اختلف الناس في الملك فريقان: فريق وحّد الله في كل شيء وأقر لله تعالى بالهيمنة على كل العوالم، واتخذ لنفسه شعاراً قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾( ). والفريق الآخر رفض اختيار الله تعالى واتبع اختيار المخلوق الناشئ من العقل البشري الناقص، فضلوا وأضلوا ووقعوا في شباك إبليس اللعين فقادهم إلى ظلمات الجهل ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها.
والفريق الأول هم الأنبياء والرسل والأوصياء والصلحاء، ومن سار على نهجهم هؤلاء قُرضوا بالمقاريض ونُشروا بالمناشير، وصُلبوا وهُتكت حرماتهم كل ذلك في سبيل تطبيق حكم الله في الأرض، وعدم تمكين الظلمة والطواغيت من التسلط على عباد الله تعالى والإفساد في الأرض.
بربكم اسألوا الذين يفتون بجواز اختيار الناس لمن يحكمهم، لماذا قُتل الإمام علي  والإمام الحسن ، ولماذا قتل الإمام الحسين  وقتل أصحابه وأهل بيته وسبيت نساؤه وقدم حتى الرضيع ؟ الجواب يقدمه أبو عبد الله  عندما خرج إلى كربلاء: (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب  ...)، ولا يكون الإصلاح إلا بالحكم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد واجتثاث جذور الفساد المتمثلة في تلك الشخصيات التي تسلطت على الحكم بأطروحات شيطانية منحرفة مثل الشورى والانتخابات والديمقراطية وغيرها من النفايات النتنة، اسألوهم لماذا قُتل الأئمة المعصومون من ذرية الحسين ، قضوا حياتهم بين مسجون في مطامير السجون وبين مشرد ومضطهد قد منع عن شيعته ومواليه وأهله.
كل هذا لأنهم أبوا أن يعترفوا للظالمين بمشروعية حكمهم، ولأنهم صرحوا للناس: (قولوا لا اله إلا الله تفلحوا)، لا اله إلا الله ولا معبود ولا مطاع سواه، له الملك وله الحكم والتدبير وإليه ترجع الأمور. فمن قال بخلاف ذلك فهو من أنصار الأول والثاني، مؤسسي هذا المذهب المنحرف عن الولاية الإلهية والداخل في الولاية الشيطانية، فما بال القوم الآن يطالبون (مع أمريكا وأذنابهم) بالانتخابات … هل عجزوا أن يكونوا كبني إسرائيل عندما أرادوا الخروج لحرب جالوت، إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله … حيث كانت النبوة في بيت والملك في بيت آخر ولم يعتمدوا على أنفسهم في اختيار من يكون ملكاً عليهم … قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾( ).
عن أبي عبد الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال: (وكان الملك في ذلك الزمان هو الذي يسير بالجنود والذي يقيم له أمره وبينه بأن الخير من عند ربه، فلما قالوا ذلك لنبيهم قال لهم إنه ليس عندكم وفاء ولا صدق ولا رغبة في الجهاد، فقالوا إن كتب الجهاد فإذا أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلابد من الجهاد، ويطاع ربنا في جهاد عدونا، قال: فإن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، فقالت عظماء بني إسرائيل: وما شأن طالوت يُملّك علينا وليس في بيت النبوة والمملكة وقد عرفت أن النبوة والمملكة في آل لاوي ويهودا وطالوت من سبط بنيامين بن يعقوب، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾( )، والملك بيد الله يجعله حيث يشاء ليس لكم أن تختاروا، وأن آية ملكة أن يأتيكم التابوت من قبل الله تعالى تحمله الملائكة ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾( )، وهو الذي كنتم تهزمون به من لقيتم، فقالوا إن جاء التابوت رضينا وسلمنا) ( ).
فبني إسرائيل وإن اعترضوا على طالوت لكنهم معتقدين بالأطروحة الإلهية وهي أن الملك لله يؤتيه من يشاء، فلم يختاروا لأنفسهم ملكاً بل طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكاً يقودهم لجهاد الطاغوت وجنوده.
فمالنا كتاب الله بين أيدينا وإمامنا حي يرزق، ومع ذلك لم نُحكِّم كتاب الله تعالى في قضايانا ولم نطلب من الإمام المهدي  أن يرشدنا إلى من يقودنا إلى الصراط المستقيم، أو أن نمهد للإمام المهدي  سلطانه ونتضرع إلى الله أن يعجل ظهوره لنا لكي ينقذنا من كل هذه الفتن والانحرافات.
وعن أمير المؤمنين : (إنّا لم نحكم الرجال، وإنما حكمنا القرآن. هذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين، لا ينطق بلسان، ولابد له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال … إن أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه - وإن نقصه وكرثه - من الباطل وإن جر إليه الفائدة وزاده، فأين يتاه بكم ؟ ومن أين أتيتم ؟ استعدوا للمسير إلى قوم حيارى عن الحق لا يبصرون، وموزعين بالجور، يعدلون به، جفات عن الكتاب، نكب عن الطرق، ما أنتم بوثيقةٍ يُعلق بها ولا زوامر عز يعتصم إليها، لبأس حشائش نار الحرب ؟ أفٌّ لكم ؟ لقد لقيت منكم برحاً، يوماً أناديكم ويوماً أناجيكم، فلا أحرار صدق عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاء "أي العتاب") ( ).
فوالله الواحد الأحد لو أطعنا أو اقتدينا بمن يجوّز انتخاب الناس للحاكم، فاستعدوا للمسير إلى قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه، كما قال أبو الحسن  فإن هؤلاء سوف يسلطون علينا حكام، لا يخافون الله تعالى ولا يعملون بكتابه، وسوف يصبحون مثل صدام الملعون، وسيعاد الظلم والجور من جديد وسوف يرتاح هؤلاء الذين أفتوا بجواز الانتخابات ويخلدوا إلى النوم والراحة والترف متسترين بالتقية كما فعلوا ذلك مع صدام لعنه الله وأخزاه.
والسبب الرئيسي في الظلم والتعسف من قبل صدام وزمرته الخبيثة هو الحكم بالهوى والعقل البشري الناقص، وترك حكم الله تعالى وحكم عقول أهل البيت الكاملة بكمال الله سلام الله عليهم.
وأخذ صدام اللعين ينفذ كل ما يراه منسجماً مع شهواته ورغباته وإن كان بإراقة الدماء وهتك الأعراض، وكل شخص يقف في وجهه فهو خارج عن القانون ومجرم يجب أن يعاقب، فإلى كل من عنده بقايا دين استعدوا للسجون والتعذيب من جديد؛ لأن هؤلاء الحكام المرشحون للحكم سوف يسيرون بدستور غير خاضع للدستور القرآني الإلهي، وكل من يعارض أو لا يطبق يعتبر خارج عن القانون ويجب أن يعاقب حتى لو كان العقاب إعدامه من الحياة الدنيا !!
رجاءً أفيقوا من نوم الغفلة .. رجاءً انتبهوا .. قبل أن يأتي يوم لا تنفع الندامة صاحبها .. رجاءً تفكروا في حالكم، لقد أُعيدت فيكم السقيفة، وسوف نضيع حق الله ورسوله والأئمة الأطهار كما ضيعها الذين سبقونا في غابر الزمان، وبالنهاية نخاف أن نكون غرضاً لسيف قائم آل محمد  وفي ذلك خسران الدنيا والآخرة، أعاذنا الله وإياكم من ذلك، وجعلنا من أنصار الإمام المهدي  الذابين بين يديه، وسوف أُريكم من الأحاديث التي تنفي جواز انتخاب الناس لحكام البلاد مهما كانت مواصفات ذلك الحاكم والأحاديث التي تنفي جواز الحكم بغير القرآن، حتى لا يعتذر أحدٌ ويقول إني لم أطلع على روايات أهل البيت في ذلك المجال ..
عن أبي عبد الله ، قال: (من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله  ممن له سوط أو عصا فهو كافر بما أنزل الله على محمد ) ( ).
عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله  فهو كافر بالله العظيم) ( ).
عن معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبد الله  يقول: (أي قاض قضى بين اثنين فأخطأ، سقط أبعد من السماء) ( ).
عن أبي عبد الله  إنه قال: (الحكم حكمان: حكم الله، وحكم أهل الجاهلية. فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم أهل الجاهلية، ومن حكم بدرهمين بغير ما أنزل  فقد كفر بالله تعالى) ( ).
عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله : ترد علينا الأشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنته فننظر فيها ؟ فقال : (لا، أما إنّك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله) ( ).
أقول: إذا كان أبو بصير وهو الثقة العادل المقرب من الإمام الصادق  لا يجوز له العمل برأيه فكيف يكون لغيره ذلك. مع العلم أن أكثر الذين تصدوا لسياسة العباد والبلاد وحكمهم هم فسقة خارجين عن الدين بأفعالهم الشنيعة، بل معظمهم عملاء للغرب الكافر وأذنابه. فهل بعد الحق إلا الظلال المبين ؟؟!!
* * *
الشيخ ناظم العقيلي - كتاب ( لمن الملك اليوم ... لله ام للشيطان ... للمهدي ام للامريكان )
الهوامش /
- آل عمران: 26.
- البقرة: 246.
- البقرة: 247.
- البقرة: 248.
- تفسير البرهان: مج1 ص237.
- نهج البلاغة - تحقيق صبحي الصالح: ص182.
- وسائل الشيعة: ج18 باب 5 ص17.
- وسائل الشيعة: ج18 باب5 ص17.
- وسائل الشيعة: ج18 باب5 ص17.
- وسائل الشيعة: ج18 باب5 ص17.
- وسائل الشيعة: ج18 ص24.
-----------------