السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وكل عام وأنتم بألف خير بمناسبة قرب حلول أيام الله التي أمر الناس فيها بالتوجه إلى خليفته، فأمره بالأذان وأمر الناس جميعا بالإجابة وإتيانه، والزمان هو الزمان والمكان هو المكان والذي تاه عنه الناس هو الإنسان الإلهي سيد المكان والزمان، ومن دون معرفته لا قيمة للزمان ولا للمكان فتكون التلبية والشعائر خاوية خالية من معناها الحقيقي، لا يبقى منها إلا الفاظ لا تسمن ولا تغني من فقر وجوع ....
البشرية تزرع في دربها الشبهات والشتات
وخلفاء الله يعبدون الصراط بدمائهم
لعلها مفارقة عجيبة وغريبة تلك التي تحصل على هذه الأرض فالذي يأتي هادياً منقذاً يبذل الغالي والنفيس، ويقدم كله كي يعبّد الطريق إلى الله وهو بفضل الله غني عن ذلك، والفقراء المحتاجون الذين يشكل لهم هذا الطريق سبيل الخلاص تجدهم يجتهدون في تخريبه بخداع أنفسهم بما يزرعون من عاقول الشبهات وقتادها لكي يقنعوا أنفسهم أن هذا السبيل لو كان إلهياً لكان مفروشا بالسجاد وليس بالعاقول والقتاد!!!
لقد جربت البشرية ألوان القيادات وثملت من كأس الحرمان والضيم والظلم الذي تجرعته على طوال مسيرتها، ولكنها عندما يطرق سمعها الحديث عن حاكمية الله تستطيل آذانها وتظهر عليها حالات من الهيستريا الغريبة وكأنك ذكرت شيئاً فيه فناءها، وليس أمراً فيه خلاصها ونجاتها من مستنقع الذل الذي ترتع فيه وتلعنه بكل لحظة بعدد أنفاس الخلائق!!
كحالنا اليوم تماما، كل رموز السلطة يتحدثون عن استشراء آفة الفساد في مفاصل الدولة!! هذا ماذا يعني؟؟!! يعني أن السلطة كلها بكل رموزها فاسدة، وليس في هذا تجني على أحد مادام السلطة هي من تتحدث وتعلن ذلك جهارا نهارا بلا خوف ولا حياء!!! لذا نحن أمام حال من حالين لا ثالث لهما؛ إما أن يغسل الشعب عن بدنه قذر الفساد ووساخته ليعود نظيفاً معافى، أو أن يبقى في مستنقع سيوصله يوماً ما وهو ليس ببعيد إلى أن يذكر على صفحات التاريخ كما تذكر الديناصورات اليوم، أو كما يذكر طائر العنقاء، فالأساطير تحفرها في ذاكرة الشعوب غرابتها بل شدة غرابتها، وما يحصل في هذا الزمان لاشك في أنه وصل بالغرابة حداً فاق التصور الأسطوري للعنقاء والديناصور!!!
إن حياة الناس لوحة بانورامية مليئة بالدخان والدم المتجمد على الارصفة، والأشلاء المتوزعة على قارعة الطريق، فضلا عن البنايات التي غير ملامحها إزميل الشر فحولها إلى خرائب تخشى سكناها البوم الحزين!!!!
في هذا الحال المزري الذي يصرخ ليلا ونهارا يطالب بالحل، لو قلت لهم الحل في حاكمية الله، وبالرجوع إلى الله سبحانه .... استحضر الناس كل مشاعر الألم والعدوانية والعنف وو .. وكأنك تحدثت أمامهم بما يهلكهم ولم تتحدث بما يصلحهم ويخلصهم من حال البؤس الذي يعيشون فيه والذي قاربوا فيه أن ينسلخوا عن إنسانيتهم تماما!!!
الناس إلى الآن لم يلتفتوا إلى قول الحكيم محمد(ص): أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك!! أي والله ألد الأعداء وأشرسهم وأخبثهم هي هذه التي تتوارى في دمائنا وعظامنا ولحمنا وجلدنا، فهي التي تتذمر وتتنمر عندما يمر بها نسيم الحديث عن حاكمية الله!! لماذا؟؟!! لأنها جبلة متمردة عاصية متنمرة، وامتحاننا بها في هذا العالم هو بكسر عنادها وإذلال تنمرها وترويضها على طاعة الله لا طاعة سين وصاد ممن لم ينزل الله بهم سلطانا، وطاعة الله دوماً وأبدا منذ أول يوم من تشريع التكليف كانت متمثلة بسين وصاد من الناس الذين جعل الله سبحانه لهم سلطانا.
وهنا أردت بإعادة (سين وصاد) في المثالين لبيان أن القضية لا تتعلق بشخصنة الأمر بل تتعلق بالأمر ذاته، فسين وصاد هم أشخاص من الناس ومن يجعل طاعتهم واجبة هو إنزال السلطان بهم، والعكس بالعكس، فماذا فعلت البشرية وبغرابة شديدة؟؟ قالت بما أن المدار هو سين وصاد، فليكن ولكن ليس سين وصاد الذي يختاره الله جلت قدرته بل سين وصاد الذي نختاره نحن!!!
وكم هو عظيم صبر الله وصبر جنوده على هذه البشرية التي تصر على أن تجعل ظهرها ركوباً لأنفسها الأمارة بالسوء، والله جلت قدرته إنما خلق الأنفس لتكون ظهراً مركوباً لصاحبها مطواعة لأمره، وليس العكس .... يا إلهي كم هي عظيمة كلمات أمير المؤمنين علي(ص) إذ يقول: إلهي لقد جرت على نفسي بالنظر لها فلها الويل إن لم تغفر لها!!! علي(ع) يعد النظر إلى النفس جوراً فما بال من يذهب بها عريضة ويسلم قياده كله لنفسه لترمح به وتضرب به كل حجر ومدر؟؟!!
الحكمة بسيطة جداً ولا تحتاج منا إلى غير الالتفات والنظر، أيها الناس أنزلوا أنفسكم عن ظهوركم ولا تكونوا مطية لها، بل الله سبحانه جعلها مطية لكم لتبلغ بكم الغاية التي أرادها هو سبحانه، فمن كانت نفسه مطيته وانشغل بالنظر إلى الغاية ولم يلتفت لها بلغ الغاية، أما من جعل من ذاته مطية لنفسه انشغل بها وجار عليها وهلك وأهلك.
ليس أمامنا من خلاص غير التوجه إلى الله سبحانه ليدلنا على سينه وصاده ليتغير الحال، وكذب وافتراء وضحك على الذقون كل من يقول: الحل في صناديق الاقتراع، فلا يجرب المجرب إلا من كان عقله مخرب .... هكذا يقول الناس في المثل المشهور ...
الدكتور زكي الصبيحاوي
https://www.facebook.com/Alsabehaoy1...45058675684593
-------------