  في قوله : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾( )، قال: شرك طاعة وليس شرك عبادة) ( ).
وهذا غيض من فيض من الأحاديث التي تؤكد على عدم إتباع غير المعصوم والأخذ بكل ما يقول، فليس كل من سمته الناس عالماً فهو عالم، فإن التاريخ ينقل لنا عن كثير من العلماء غير العاملين وقفوا مع الطواغيت والفراعنة، أو داهنوهم ولم ينبهوا الناس ولم يبينوا لهم خطر هؤلاء الطواغيت وإنهم لا يحكمون بكتاب الله تعالى ولا بسنة نبيه ، ولم يبينوا للناس أن الحكم لله وحده ولا يجوز لغيره.
فعندما بعث الله تعالى نبيه موسى  إلى بني إسرائيل كان في بني إسرائيل بلعم بن باعوراء وهو من أكبر علمائهم، وكان يمتلك الإسم الأعظم أو بعضه كما جاء في بعض الروايات، وكان ينظر ما تحت العرش، وكانت تكتب تحت يده (12) ألف محبرة، ورغم ذلك كان عاقبة أمره أن وقف مع فرعون ضد نبي الله موسى  وخسر الدنيا والآخرة.
قال تعالى في ذمه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ  وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾( )، وكذلك السامري كان من أنصار موسى  وكان على مقدمة موسى  وكان يرى جبرائيل  عندما نزل على دابة يوم أغرق الله تعالى فرعون ونجى موسى ومن آمن معه، ورغم هذا القرب وهذه الفضيلة انحرف عن الحق وأخرج لبني إسرائيل عجلاً وقال لهم هذا إلهكم فاعبدوه، وكان ذلك عندما غاب موسى عن قومه أربعين يوماً.
نسأل الله تعالى أن يعيذنا من عبادة العجل وقد غاب عنا أمامنا أكثر من ألف سنة وليس أربعين يوماً فقط.
وأيضاً: كان علماء بني إسرائيل يتآمرون على نبي الله عيسى  وأرادوا أن يوقعوه في قبضة الظالم آنذاك؛ لأنهم تأكدوا أنه سوف يفضح كل انحرافاتهم عن الشريعة الحقة التي عليها وغطوها بغطاء الدين المزيف.
وأما قصة الخوارج الذين خرجوا على الإمام علي  فإن أغلبهم من أصحاب رسول الله محمد ، وكانوا يُعرفون بأنهم زهاد البلد والعبّاد وحفظة القرآن الكريم وذوو الجباه السود، ورغم كل ذلك خرجوا ضد الإمام علي  وتأولوا عليه القرأن وقالوا: (لا حكم إلا لله)، وهي (كلمة حق أريد بها باطل)، وهذه مغالطات إبليس (لعنة الله عليه) ومكائده عندما يريد أن يضل المنتسبين للدين فإنه يلبس عليهم الأمور ويأتيهم من حيث لا يشعرون، قالوا لا حكم إلا لله، متناسين أن أمير المؤمنين  هو القرآن الناطق، وأنه نفس رسول الله تعالى ، وأنه مع الحق والحق معه ولن يفترقا حتى يردا الحوض على رسول الله تعالى .
وهذا شريح القاضي - وهو من علماء الكوفة - أفتى ليزيد (لعنة الله عليه) بأنّ الإمام الحسين  خارجي قد خرج على إمام زمانه (لعنة الله عليه)، وجوّز قتله، وهو يعلم بكلام الرسول : (الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا)، و (حسين مني وأنا من حسين)، و (أحب الله من أحب حسيناً).
إنها سنة متبعة، ففي كل زمان بلعم بن باعوراء، وفي كل زمان سامري وعلماء بني إسرائيل، وفي كل زمان خوارج وشريح يجوّز للطواغيت قتل ومحاربة أولياء الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الشيخ ناظم العقيلي - كتاب ( لمن الملك اليوم ... لله ام للشيطان ... للمهدي ام للامريكان )
الهوامش /
- هود: 113.
- الاحتجاج: ص395.
- التوبة: 31.
- أصول الكافي: ج1 ص73، وسائل الشيعة: ج18 ص89.
- الشعراء: 94.
- أصول الكافي: ج1 ص67.
- وسائل الشيعة: ج18 ص91.
- أصول الكافي: ج1 ص66.
- وسائل الشيعة: ج18 ص93.
- يوسف: 106.
- وسائل الشيعة: ج18 ص91.
- الأعراف: 175 – 176.
---------